
البدر التام كما يظهر خلف جامع آياصوفيا الكبير. اسطنبول
مديرية الإفتاء في إسطنبول تقدّم موعد أذان الفجر إلى وقت الإمساك
أعلنت مديرية الإفتاء في ولاية إسطنبول اعتماد تعديل مؤقت شتوي في موعد رفع أذان صلاة الفجر في مساجد المدينة، بحيث يُرفع الأذان عند دخول "وقت الإمساك" (الفجر الصادق)، بدلاً من التوقيت المعمول به سابقاً، وذلك اعتباراً من 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 حتى 12 مارس/آذار 2027.
وبموجب القرار، سيُرفع أذان الفجر عند دخول وقت الإمساك، على أن تُقام الصلاة جماعة بعد الأذان بنصف ساعة.
وأوضحت مديرية الإفتاء أن القرار جاء استجابة لمطالب متكررة من المواطنين، أشاروا فيها إلى أن تأخر شروق الشمس في أشهر الشتاء يجعل الالتزام بمواعيد صلاة الفجر جماعة وفق التوقيت السابق يسبب صعوبات في الذهاب إلى العمل في الوقت المناسب.
ووفقاً للإعلان، سيُستأنف العمل بالتوقيت السابق اعتباراً من 13 مارس/آذار 2027، إذ سيُرفع أذان الفجر في مساجد إسطنبول قبل شروق الشمس بساعة، وفقاً للتوقيت المعتمد من رئاسة الشؤون الدينية التركية.
اختلاف في معنى الإمساك بين تركيا وبعض البلدان العربية
يثير القرار اهتماماً خاصاً لدى المسلمين العرب المقيمين في تركيا، ولا سيما السوريين، بسبب اختلاف استعمال مصطلح «الإمساك» بين تركيا وبعض البلدان العربية.
ففي الاستعمال الشائع في سوريا، يُطلق تعبير «أذان الإمساك» في شهر رمضان على الأذان التنبيهي الذي يسبق دخول وقت الفجر الصادق ببضع دقائق، خمس دقائق مثلاً، لتنبيه الصائمين إلى اقتراب انتهاء وقت السحور والتوقف عن تناول الطعام والشراب. ويأتي بعده أذان الفجر الذي يعلن دخول الوقت الشرعي للصلاة وبداية الصيام.
أما في تركيا، فيُستخدم مصطلح "الإمساك" (İmsak) في التقاويم الدينية للدلالة على اللحظة التي يدخل فيها وقت الفجر الصادق، أي الوقت الذي ينتهي فيه السحور ويبدأ الصيام، وتدخل فيه صلاة الفجر. ولذلك، فإن عبارة «رفع أذان الفجر عند الإمساك» تعني في الاصطلاح التركي رفع الأذان عند دخول وقت الفجر نفسه، وليس قبل دخوله.
وتؤكد رئاسة الشؤون الدينية التركية أن الإمساك يبدأ بطلوع الفجر الصادق، وأن هذا التوقيت يمثل في الوقت نفسه نهاية وقت العِشاء وبداية وقت صلاة الفجر. ويستند هذا التحديد إلى الآية 187 من سورة البقرة، التي تحدد بداية الصيام بظهور خيط الفجر الأبيض وتميّزه من ظلمة الليل.
من الناحية الاصطلاحية، كلمة الإمساك مشتقة من الفعل «أمسك»، أي كفّ وامتنع، لكنها تُستخدم في التقاويم التركية بمعنى محدد هو بداية وقت الصيام والفجر الصادق. أما في بعض التقاويم والأعراف المحلية في البلدان العربية، فقد يُخصص توقيت تنبيهي يسبق الفجر يُسمّى أذان الإمساك أو التنبيه للسحور.
الفجر الكاذب والفجر الصادق.. ما الفرق؟
يرتبط تحديد وقت الفجر بظاهرتين فلكيتين وردتا في كتب الفقه الإسلامي باسم الفجر الكاذب والفجر الصادق.
فالفجر الكاذب، ويُسمّى أيضاً الفجر الأول، هو ضوء يظهر في السماء على هيئة امتداد عمودي يشبه ذنب السرحان (الذئب) ثم يختفي ولا ينتشر على الأفق. ولا يترتب عليه دخول وقت صلاة الفجر أو انتهاء وقت السحور.
أما الفجر الصادق، ويُسمّى الفجر الثاني، فهو الضوء الأبيض الذي يظهر ممتداً بصورة أفقية على طول الأفق الشرقي، ثم يزداد انتشاراً ووضوحاً مع اقتراب شروق الشمس. وبظهوره يدخل وقت صلاة الفجر وينتهي وقت تناول الطعام والشراب للصائم.
وبالتالي، فإن التوقيت الذي تسميه التقاويم التركية «الإمساك» هو وقت ظهور الفجر الصادق، وليس الفجر الكاذب أو التنبيه الذي قد يسبقه ببضع دقائق في بعض البلدان.
