
الحج.. الرحلة التي تتجاوز أداء المناسك
يتناول مؤتمر الحج السادس، الذي يُعقد هذا الشهر في جدة، سبل تحسين الخدمات المقدمة لكل حاج على حدة، بما يخدم ملايين الحجاج.
نبذة
راكمت المملكة العربية السعودية خبرة واسعة واستثنائية في إدارة موسم الحج. فقلّما تواجه أماكن أخرى التحدي المتكرر المتمثل في نقل هذا العدد الهائل من الأشخاص ورعايتهم، على اختلاف خلفياتهم.

قد تنقل شركة طيران الحجاج إلى السعودية في الموعد المحدد وتكون حافلات شركة النقل جاهزة وبانتظار الحاج غرفة في فندقه بمكة المكرمة... ومع ذلك، قد يجد الحاج نفسه مضطراً إلى الانتظار ساعات في حالة من عدم اليقين إذا لم تُحسن الجهات المعنية تنسيق الترتيبات التي تربط بين كل هذه الخدمات. وهذا أحد أبرز التحديات التي يطرحها موسم الحج.
يسافر ملايين الأشخاص من بلدان مختلفة، يتحدثون لغات متباينة، لأداء المناسك المقدسة خلال فترة زمنية محدودة. ويعتمد هؤلاء على خدمات تقدمها مؤسسات عديدة، لكنهم يعيشونها جميعاً كرحلة واحدة، غالباً ما تأتي بعد سنوات من الانتظار والتضحيات.
لا يرى الحاج رحلته في صورة مجموعة من العقود والوكالات ومقدمي الخدمات؛ فما يعنيه في المقام الأول هو أن تسير الرحلة على النحو المطلوب.
يشاهد العالم ذلك الحشد الاستثنائي في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، لكنه نادراً ما يرى الاستعدادات التي تقف وراءه وكم القرارات التي تُتخذ قبل أشهر، داخل السعودية وفي البلدان التي ينطلق منها الحجاج، وتسهم في تحديد مدى سلاسة رحلتهم.
يتوقف جانب كبير من هذا العمل على التنسيق. فمواعيد وصول الرحلات الجوية تؤثر في الحافلات المنتظرة خارج المطار، وقد يؤدي تأخر وسيلة نقل إلى إرباك ترتيبات الإقامة في محطات لاحقة من الرحلة. وقد يتسبب تغيير يبدو طفيفاً لمقدم خدمة معين في ساعات من المعاناة لشخص أنهى لتوّه رحلة طويلة ومرهقة.

قد تؤدي كل مؤسسة مهامها على أكمل وجه، لكن السؤال الأصعب هو: هل تعمل هذه المؤسسات معاً بالكفاءة نفسها؟
من هنا، يستحق مؤتمر ومعرض الحج السادس، المقرر عقده في جدة من 8 إلى 11 نوفمبر/تشرين ثاني، اهتماماً يتجاوز الإعلانات المعتادة عن المشاركين والاتفاقيات والتقنيات الجديدة.
الفعالية من تنظيم وزارة الحج والعمرة السعودية بالتعاون مع برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وتشارك فيها أكثر من 520 جهة من القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع الخيري غير الربحي، إلى جانب ممثلين عن مكاتب شؤون الحج، بالتزامن مع تسارع الاستعدادات لموسم 2027.
يحمل هذا العدد دلالة مهمة، لكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام هو ما الذي يمكن أن يتحقق عندما تجتمع هذه الجهات حول طاولة واحدة.
تدرك مكاتب شؤون الحج احتياجات الحجاج القادمين من بلدانها، بما في ذلك اللغات والعادات والصعوبات العملية التي قد تنشأ قبل وصولهم إلى السعودية بوقت طويل. أما السلطات السعودية ومقدمو الخدمات، فيمتلكون خبرة واسعة في مجالات النقل والإقامة والرعاية الصحية وتنظيم حركة الحجاج في المشاعر المقدسة.
غير أنه لا تكفي أي من هاتين الرؤيتين بمفردها. فكثيراً ما تتحقق أهم التحسينات عندما تتضح الصورة الكاملة لما يجري عند النقطة التي تنتهي عندها مسؤولية مؤسسة وتبدأ مسؤولية مؤسسة أخرى.
كما يمكن للتكنولوجيا أن تسهم في سد هذه الثغرات، لكنها أيضاً لا تستطيع أن تحل محل هذا الفهم المتبادل. فقد تبدو منصة رقمية متطورة مثالية في نظر من صمموها، لكنها قد لا تقدم الكثير من العون لحاج مسن يجد صعوبة في استخدام هاتف ذكي أو قراءة تعليمات بلغة لا يعرفها. لذلك، لا يقتصر السؤال على مدى كفاءة النظام الجديد في أداء وظيفته، بل يشمل أيضاً مدى ملاءمته للأشخاص الذين عليهم الاعتماد عليه.
الأمر نفسه ينطبق على الابتكار بمفهومه الأوسع. فليس من الضروري أن يكون كل تحسين جذرياً أو لافتاً. فمن شأن إرشادات أكثر وضوحاً، وتواصل أفضل بين مقدمي الخدمات، ومعلومات أكثر موثوقية تصل إلى الحاج في الوقت المناسب، أن تُحدث فارقاً كبيراً لدى شخص يتنقل في بيئة لا يعرفها.
