
الفجوة الأخلاقية في حياة المسلمين.. حين تتأخر أفعالنا عن أقوالنا
بقلم
من القضايا التي تستحق التأمل في واقع المسلمين اليوم اتساع الفجوة بين ما نقوله وما نفعله، وبين القيم التي نعلن إيماننا بها والسلوك الذي نمارسه في حياتنا اليومية. قد يتحدث الإنسان عن الصدق والأمانة والعدل والرحمة ويحثّ الآخرين على الالتزام بها، لكنه يتصرف على نحو يناقض ما يدعو إليه خاصة حين تتعارض هذه القيم مع مصلحته الشخصية أو رغباته أو عاداته.
لا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بالكمال أو أن وقوعه في الخطأ يجعله بالضرورة غير صادق في إيمانه، فالبشر يضعفون ويخطئون، وربما يعرف المرء الصواب ويعجز عن الالتزام به. لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التناقض بين القول والعمل سلوكًا متكررًا وحين يكتفي المسلم بتحويل المبادئ إلى شعارات نظرية من دون أن يسعى إلى تطبيقها، أو ينشغل بنقد أخطاء الآخرين، بينما يجد لنفسه الأعذار حين يقع في أخطاء مشابهة.
وفي هذا جاء التحذير القرآني واضحًا في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2، 3]. والآيتان صريحتان وتضعان المؤمن أمام مسؤولية أخلاقية لا يصح تجاهلها، وهي ألّا تتحول أقواله إلى ادعاءات لا تشهد لها أفعاله، وأن يسعى إلى تحقيق التوافق بين ما يؤمن به وما يلتزم به في حياته.
وهنا لا بد من التساؤل عن الأسباب التي تخلق الفجوة بين القول والعمل. فقد يظن الإنسان أن الحديث عن هدف نبيل أو إعلان نية حسنة يمثل بحد ذاته إنجازًا، فيشعر بالرضا قبل أن يخطو خطوة واحدة نحو التنفيذ متناسياً أن النوايا الحسنة يجب أن تسبق الأعمال وليس الأقوال بناءً على الحديث الشريف "إنما الأعمال بالنيات".
على سبيل المثال يدّعي أحدنا إنه يريد تحسين علاقته بأسرته، لكنه يتغافل عن تخصيص وقتٍ للإنصات إلى أبنائه، أو يعلن حرصه على صلة الرحم، ثم يؤجل الاتصال بأقاربه حتى تضعف الصلة بينهم. وقد يدعو إلى مساعدة المحتاجين، لكنه يتردد في تقديم ما يستطيع من مساعدة مالية، أو يعتذر عن المشاركة في عمل تطوعي بحجة الانشغال، مع أنه يجد وقتًا لأمور أقل أهمية.
في أحيان أخرى، لا تكون المشكلة في غياب الرغبة، وإنما في التسويف وضعف الإرادة أو الخوف من التغيير. فالإنسان يعرف جيداً أن عليه الاعتذار ممن أساء إليه، لكنه يؤجل ذلك حفاظًا على كبريائه، وهو يدرك كذلك ضرورة الوفاء بوعد قطعه لغيره، ثم يختلق الأعذار حين يحل أوان التنفيذ. وقد تكون لديه نية صادقة للتغيير، لكنه لا يحدد خطوات واضحة تساعده على الانتقال من الرغبة إلى الفعل. ومع مرور الوقت، نراه يعتاد تأجيل ما يعرف أنه صواب، حتى تصبح المسافة بين ما ينويه وما يفعله أكبر مما يدرك.
