
القضاء التركي ينصف كتاب «معالم في الطريق» لسيد قطب ويلغي حظره
أعلنت النيابة العامة في مدينة أنطاليا التركية رفع الحظر المفروض على طباعة كتاب «معالم في الطريق» للمفكر والأديب المصري سيد قطب، وإلغاء قرار مصادرة نسخه ومنع توزيعه وبيعه، بعد أن أثار القرار الأول موجة من الانتقادات في الأوساط الثقافية ودور النشر التركية.
وقالت النيابة العامة، في بيان صدر في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، إن محكمة الصلح الجزائية الخامسة في أنطاليا قررت، في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إلغاء قرار الحظر بناءً على طلب تقدمت به النيابة، مؤكدة أنه لم يعد سارياً أي قرار يمنع طباعة الكتاب أو توزيعه أو مصادرة نسخه.
جاء توضيح النيابة رداً على تداول منشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي تحدثت عن حظر الكتاب ومصادرة نسخه، بعدما أعلن اتحاد الصحافة والنشر التركي صدور قرار قضائي يمنع تداوله على مستوى البلاد، في إجراء شمل الطبعة الصادرة عن دار «بيكا» للنشر.
قرار الحظر أثار اعتراض اتحاد الصحافة والنشر التركي الذي اعتبر مصادرة الكتاب ومنع طباعته وتوزيعه مساساً بحرية النشر والتعبير، مشيراً إلى أن الكتاب متداول في تركيا منذ عقود، وصدر عن دور نشر متعددة.
وبحسب تقرير نشره موقع «عربي21»، استند طلب النيابة رفع الحظر إلى نتائج بحث أجرته شعبة مكافحة الإرهاب في مديرية أمن أنطاليا، تناول الادعاءات التي ربطت الكتاب بتنظيم «داعش»، مشيراً إلى أن سيد قطب أُعدم عام 1966، أي قبل تأسيس التنظيم بنحو 47 عاماً.
سيد قطب.. أديب ومفكر ترك أثراً في الفكر الإسلامي الحديث
سيد قطب (1906-1966) واحد من أبرز المفكرين والأدباء المصريين في القرن العشرين، وقد امتدت تجربته الفكرية والأدبية من النقد الأدبي والشعر والرواية إلى الدراسات القرآنية والفكر الاجتماعي والسياسي.
بدأ قطب مسيرته في الحياة الثقافية المصرية ناقداً وأديباً، وكتب في عدد من الصحف والمجلات، واهتم بقضايا الأدب والنقد والجماليات، قبل أن يتجه بصورة متزايدة إلى الدراسات الإسلامية والفكر الاجتماعي.
من أبرز مؤلفاته في مرحلته الأدبية كتاب «النقد الأدبي: أصوله ومناهجه»، و«التصوير الفني في القرآن»، الذي تناول فيه الخصائص الجمالية والتعبيرية في النص القرآني، فضلاً عن كتابه «العدالة الاجتماعية في الإسلام»، الذي بحث فيه قضايا العدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي.
ترك قطب أيضاً مؤلفات واسعة في التفسير والفكر الإسلامي، أبرزها «في ظلال القرآن» في عشرة مجلدات، وأصبح من أشهر المؤلفات المعاصرة في الدراسات القرآنية.
أُعدم سيد قطب في مصر في 29 آب/أغسطس 1966، بعد محاكمته في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وأثار إعدامه ردود فعل واسعة في العالم الإسلامي، وظلت مؤلفاته حاضرة في النقاشات الفكرية والدينية والسياسية على مدى عقود.
«معالم في الطريق».. كتاب تجاوز حدود العالم العربي
صدر كتاب «معالم في الطريق» في القاهرة عام 1964، وهو من أكثر مؤلفات سيد قطب تأثيراً في مسار الفكر الإسلامي المعاصر. تناول فيه تصوره لدور الإسلام في بناء المجتمع، والعلاقة بين العقيدة والحياة الاجتماعية، وقضايا الحرية والعدالة والسلطة، إلى جانب مفاهيم الحاكمية والجاهلية ومنهج التغيير.
يمثل الكتاب خلاصة مرحلة متأخرة من تطور قطب الفكري، وقد أثار منذ صدوره نقاشات واسعة داخل الأوساط الإسلامية والفكرية، كما أصبح موضوعاً لدراسات أكاديمية تناولت تأثيره في الحركات الإسلامية المعاصرة، وتباين القراءات والتأويلات التي أُعطيت لأفكاره.
أفضلُ وصف لكتاب معالم في الطريق أنه بالفعل معالم في الطريق، معالم في طريق الأمة الإسلامية القادمة، أو التي تسعى للقدوم. وهي معالم ظاهرة بيّنة يراها الجميع، الأنصار والخصوم، فيميّز الواحدُ نفسَه وموقعه وموقفه بناء على هذه المعالم، إن كان من هؤلاء أو من هؤلاء، إن كان مع الإسلام أو مع الجاهلية.
والجاهلية وصف استعمله سيد قطب بوفرة في هذا الكتاب، ويشير به إلى ما سوى الإسلام من عقائد أو تصورات أو سلوكيات أو جماعات أو أفراد، وإن لبستْ لباسَ الإسلام.
وهذه مشكلة الكتاب عند خصومه، أنه كتاب يحمل أفكاراً إسلامية حدّية صلبة، صيغت بلغة مباشرة مملوءة بالعزة والأنفة، غير مداهنة ولا مترددة.
تكمن أهمية الكتاب أيضاً في امتداد تأثيره خارج مصر والعالم العربي، إذ تُرجم إلى لغات عديدة، من بينها التركية، وأسهم في تشكيل جانب من النقاش الفكري الإسلامي في تركيا، ولا سيما منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
تشير الموسوعة الإسلامية التركية الصادرة عن مؤسسة الديانة التركية إلى أن الترجمة التركية للكتاب ظهرت عام 1966، سنة إعدام مؤلفه، وأن مؤلفاته تركت أثراً واسعاً في الأوساط الإسلامية في مناطق متعددة من العالم.
ويرى المهتمون بتراث قطب أن الكتاب يمثل محاولة لإعادة طرح الأسئلة المتعلقة بمرجعية القيم الإسلامية ودورها في تنظيم المجتمع والحياة العامة، فيما تناولته دراسات أخرى بالنقد، ولا سيما في ما يتعلق بمفاهيم الحاكمية والجاهلية وتأثير بعض تأويلاته في تيارات إسلامية لاحقة.
شارك هذا المقال

































