
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يدين التضييق على المحجبات في أذربيجان
أدان الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول مدارس في أذربيجان، محذراً من أن حرمان النساء والفتيات من التعليم والعمل بسبب التزامهن الديني انتهاك لحقوقهن وحرياتهن. ودعا السلطات الأذربيجانية إلى رفع القيود المفروضة على المحجبات، وضمان حقهن في التعليم والعمل والمشاركة في الحياة العامة من دون تمييز أو إقصاء.
يأتي ذلك وسط احتجاجات شعبية في أذربيجان على تطبيق قواعد جديدة للزي المدرسي، أثارت جدلاً واسعاً بعدما تداولت وسائل إعلام محلية ومواقع التواصل الاجتماعي تقارير ومقاطع مصورة توثق منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول عدد من المؤسسات التعليمية، وما رافق ذلك من غضب بين الأهالي ومطالبات بالتراجع عن الإجراءات.
الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: لا يجوز حرمان المرأة من التعليم بسبب الحجاب
أصدر المجلس الأعلى للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بياناً حول الضغوط التي تتعرض لها النساء المحجبات في أذربيجان، والأنشطة المناهضة للحجاب، أكد فيه أن الحجاب من الشعائر الإسلامية الثابتة، وأن إقصاء النساء من التعليم والعمل والحياة الاجتماعية بسبب معتقداتهن الدينية أمر غير مقبول.
وأعرب الاتحاد عن قلقه من الأنباء الواردة حول منع طالبات محجبات من مواصلة تعليمهن في بعض المدارس والمؤسسات، معتبراً أن حرمانهن من حق التعليم بسبب الحجاب يتعارض مع الحريات الدينية والحقوق الأساسية.
وقال الاتحاد إنه يدين الضغوط التي تتعرض لها بعض النساء المسلمات في أذربيجان ومناطق أخرى بسبب حجابهن، كما يدين الدعوات التي تستهدف محاربة الحجاب وتشويه صورته وتشجيع النساء على خلعه، وذلك انطلاقاً من مسؤوليته في بيان الأحكام الشرعية والدفاع عن الشعائر الإسلامية.
وشدد البيان على أن الحجاب والستر الشرعي من الأحكام الثابتة في الإسلام، مستشهداً بقوله تعالى: «وليضربن بخمرهن على جيوبهن»، وقوله تعالى: «يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن». وأشار إلى اتفاق علماء المذاهب الفقهية الأربعة وغيرهم على أصل وجوب ستر المرأة رأسها والتزامها بالستر الشرعي أمام الرجال الأجانب، مؤكداً أن الحجاب ليس عادة مستحدثة أو رأياً ابتكره بعض العلماء المعاصرين، بل هو من الشعائر الإسلامية الراسخة.
وأكد الاتحاد أن الحجاب لا يتعارض مع العلم والعمل والتنمية، وأن الالتزام به لا ينبغي أن يتحول إلى سبب لحرمان النساء والفتيات من حقوقهن الأكاديمية والاجتماعية. واعتبر أن إجبار الفتاة المسلمة على الاختيار بين دينها ومستقبلها الدراسي يمثل ظلماً وإجحافاً بحقها.
كما حذر من تشويه صورة الحجاب وتصوير الالتزام به على أنه تخلف أو رجعية، ومن التحريض على المحجبات أو تقييد حقوقهن، داعياً العلماء والدعاة والخطباء والمربين والمسلمين إلى الدفاع عن حقوق النساء والفتيات اللواتي يتعرضن للضغوط بسبب تمسكهن بدينهن، بالوسائل المشروعة.
قواعد الزي المدرسي تثير الجدل في أذربيجان
تعود جذور الخلاف إلى عام 2010، حين بدأ النقاش حول قواعد الزي المدرسي في أذربيجان، وتواصلت الاحتجاجات على تلك اللوائح حتى عام 2012، قبل أن تتراجع الحكومة عنها. وبعد حرب كاراباخ عام 2020، عادت القضية إلى الواجهة في ظل ما شهدته الحكومة من تعزيز لمكانتها الشعبية.
وفي يوليو/تموز الماضي، عُدّل قانون التعليم بما يؤكد الطابع العلماني لنظام التعليم، ثم أقرت الحكومة في 21 سبتمبر/أيلول قواعد زي التلاميذ، وفي السادس من أكتوبر/تشرين الأول قواعد زي المعلمين.
وتحظر القواعد الجديدة ارتداء «قطع ملابس إضافية تخل بتناسق الزي المدرسي وتتعارض مع مبدأ التعليم العام العلماني». ولم يذكر النص الحجاب صراحة، كما لم يحدد لباساً دينياً بعينه، ولم يوضح بصورة تفصيلية آليات تطبيق القاعدة أو الإجراءات التأديبية المترتبة على مخالفتها.