من المؤسف أن آثار هذا التناقض لا تقف عند صاحبه، بل تمتد إلى علاقاته بالآخرين. فالوعود المتكررة التي لا تُنفّذ تضعف الثقة بين الناس في الالتزام بالوعد، والنصائح التي لا يطبقها أصحابها تفقد كثيرًا من تأثيرها. ومن الأمور الشائعة في حياتنا أن يطالب الأب أبناءه بالصدق، ثم يجبرهم أن يكذبوا على شخص جاء لزيارته أو اتصل يسأل عنه، وهو بذلك يقدّم لهم درسًا عمليًا يناقض ما يقوله. وهناك من يطالب الآخرين باحترام الوقت، ثم يتأخر باستمرار عن مواعيده، فيكون سلوكه أعمق أثراً من نصيحته، مهما أحسن اختيار كلماته.
أما حين يرتبط التناقض بالقيم الدينية، فإن خطورة الأمر تتعاظم لأن بعض الناس يخلطون بين أخطاء المسلمين وتعاليم الإسلام الحنيف، فيتأثر انطباعهم عن الدين بسلوك من ينتسبون إليه ويغدو الإسلام مداناً في عيونهم بدلاً عن المسلمين. ومن هنا، نجد أن الالتزام بالقيم الإسلامية لا يقتصر أثره على صلاح الفرد وعلاقاته، بل يمتد إلى صورة المجتمع المسلم ككل، ومدى ثقة الناس بخطابه الأخلاقي. فحين تتعارض المعاملة مع تعاليم الدين الحنيف التي نرددها بألسنتنا، يصبح السلوك نفسه سببًا في إضعاف أثر المواعظ والتوجيهات الدينية.
وفي هذا السياق، حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من خصال تتصل بالتناقض بين القول والعمل، فقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (متفق عليه). والحديث يحمل تحذيراً جلياً من خطورة الكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة، ودعوةً إلى الابتعاد عن هذه الخصال، بل ومجاهدة النفس للتخلص منها لنفي صفة النفاق وضرورة إدراك خطورة هذه السلوكيات وعدم التساهل في تبريرها أو الاعتياد عليها.
وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، اتخذت الفجوة بين القول والعمل صورًا أكثر وضوحًا. فأصبح من السهل نشر المواعظ والعبارات المؤثرة، وإعلان المواقف من القضايا الأخلاقية والإنسانية، من دون أن يترتب على ذلك بالضرورة أي تغيير في السلوك. والمنشورات التي تتحدث عن الرحمة والتكافل كثيرة جداً في كل المنصات والصفحات، لكن من يدري كيف يتعامل أصحابها بالفعل مع من حولهم! وهناك من يدعو إلى احترام الاختلاف، ثم يسيء إلى كل من يخالفه الرأي. ولعل من يعبّر عن تعاطفه مع الفقراء، لا يبادر هو نفسه إلى مساعدة محتاج يعرفه ويستطيع تقديم العون له.
جوهر المشكلة لا يكمن في نشر الخير أو التذكير به، إذ تشجع الكلمة الطيبة كل من يسمعها على العمل النافع، وكذلك يسهم التعبير عن موقف أخلاقي في نشر الوعي به، إنما تبدأ المشكلة حين يصبح التحدث عن الموقف بديلًا عن الالتزام به، أو حين ينشغل الإنسان بالصورة التي يظهر بها أمام الآخرين أكثر من انشغاله بأثر سلوكه فيمن حوله وقبول الله سبحانه وتعالى لهذا السلوك. ومع ذلك لا يمكن الحكم على كل من ينشر قيمة بأنه عاجز عن تطبيقها، وليس كل من يقصّر في تطبيقها يتعمد الخداع والتضليل، لكن من المهم ألّا يظن المرء أن نشر الطيب من القول يغنيه عن تحمل مسؤوليته بتطبيقه عملياً.
