
منظر ليلي عام للتكية السليمانية
بعد إغلاقه 15 عاماً.. مسجد التكية السليمانية التاريخي في دمشق يعود للحياة
افتتح مسجد التكية السليمانية التاريخي في العاصمة دمشق، مساء السبت 31 تشرين الأول/أكتوبر، بعد نحو 15 عاماً من الإغلاق بعد استكمال أعمال ترميمه وتأهيله، ما يعيد الحياة إلى مجمع تاريخي كان مركزاً لاستقبال الحجاج وإيواء المسافرين وإطعام الفقراء، إلى جانب وظائفه التعليمية والدينية.
وشارك في مراسم الافتتاح وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري، بحضور وزراء المالية والثقافة والسياحة، ومحافظ دمشق، وعدد من أعضاء مجلس الإفتاء الأعلى.
قال وزير الأوقاف إن إعادة افتتاح المسجد تمثل إحياءً لمعْلم حضاري وصرح علمي واجتماعي، مشيراً إلى أن الأوقاف الإسلامية في دمشق تشكل شاهداً على تاريخ طويل من التكافل الاجتماعي، ورعاية الفقراء والحجاج، وإطعام المحتاجين.

وأوضح شكري أن المسجد سيستعيد دوره الديني والعلمي، مع إقامة الصلوات الخمس فيه، وتخصيص عدد من غرفه لحلقات تحفيظ القرآن الكريم والمجالس العلمية، إلى جانب إحداث مكان للإفتاء الشرعي ومتحف توثيقي يعرض تاريخ التكية ودورها الإنساني والوقفي.
من جانبه، قال وزير الثقافة محمد ياسين الصالح إن إعادة افتتاح التكية تمثل استعادة أحد المعالم الأساسية في الذاكرة التاريخية لدمشق، مؤكداً أن أعمال الترميم أُنجزت وفق معايير دولية، وبالتعاون بين الجهات الحكومية المعنية.
وكانت المديرية العامة للآثار والمتاحف قد أطلقت في كانون الأول/ديسمبر 2025 مشروعاً لاستكمال أعمال تأهيل التكية السليمانية، ضمن جهود الحفاظ على التراث الثقافي السوري وإعادة الاعتبار للمواقع التاريخية.
تحفة معمارية من العصر العثماني
التكية السليمانية من أبرز نماذج العمارة العثمانية في دمشق، وقد أمر السلطان سليمان القانوني بتشييدها سنة 1554، على الضفة الجنوبية لنهر بردى، في الموقع الذي كان يضم قصر الأبلق، المرتبط بالسلطان المملوكي الظاهر بيبرس.
ارتبط تصميم المجمع بالمعمار العثماني الشهير معمار سنان، أحد أبرز مهندسي العمارة الإسلامية في القرن السادس عشر. وتشير الدراسات التاريخية والمعمارية إلى أن تنفيذ المشروع أشرف عليه المهندس ملا آغا، وهو ما يعكس مشاركة خبرات معمارية متعددة في تشييد هذا الصرح.
اكتملت المرحلة الأولى من المجمع، التي ضمت المسجد والمرافق الخدمية، سنة 1559، فيما أُنجزت المدرسة السليمانية المجاورة سنة 1566، لتكتمل بذلك مجموعة معمارية جمعت بين الوظائف الدينية والتعليمية والاجتماعية والخيرية.
تتميز التكية بتصميمها ذي الطابع العثماني الكلاسيكي، وقبابها المتعددة التي تتوزع حول القبة الرئيسية، ومئذنتيها الرشيقتين، فضلاً عن صحنها الواسع الذي تتوسطه بحيرة مائية، وتحيط به الأروقة والغرف المقببة. كما يضم المجمع مدرسة وسوقاً للحرف والصناعات اليدوية، إلى جانب مرافق كانت مخصصة لإقامة المسافرين وإعداد الطعام.
محطة للحجاج ومركز للتكافل الاجتماعي
لم تكن التكية السليمانية مجرد مسجد أو منشأة دينية، بل أُنشئت لتكون محطة رئيسية على طريق الحج الذي كان يربط مناطق واسعة من الدولة العثمانية بالأماكن المقدسة في الحجاز.

كان المجمع يستقبل الحجاج القادمين من الأناضول والبلقان ومناطق أخرى، ويوفر لهم الإقامة والطعام قبل مواصلة رحلتهم نحو مكة المكرمة. كما احتضن الفقراء والمحتاجين وطلاب العلم، وأدى دوراً في تقديم الوجبات المجانية، وهو ما جعل منه مؤسسة دينية واجتماعية متكاملة.
اكتسب موقع التكية أهمية تاريخية إضافية لارتباطه بقصر الأبلق، الذي يعود إلى العصر المملوكي، قبل أن يتحول في العهد العثماني إلى أحد أبرز المجمعات المعمارية في دمشق.
مع مرور الزمن، شهد المجمع تحولات في وظائفه، ولا سيما في القرن العشرين، حين احتضنت بعض أجزائه أنشطة تعليمية وحرفية، وأصبح سوق الصناعات والمهن اليدوية أحد المكونات المعروفة للموقع.
تشكل إعادة افتتاح المسجد محطة جديدة في مسار ترميم المعالم التاريخية في دمشق، وإحياء الوظائف الدينية والاجتماعية لمؤسسات وقفية ظلت جزءاً من تاريخ المدينة وذاكرتها المعمارية على مدى قرون.
شارك هذا المقال

