لماذا يتأخر أذان الفجر في تركيا؟
يرتبط تأخير أداء صلاة الفجر في تركيا بالمذهب الحنفي السائد في البلاد الذي يستحب أداء الصلاة في وقت الإسفار، أي عندما ينتشر ضوء الصباح ويصبح الأفق أكثر إنارة، بدلاً من أدائها في أول وقتها عندما لا يزال الظلام سائداً.
في المقابل، يرى المذهب الشافعي، إلى جانب المذاهب المالكية والحنبلية في الرأي المشهور، أن أداء صلاة الفجر في أول وقتها، أي عند التغليس، هو الأفضل. ويُقصد بالتغليس أداء الصلاة في ظلمة آخر الليل، عند دخول وقت الفجر الصادق وقبل انتشار ضوء الصباح.
الاختلاف بين المذهبين بموعد دخول وقت الفجر ليس اختلافاً شرعياً، فهما يتفقان على أن وقته يبدأ بطلوع الفجر الصادق، بل هو يتعلق بالوقت المستحب لأداء الصلاة.
ولهذا تقوم الكثير من المساجد التركية بتأخير أذان الفجر وإقامة الصلاة إلى وقت أقرب إلى الإسفار، فيما اعتاد المسلمون في بلدان تتبع المذهب الشافعي أو تأخذ بقول جمهور الفقهاء أداء الصلاة في أول وقتها.
ووفقاً لتوضيح نشرته وكالة الأناضول في أبريل/نيسان 2021، يُرفع أذان الفجر في تركيا خارج شهر رمضان قبل شروق الشمس بنحو ساعة، مراعاةً للوقت الذي يُستحب فيه أداء الصلاة وفق المذهب الحنفي. أما في رمضان، فيُرفع الأذان عند دخول وقت "الإمساك" بالمفهوم التركي، لأن الناس يكونون مستيقظين للسحور ولأن وقت صلاة الفجر يكون قد دخل بالفعل.
المسلمون الأجانب في تركيا
هذا التفصيل الصغير يؤثر على الحياة اليومية للمسلمين الأجانب المقيمين في تركيا، ولا سيما القادمين من بلدان اعتادوا فيها سماع أذان الفجر عند دخول وقته مباشرة.
وقد أثارت المسألة تساؤلات فقهية لدى بعض المقيمين العرب في تركيا، بسبب ملاحظتهم اختلاف موعد الأذان في المساجد عن التوقيت المسجل في تطبيقات الهواتف المحمولة ومواقيت الصلاة التي اعتادوا اتباعها.
وفي فتوى نشرها موقع «إسلام ويب» في 10 يناير/كانون الثاني 2017، طرح أحد المقيمين في تركيا هذه المشكلة، موضحاً أن وقت الفجر في فصل الشتاء محدد في التقويم عند الساعة السادسة والنصف صباحاً، في حين يرفع أذان المساجد عند السابعة، وتُقام الصلاة عند السابعة وخمس وثلاثين دقيقة.
وتساءل السائل عما إذا كان عليه انتظار صلاة الجماعة في المسجد أو أداء الصلاة عند دخول وقتها وفق التقويم.
وأرجعت الفتوى هذا الاختلاف إلى شيوع المذهب الحنفي في تركيا، الذي يستحب تأخير صلاة الفجر إلى الإسفار، مقابل قول جمهور الفقهاء باستحباب أدائها في أول وقتها. وأوضحت أن تأخير الصلاة لا يعني خروجها عن وقتها، ما دامت تُؤدّى قبل شروق الشمس.
وتكشف هذه الحالة عن جانب من الصعوبة التي قد يواجهها المسلمون الأجانب في التوفيق بين توقيت الأذان في المساجد التركية والتوقيت الذي اعتادوا اتباعه في بلدانهم، فضلاً عن الالتباس الذي قد ينشأ عند استخدام تطبيقات الصلاة التي تعرض وقت دخول الفجر، بينما يتأخر أذان المسجد عنه.
سابقة مماثلة في إسطنبول عام 2018
قرار تعديل مؤقت شتوي في موعد رفع أذان صلاة الفجر ليس الأول من نوعه في المدينة؛ فقد سبق لمديرية الإفتاء في إسطنبول أن أعلنت في 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2018 اعتماد رفع أذان الفجر عند دخول وقت الإمساك على أن تُقام الصلاة بعد الأذان بنصف ساعة.
وجاء القرار آنذاك استجابة لمطالب المصلين الذين واجهوا صعوبات في حضور صلاة الفجر جماعة بسبب تطبيق نظام التوقيت الصيفي، وما ترتب عليه من اختلاف في مواعيد الأذان والإقامة.
ويعيد القرار الجديد العمل بهذه الآلية في الفترة الشتوية، بما يسمح للمصلين بأداء الصلاة في وقت أقرب إلى بداية الفجر، ويمنحهم فرصة أكبر للتوجه إلى أعمالهم في الوقت المناسب.
شارك هذا المقال

































