
صورة جماعية للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في رحاب جامع آيا صوفيا الكبير بإسطنبول، لتلاوة البيان الختامي لمؤتمر «وحدة الأمة الوسط من الثوابت إلى ميثاق الوحدة»
"الأمة" تشارك في مؤتمر "وحدة الأمة الوسط" في اسطنبول لتنسيق جهود الوحدة الإسلامية
بقلم
اختتم في مدينة إسطنبول، يوم الجمعة 30 أكتوبر/تشرين الأول، المؤتمر الدولي "وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة"، الذي نظمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالتعاون مع وقف علماء الإسلام، بمشاركة علماء ومفكرين وقيادات دينية ومؤسسية وسياسية من أكثر من 30 دولة، بعد ثلاثة أيام من الجلسات العلمية والحوارات وورش العمل التي تناولت واقع الانقسام في العالم الإسلامي، وسبل تعزيز التعاون بين مكوناته، والانتقال من الدعوات العامة إلى مشاريع عملية ومؤسسية لتحقيق الوحدة.
شارك في الجلسة الافتتاحية رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي محيي الدين القره داغي، ورئيس وقف علماء الإسلام نصرت الله مفتي أوغلو، ووزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، ورئيس اللجنة التنظيمية للمؤتمر عبد الوهاب إيكنجي، إلى جانب ممثل عن رئاسة الشؤون الدينية التركية، وشخصيات علمية وفكرية وقيادات إسلامية من بلدان متعددة.
وكان لـ"مؤسسة الأمة" حضور ومشاركة في المؤتمر إذ مثلها السيد محمد ذاكر حسين، مؤسس "مؤسسة الأمة" ورئيس تحرير منصة "الأمة". وقد اغتنم السيد محمد ذاكر مشاركته في المؤتمر الدولي "وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة"، للتعريف بالمؤسسة وبالمنصة التي أُطلقت في بنغلاديش في شهر يوليو/تموز 2026 والتي تصدر بخمس لغات (البنغالية والعربية والتركية والإنكليزية والفرنسية).

الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين
لا شك أن توقيت انعقاد مؤتمر "وحدة الأمة الوسط" يحمل مغزى عميقاً، فالعالم يشهد تحديات فكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، فيما تفاقمت الانقسامات بين المسلمين واشتعلت الحروب بينهم ما من شأنه إضعاف فرص التعاون والتكامل بين المجتمعات والمؤسسات الإسلامية.
وقد جاء البيان الختامي للمؤتمر مشدداً على أن وحدة الأمة ليست مجرد شعار أو مطلب سياسي عابر، بل فريضة شرعية ومقصد حضاري، وضرورة استراتيجية وأمنية لمواجهة التحديات المشتركة؛ ولذلك أكد المشاركون من علماء الإسلام والمفكرين والقيادات الدينية والمؤسسية والسياسية على أن تحقيق ذلك يقتضي من الجميع التمسك بالمبادئ الدينية التي نزل بها القرآن الكريم، واحترام التنوع المذهبي والفكري والاجتهادي، والتعامل مع الاختلاف بالحكمة والعلم والعدل، بعيداً عن التعصب والغلو والفرقة.
وأوضح البيان أن الوحدة لا تعني الانغلاق على الذات أو إلغاء الاختلافات المشروعة، بل ينبغي أن تكون أساساً للتعارف والتعاون مع الشعوب والأمم، فما بالكم بأمة الإسلام، لكي نكون سبباً ومساهمين في نشر الخير ونصرة المظلومين والمساهمة في تحقيق السلم العالمي. كما اعتبر البيان أن بناء الوحدة عملية تراكمية تتطلب العمل الدؤوب والحوار والتشاور وكذلك الثقة بالأخوة والإيمان بالأخوة بين المسلمين.
ميثاق الثوابت والمتغيرات
في الجانب الفكري والشرعي، دعا المؤتمر إلى بلورة مشروع "ميثاق الأمة الوسط: الثوابت والمتغيرات"، ليكون مرجعية توافقية تضبط العلاقة بين الأصول الشرعية القطعية والمسائل الاجتهادية المتغيرة، وتحفظ ثوابت الدين، مع إتاحة المجال للاجتهاد المشروع والتعامل المرن مع المستجدات.
وأكد المشاركون ضرورة التمييز بين ما هو ثابت بنصوص شرعية قطعية وما يدخل في نطاق الاجتهاد، تفادياً للغلو والتفريط، وترسيخاً لقاعدة التعاون في المسائل المتفق عليها، واحترام الاختلاف في المسائل الاجتهادية وفق الضوابط العلمية والشرعية. ودعا البيان العلماء والمفكرين والقيادات والمؤسسات الإسلامية إلى الإسهام في تطوير الميثاق ونشر مقاصده، وصولاً إلى صيغة جامعة تحظى بالتوافق.
