
الشارقة تطلق مشروعاً معرفياً يوثّق العلوم والآداب والفنون وأعلام الحضارة العربية والإسلامية
دشّن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة والرئيس الأعلى لمجمع اللغة العربية بالشارقة، 143 مجلداً من «الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام»، في افتتاح الدورة 45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وأعلن حاكم الشارقة أن العمل على الموسوعة بدأ العام الماضي وأنها ستكتمل وتصبح جاهزة للقراء والباحثين في العام المقبل، بنسختيها الورقية والإلكترونية، لتكون مرجعاً عربياً يجمع المعارف المختلفة وييسّر الوصول إليها، ويخدم الدارسين والباحثين في مختلف التخصصات.
وأوضح أن أكثر من 1500 متخصص في العلوم والمعارف والفنون من مختلف أنحاء العالم يشاركون في إنجاز المشروع، مشيراً إلى توفير الإمكانات اللازمة لاستكماله ومضاعفة الجهود الرامية إلى إنجازه وفق الجدول المحدد.
شهد حفل الافتتاح أيضاً تدشين الموقع الإلكتروني الرسمي للموسوعة، الذي يتيح الاطلاع على محتوياتها والبحث في موادها باستخدام أدوات وخصائص مخصصة لتسهيل الوصول إلى المعلومات.
الموسوعات العربية.. محاولات لتجميع المعرفة وتوثيقها
يأتي المشروع الجديد في سياق تاريخ طويل من المحاولات العربية الرامية إلى إنشاء مراجع موسوعية جامعة، تستوعب مختلف ميادين المعرفة وتوفر للقارئ العربي مصادر علمية موثوقة بلغته. وقد شهدت العقود الماضية ظهور عدد من المشاريع البارزة، اختلفت في مناهجها وأهدافها ومجالات تغطيتها.
ومن أبرز هذه المشاريع «الموسوعة العربية العالمية»، التي صدرت في المملكة العربية السعودية عام 1999، وهي من أوسع الموسوعات العامة باللغة العربية. وتتألف من 30 مجلداً وتضم نحو 150 ألف مدخل رئيسي وعنوان فرعي، وأكثر من 14 ألف صورة وخريطة وإيضاح، موزعة على أكثر من 17 ألف صفحة. وتتميز بشمولها طيفاً واسعاً من المعارف الإنسانية والعلمية، مع الجمع بين المعرفة العالمية والإسهامات العربية والإسلامية في مختلف المجالات.
وفي سوريا، أُنجزت «الموسوعة العربية» بإشراف هيئة الموسوعة العربية، التي أسست عام 1981. وصدر العمل في 22 مجلداً، إضافة إلى مجلد للمصطلحات الواردة فيها باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وآخر للفهارس. وتضم الموسوعة نحو 20 ألف بحث في مجالات الحضارة العربية والآداب واللغات والعلوم الإنسانية والقانونية والاقتصادية والطبيعية والتطبيقية والطبية والتربية والفنون.
تتميز التجربة السورية باعتماد المقالات العلمية المتخصصة التي تتناول موضوعاتها من جوانب متعددة، وبالاستناد إلى التأليف العلمي العربي، مع الاستعانة بالمصادر الأجنبية والترجمة عند الضرورة.
تكشف هذه التجارب عن تنوع المقاربات الموسوعية العربية؛ فمنها ما اتخذ المعرفة الإنسانية بمختلف فروعها مجالاً شاملاً، ومنها ما ركّز على تقديم مادة علمية متخصصة، فيما يسعى مشروع الشارقة إلى الجمع بين التعريف بالعلوم ومصطلحاتها، وتوثيق تطورها وإسهامات أعلامها.
أرابيكا.. مشروع موسوعي رقمي عربي واسع النطاق
ومن المشاريع الموسوعية العربية الحديثة أيضاً «الموسوعة العربية الشاملة – أرابيكا»، التي يعمل عليها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ومقره الدوحة، لإنشاء مرجع معرفي رقمي مفتوح باللغة العربية، يغطي مختلف فروع المعرفة الإنسانية والعلمية. وتشمل موضوعاتها العلوم والفنون والآداب والأديان والفكر والفلسفة والاقتصاد والسياسة والتاريخ والجغرافيا والديموغرافيا، مع اهتمام خاص بالحضارة الإسلامية والبلدان العربية.
