
عميد المسجد الكبير في باريس، شمس الدين محمد حفيظ
عميد الجامع الكبير: ليس لأحد أن يدفعه دينه إلى كراهية جماعة
في ظل تصاعد التوترات الدينية وتنامي خطاب الكراهية والانقسام في العالم، تكتسب الدعوات إلى التعايش السلمي الديانات أهمية متزايدة. وفي هذا السياق، أصدر عميد المسجد الكبير في باريس، شمس الدين محمد حفيظ، بياناً حول التعايش السلمي بين المجتمعات والأديان أكد فيه أن الاختلاف الديني لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة للعداء، وأن حماية السلم المجتمعي مسؤولية أخلاقية وإنسانية مشتركة.
نص البيان:
في مقال رأي نشرته صحيفة لو فيغارو، يذكّر الصحفي كلود أسكولوفيتش Claude Askolovitch المتخصص في الدراسات الاجتماعية والعلاقات بين المجتمعات في فرنسا، بحقيقة بديهية كثيرًا ما ننساها: ليس لأحد أن يدفعه دينه إلى كراهية جماعة أخرى كما ليس لأحد أن يكره أحد باسم الدين. وأنا أشاركه هذا الرأي، وأود أن أضيف إليه صوت الجامع الكبير بباريس.
ثمة أولًا الذاكرة. خلال الاحتلال النازي، ساعد مؤسس مؤسستنا وأول عميد للجامع الكبير بباريس، سي قدور بن غبريط ومعه الإمام عبد القادر مسلي، الكثير من اليهود على الإفلات من حملات الاعتقال الألمانية والترحيل. فعلا ذلك معرضين حياتهما للخطر، في تكتم، ومن دون انتظار أي مقابل. هذا الفعل جزء من تاريخنا، وما زال يلقي على عاتقنا مسؤولية حتى اليوم.
وثمة ثانيًا الإيمان. موسى عليه السلام في التسمية الإسلامية، هو النبي الأكثر ورودًا بالاسم في القرآن الكريم. القرآن الذي يقدس ويعلي من شأن إبراهيم ونوح وداود وسليمان، يحظون بالمكانة نفسها والتكريم في اليهودية. يقول القرآن عن التوراة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: 44)، والقرآن يأمر المؤمن بألا يفرّق بين أنبياء الله (البقرة: 136)؛ ومن ثم، فإن احترام هذا الإرث ليس مجاملةً نقدمها للآخر، بل هو جزء من صميم عقيدتنا.
وأخلص من ذلك إلى نتيجة بسيطة: معاداة السامية غريب عن الإسلام. فالمسلم الذي يستند إلى إيمانه لتبرير كراهية اليهود إنما يخون هذا الإيمان. وبالروح نفسها، لا يجوز لأحد أن يخلط بين الهوية اليهودية ورفض المسلمين. فالخلط بين الأمور يخلّف جراحًا عميقة لدى الطرفين، ولا يخدم سوى أولئك الذين يريدون بث الفرقة بيننا. إن تصاعد الأعمال المعادية للسامية وبالمثل الأعمال المعادية للمسلمين كذلك في بلدنا ليس سوى وجهين لآفة واحدة، وهي آفة تستوجب تضامنًا متبادلًا.
أعلم أن الأوقات عصيبة. فالنزاعات حول العالم تلقي بظلالها على أحيائنا ومدارسنا وأحاديثنا العائلية. إن مآسي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما يجري في غزة والضفة الغربية، تهزّنا من الأعماق. لكن لا يجوز تفسير هذه المآسي على أنها مواجهة بين انتماءين دينيين، بل ينبغي، بعد كل هذا الألم، أن تدفعنا إلى التطلع معًا إلى مستقبل أكثر عدلًا وسلامًا. يميل الإنسان إلى الانكفاء على حزنه ومعاناته حتى يعجز عن رؤية آلام الآخرين. وهنا تحديدًا ينبغي لديننا ولتقاليدنا أن يردعنا عن ذلك. قد نختلف في إيماننا، لكن ليس من حقنا أن ننسى أننا نتقاسم الإنسانية نفسها.
فرنسا بحاجة إلى هذا النوع من الأخوّة: أخوّة لا تكتفي بالخطب الجميلة، بل تجرؤ على اللقاء والحوار، وتدافع عن كرامة الآخر بالحرص نفسه الذي تدافع به عن كرامتها. وهنا تلتقي قيم الجمهورية الفرنسية مع قيم الدين.
إن الأخوّة بين اليهود والمسلمين ليست حلمًا ساذجًا. فقد أرانا الإمامان المسلمان، قدوربن غبريط وعبد القادر مسلي، أن تجسيدها في الواقع ممكن، حتى في أحلك الظروف. وعلينا نحن أن ننقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.
باريس، 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026
شارك هذا المقال

