راكمت المملكة العربية السعودية خبرة واسعة واستثنائية في إدارة موسم الحج. فقلّما تواجه أماكن أخرى التحدي المتكرر المتمثل في نقل هذا العدد الهائل من الأشخاص ورعايتهم، على اختلاف خلفياتهم الثقافية والعرقية، خلال فترة زمنية وجيزة ومحددة.
لا تقتصر أهمية هذه الخبرة على الحج نفسه؛ فالمدن والسلطات المعنية بالصحة العامة ومنظمو التجمعات الدولية الكبرى يواجهون بدورهم تحديات تتعلق بحركة الحشود والنقل والسلامة والتنسيق.
هناك الكثير مما يمكن للجهات العاملة في خدمة الحجيج حول العالم أن تتعلمه من التجربة السعودية. في المقابل، يمكن للبحوث والخبرات العملية المتراكمة في البلدان الأخرى –خارج المملكة- أن تسهم في تحسين الخدمات المقدمة للحجاج. ولا تكمن قيمة هذا التبادل في تقديم نموذج واحد صالح للتطبيق في كل مكان، بل في دراسة ما ينجح وما لا ينجح، وفهم الأسباب الكامنة وراء ذلك.
وهنا فرصة المؤتمر في أن يتحول إلى فعالية تتجاوز أهميتها حدود اللقاء السنوي المعتاد.
عقد المؤتمر خمس دورات سابقة. واليوم، لا يتمثل التحدي أمام المؤتمر في استقطاب مزيد من المشاركين أو الإعلان عن مزيد من الشراكات فحسب، بل في ضمان أن تفضي النقاشات التي تستضيفها جدة إلى قرارات أفضل، وعلاقات عمل أكثر متانة، وتحسينات عملية تستمر آثارها طويلاً بعد تفكيك أجنحة المعرض.
فالمؤتمر الذي يشجع هذا النوع من التبادل يمكنه أن يتجاوز عرض ما تحقق من تقدم، لكي يسهم بفعالية في تمكين المؤسسات من التعلم من التجارب السابقة قبل أن يضعها موسم الحج المقبل أمام اختبار استعداداتها.
وهي فرصة واسعة أمام السعودية أيضاً. فالمعرفة التي تراكمت على مدى عقود من تنظيم الحج تستحق أن تحتل مكانة في النقاشات الدولية المتعلقة بإدارة الخدمات العامة المعقدة وتنظيم التجمعات الكبرى. ويمكن للمؤتمر أن يسهم في إقامة هذه الصلة، شريطة أن يُقاس تأثيره بما ينتجه من معرفة وما يرسخه من علاقات، لا بأعداد المشاركين وحدها.
لكن كل هذه الطموحات المؤسسية لا تمثل الغاية الأساسية إلى الحجاج.
فما يهم الحاج هو أن يجد الحافلة المناسبة بعد رحلة جوية مرهقة، وأن يتلقى المساعدة بلغة يفهمها، وأن يصل إلى مقر إقامته دون ارتباك وضياع يمكن تلافيه. في مثل هذه اللحظات تحديداً، يصبح التخطيط الجيد أمراً ملموساً وذا قيمة لدى الأشخاص الذين وُضعت الخدمات من أجلهم.
لا يقتصر نجاح الحج على مجموع الخدمات التي تؤدي كل منها عملها بكفاءة، بل يتحقق عندما تتكامل هذه الخدمات وتعمل بانسجام وسلاسة، بما يتيح للحجاج تكريس اهتمامهم للغرض السامي الذي رحلوا من أجله.
يجمع مؤتمر ومعرض الحج القيادات والمسؤولين والمتخصصين من مختلف دول العالم ضمن ثلاثة مسارات رئيسة، تشمل البنية التحتية والخدمات التشغيلية، والتمكين والتكامل، والتنمية المستدامة، وتضم النسخة السادسة أكثر من 15 منطقة وبرنامجًا رئيسًا، من بينها مؤتمر الحج، ومجلس الحج، وملتقى التوعية والتدريب الذي يقام للمرة الأولى، إلى جانب ورش العمل، ومنطقة الريادة والابتكار، والهاكاثون، ومركز الأعمال، وواحات التقنية والصحة والإعلام والطيران، إلى جانب اللقاء الخاص برؤساء مكاتب شؤون الحجاج، بما يتيح مساحات متعددة للحوار، وعرض الحلول، وتطوير الأعمال، وبناء الشراكات.
وإلى جانب المؤتمر يقام معرض متخصص في منظومة خدمات الحج على مساحة تتجاوز 67 ألف متر مربع، بمشاركة جهات ومقدمي خدمات وحلول من أكثر من 150 دولة، ويجمع القيادات ومكاتب شؤون الحجاج ومقدمي الخدمات، إلى جانب مجتمعات متخصصة في الطيران، والنقل، والضيافة، والصحة، والبنية التحتية، والتقنية، والابتكار، والقوى العاملة، والاستثمار، وتطوير الأعمال.
شارك هذا المقال

