يتميز مشروع أرابيكا بأنه لا يعتمد على ترجمة موسوعات أجنبية وإعادة صياغة محتوياتها، بل يقوم على تأليف المداخل باللغة العربية بأقلام باحثين ومتخصصين عرب، يوقّعون أعمالهم بأسمائهم، ضمن منظومة للتحرير والتحكيم العلمي والتدقيق اللغوي. ووفقاً للقائمين عليه، يشارك فيه نحو 1500 مؤلف وأكثر من 200 محرر علمي، وقد أُنجزت عشرات الملايين من الكلمات في مختلف الحقول المعرفية.
ويستهدف المشروع توفير مرجع موثوق ومتاح للجمهور، من القارئ غير المتخصص إلى الباحث الأكاديمي، في مواجهة تدفق المعلومات غير الدقيقة على الإنترنت، وتعزيز حضور المعرفة المنتجة باللغة العربية في البيئة الرقمية. ومن المقرر إطلاق بوابته الرئيسة في مطلع عام 2027، على أن يستمر تطوير الموسوعة وتوسيع محتوياتها على مراحل.
موسوعة الشارقة
بالعودة إلى الموسوعة العربية الشاملة في الشارقة، فإن إحدى السمات الأساسية هي الجمع بين أربعة محاور مترابطة: العلوم والآداب والفنون والأعلام. فهي لا تستهدف تقديم معلومات عن الحقول المعرفية فحسب، بل تسعى أيضاً إلى التعريف بأصولها وفروعها ومصطلحاتها، وتوثيق الشخصيات التي أسهمت في نشأتها وتطورها.
وتولي الموسوعة اهتماماً خاصاً بالعلوم المرتبطة باللغة العربية، ومنها النحو والصرف والبلاغة والعروض واللسانيات والمعجميات والصوتيات، إلى جانب العلوم الشرعية، بما فيها العقيدة وعلوم القرآن والفقه وأصوله ومقاصد الشريعة والحديث.
يمتد نطاقها إلى العلوم الإنسانية والتطبيقية والفنون والآداب، علاوة على تراجم العلماء والمفسرين والمحدثين واللغويين والشعراء والأدباء والفلاسفة والفقهاء، والشخصيات التاريخية التي تركت أثراً في الحضارة العربية والإسلامية.
من الجوانب اللافتة في المشروع أنه لا يفصل تاريخ العلوم عن تاريخ الشخصيات التي أنتجتها، بل يعمل على الربط بين المعرفة بوصفها حصيلة تراكم علمي، وبين العلماء والمفكرين الذين أسهموا في بنائها ونقلها وتطويرها.
ومع ذلك، يبقى الحكم على الإضافة العلمية التي يقدمها المشروع مقارنة بالموسوعات العربية السابقة مرتبطاً بمستوى المادة العلمية ودقة التوثيق وتنوع المراجع ومنهجية التحرير والمراجعة، وليس بعدد المجلدات أو المشاركين وحدهما.
الشارقة والاستثمار في المعرفة واللغة العربية
لا يمكن فصل إطلاق الموسوعة عن المسار الثقافي الذي انتهجته الشارقة على مدى عقود والقائم على دعم الكتاب والنشر والبحث العلمي وإنشاء المؤسسات المعنية باللغة العربية والتراث والثقافة وتوفير المنصات التي تتيح إنتاج المعرفة وتداولها.
تكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه اللغة العربية في مجال إنتاج المعرفة العلمية والتقنية، والحاجة إلى تطوير المصطلحات وتوحيدها، وإتاحة المراجع المتخصصة باللغة العربية، بما يعزز حضورها في التعليم والبحث والتواصل العلمي.
كما أن إشراف مجمع اللغة العربية بالشارقة على المشروع يمنحه بعداً لغوياً ومؤسسياً، لا يقتصر على جمع المعلومات، بل يمتد إلى خدمة العربية بوصفها لغة للعلم والتأليف والتفكير والإنتاج المعرفي.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الموسوعة على أنها محاولة لإعادة وصل الحاضر العربي بتراثه العلمي والثقافي، وتقديم هذا التراث ضمن إطار موسوعي حديث، لا يكتفي باستعادة منجزات الماضي، وإنما يسعى إلى جعلها متاحة للباحثين والقراء، وقابلة للاستثمار في إنتاج معرفة جديدة.
شارك هذا المقال

