غير أن تداول أنباء عن منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول عدد من المدارس أثار موجة من الغضب. وأظهرت مقاطع مصورة تلميذات وأولياء أمور يؤكدون وقوع حالات منع، فيما وثقت مقاطع أخرى بكاء طالبات ومعلمات بعد منعهن من الدخول، وسط اعتراضات من ذويهن وتأكيدات على رفض هذه الإجراءات.
وزاد الجدل بعد انتشار مقطع لنائب رئيس الجمعية الوطنية الأذربيجانية، عادل علييف، قال فيه: «كما لا يمكن للسباح ارتداء ملابس الجودو، لا يمكن لبس الحجاب في التعليم»، وهي تصريحات أثارت انتقادات واسعة في أوساط المعترضين على القيود الجديدة.
وامتدت الاحتجاجات إلى العاصمة باكو ومحيطها، فيما أعلنت وزارة الداخلية اعتقال 37 محتجاً، بينما قال نشطاء حقوقيون إن العدد أكبر من ذلك. كما تداولت أنباء غير مؤكدة عن تقييد الوصول إلى بعض منصات التواصل الاجتماعي.
تركيا تتفاعل مع الأزمة وتدعو أصوات فيها إلى احترام الحريات الدينية
حظيت القضية باهتمام واسع في تركيا وأثارت الإجراءات انتقادات سياسية وفكرية، ودعوات إلى التراجع عنها. ويرتبط هذا التفاعل بالتجربة التركية مع حظر الحجاب في المؤسسات الرسمية ومع العلمانية التركية، الذي فُرض بعد انقلاب عام 1997، قبل رفعه عام 2013.
كما تعزز الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين، والشعار الشائع «شعب واحد في دولتين»، حساسية الرأي العام التركي تجاه القضية. وركز منتقدو الإجراءات على أن العلمانية ينبغي أن تضمن الحريات الدينية، لا أن تتحول إلى مبرر لإقصاء المحجبات من التعليم والعمل.
قمة باكو تثير تساؤلات بشأن انعكاسات الأزمة على العلاقات الثنائية
تزامنت الأزمة مع انعقاد قمة الدول الأعضاء في مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا (CICA) بالعاصمة باكو، حيث شارك وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، نيابة عن الرئيس رجب طيب أردوغان.
كذلك، تناقلت وسائل إعلام تركية أنباء مشاركة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ في القمة، ووصوله إلى باكو على متن طائرة خاصة تملكها أذربيجان عبرت الأجواء التركية، وهو ما اعتبره منتقدون تحدياً لأنقرة، في ظل القيود التي تفرضها على عبور المسؤولين الإسرائيليين أجواءها.
أذربيجان بين العلمانية والهوية الإسلامية
تتبنى أذربيجان نظاماً دستورياً علمانياً، فيما يشكل المسلمون أكثر من 90% من سكانها، وينتمي معظمهم إلى المذهب الشيعي. ويُعزى جانب من انتشار التوجهات العلمانية في المجتمع إلى عقود الحكم السوفييتي، إذ استقلت البلاد عام 1991، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. ويقارب محللون بين النظام السياسي في أذربيجان وبين النظام السوري الساقط وبين علمانية أذربيجان والعلمانية التي كان يدعيها نظام الأسد.
وتكشف أزمة الحجاب عن التوتر القائم بين تطبيق القواعد التي تستند إليها السلطات في تأكيد الطابع العلماني للتعليم، ومطالب قطاعات من المجتمع باحترام حرية المعتقد والممارسة الدينية. كما أظهرت ردود الفعل التركية أن القضية تجاوزت حدود أذربيجان، لتصبح موضع نقاش حول حدود العلمانية، وحقوق النساء المحجبات، وطبيعة العلاقات بين البلدين.
في ختام بيانه، دعا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين السلطات الأذربيجانية والمسؤولين عن التعليم إلى إلغاء القيود التي تحول دون ممارسة الطالبات حقهن في الدراسة بالحجاب، وحماية حقوق النساء المحجبات في التعليم والعمل والحياة العامة، والكف عن ممارسة الضغوط عليهن. كما دعا المسلمين إلى التعاون على نصرة المظلومين، مستشهداً بقوله تعالى: «وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان»، واختتم بالدعاء أن يحفظ الله عفة النساء المسلمات وثباتهن على الحق، وأن يرفع الظلم عن المظلومين ويصلح أحوال المسلمين.
شارك هذا المقال

