والتحدي الأكبر الذي يتبادر إلى الأذهان هنا هو كيف نردم هذه الفجوة بين أقوالنا وأفعالنا ومن أين نبدأ؟؟
قد تكون البداية بمراجعة صادقة للنفس، ومقارنة ما نتحدث به للعلن من مبادئ وقيم بما نطبقه ونعمل به فعلياً. ومما يتعين على المسلم أن يسأل نفسه: هل ألتزم بالصدق حتى عندما تكون الحقيقة على حساب مصلحتي؟ وهل أحفظ حقوق الآخرين حين أكون قادرًا على تجاوزها من دون أن يحاسبني أحد؟ وهل أفي بوعودي، وأحترم أوقات الناس، وأعامل أفراد أسرتي بالرحمة والعدل اللذين أدعو إليهما؟ مثل هذه الأسئلة لا تهدف إلى محاكمة النفس على التقصير فحسب، وإنما إلى مساعدتها على اكتشاف مواطن الخلل التي قد لا ننتبه إليها حين ننشغل بتقويم الآخرين، كما أنها تمثل طريقة عملية لما دعانا له الفاروق عمر رضي الله عنه حين قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"
من البديهي القول إن الوعي بالتقصير لا يكفي وحده، ما لم يتحول إلى خطوات عملية. فمن يريد إصلاح علاقته بأحد أفراد أسرته يمكنه أن يبدأ بحوار صادق، ومن يؤجل مساعدة قريب محتاج يستطيع أن يحدد ما يمكنه تقديمه، ومن يعتاد إخلاف المواعيد يمكنه أن يعيد تنظيم وقته. وليس المطلوب تغيير كل شيء دفعة واحدة، فقد تكون الخطوات الصغيرة المستمرة أكثر أثرًا من القرارات الكبيرة التي لا تستمر إلا أيامًا قليلة، وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل: "أيُّ الأعْمَالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟" فقال: «أدْوَمُهَا وإنْ قَلَّ» (رواه البخاري ومسلم). كما أنه من الأهمية بمكان أن ينتقل الإنسان من الرغبة في الإصلاح إلى ممارسة فعلية تدل عليه.
ومن الضروري أيضًا ألّا يجعل الإنسان تعثره سببًا للاستسلام. فقد يحاول التغيير ثم يضعف، فينبغي عليه أن يراجع أسباب تقصيره ويعاود المحاولة، وأن يستعين بصحبة صالحة تساعده على الالتزام والمضي قدماً. كما أن المحاسبة الحقيقية لا تعني جلد الذات أو الانشغال بالشعور بالذنب، بل تعني الاعتراف بالخطأ وتحمل المسؤولية والعمل على إصلاحه. ولا يستلزم الاعتراف بالتقصير التوقف عن الدعوة إلى الخير بطبيعة الحال، وإنما يقتضي أن يقترن هذا الحرص على الخير بالسعي إلى تطبيقه في النفس أولًا.
إن صلاح المجتمعات لا يتحقق بكثرة الشعارات وحدها، بل بمدى انعكاس القيم على حياة الناس ومعاملاتهم اليومية. فالثقة لا تُبنى بمبادئ وقيم نظرية فحسب، وإنما بما نجاهد انفسنا على الالتزام به، ولا يكتسب الخطاب الأخلاقي تأثيره الحقيقي إلا حين ينعكس تطبيقاً عملياً في واقعنا. ولعل ما يحتاج إليه المسلم اليوم ليس مزيدًا من الحديث عن مفاهيم الخير التي يؤمن بها، بقدر ما يحتاج إلى أن يسأل نفسه عن نصيبه العملي منها. فالإيمان بالله تعريفه أنه ما وقر في القلب وصدقه العمل وليس القول، كما أن صدق الأقوال لا يكتمل أثره ما لم يظهر في المعاملة، ومن المؤكد أن الدعوة إلى العدل تفقد كثيرًا من معناها حين يُستثنى منها من نحب، أو حين تتعارض مع مصالحنا. وحين تصبح القيم التي نتحدث عنها حاضرة في بيوتنا وأعمالنا وعلاقاتنا ، تضيق الفجوة بين أقوالنا وأفعالنا، وتغدو أخلاقنا شاهدًا على ما نؤمن به، لا مجرد كلمات نطالب الآخرين بالعمل بمقتضاها.
شارك هذا المقال


