كما حمّل البيان مسؤولية تحقيق الوحدة لمختلف مكونات المجتمع الإسلامي، من علماء ومفكرين وقيادات سياسية ومؤسسات علمية ودعوية وتربوية وإعلامية، داعياً إلى تطوير خطاب إسلامي جامع يحترم المذاهب والمدارس والتيارات الفكرية، والانتقال من المبادرات المتفرقة إلى تبادل الخبرات والبحوث والبرامج والمشروعات المشتركة. وشدد على دور وسائل الإعلام في مواجهة التحريض والكراهية والتعصب، وإبراز المشتركات وتعزيز الثقة بين المجتمعات الإسلامية.

تعاون سياسي وإنساني وعلمي ونصرة القضايا الإسلامية
كذلك، دعا البيان الختامي للمؤتمر إلى إنشاء آليات دائمة للتشاور والتنسيق بين القيادات والشخصيات السياسية المعنية بقضايا الأمة وعدم حصر التعاون في المجال الديني، بل توسيعه ليشمل المجالات السياسية والإنسانية والاجتماعية والعلمية. كما طالب بتكثيف الجهود لإغاثة المحتاجين ونصرة المظلومين وحماية الكرامة الإنسانية في العالم الإسلامي، ومواجهة الفقر والجهل والتخلف.
وفي المجال العلمي والتعليمي، دعا المؤتمر إلى إطلاق مشروعات مشتركة للبحث العلمي وإعداد الموسوعات، وتنظيم برامج تعليمية وتدريبية ولقاءات علمية بين المؤسسات الإسلامية، إلى جانب الاهتمام بالتربية والإصلاح والتزكية، وترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والأخلاق، وتأهيل الأجيال الجديدة بما يعزز دور المؤسسات العلمية والتربوية في بناء مجتمع إسلامي متماسك.
أبرز قرارات المؤتمر: تأسيس مركز دولي ولجان للوحدة
وحدد البيان مجموعة من الآليات العملية للانتقال من المبادئ النظرية إلى التنفيذ، وفي مقدمتها:
· تأسيس "مركز الوحدة للدراسات والمشروعات الوحدوية والنهضوية"، ليكون إطاراً علمياً وعملياً لإعداد الدراسات وإطلاق المبادرات والمشروعات المرتبطة بوحدة الأمة ونهضتها.
· تشكيل لجان للوحدة في الدول الإسلامية والمجتمعات المسلمة في البلدان غير الإسلامية، لتقريب الرؤى وتنسيق جهود الجماعات والمؤسسات.
· تنظيم دورات علمية مشتركة لتعزيز الفهم المتبادل وتنمية ثقافة الحوار.
· عقد ورش عمل داخل الدول الإسلامية لتشخيص العقبات التي تعترض الوحدة، واقتراح حلول عملية قابلة للتنفيذ والمتابعة.
· تنظيم لقاءات ومؤتمرات دورية لضمان استمرار التواصل بين العلماء والدعاة والمفكرين.
· إعداد مشروع دعوي جامع ومتجدد، يتجاوز الوعظ المباشر إلى البناء والإصلاح، ويستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية.
ولأجل هذا، حدد المؤتمر سبعة أصول للمشروع الدعوي المقترح تشمل فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، وفقه البصيرة والنظر في مآلات الأمور، والحكمة، والحوار بالتي هي أحسن، والموعظة الحسنة، واعتماد الأحسنية في الأقوال والأعمال والمواقف، والتجديد المستمر للخطاب والبرامج والوسائل مع المحافظة على الثوابت الشرعية.
ولضمان تنفيذ هذه القرارات، دعا البيان إلى إدراج موضوع وحدة المسلمين ضمن المناهج التعليمية والتربوية والتكوينية والدعوية، وتحويل نتائج ورش العمل المتعلقة بالتعاون السياسي والتنسيق بين المؤسسات الإسلامية والعلمية إلى برامج ومبادرات محددة الأهداف والأولويات. كما أوصى بتسمية نقاط اتصال بين الجهات المشاركة لتبادل المبادرات والخبرات ومتابعة الاتفاقات، مع استمرار التشاور وعقد لقاءات دورية لتقييم النتائج ومعالجة الصعوبات.
قضايانا في فلسطين واليمن والسودان والروهينغا وتركستان الشرقية
فيما يتعلق بالقضايا السياسية والمظالم الإنسانية التي تتعرض لها بلدان مسلمة كثيرة حول العالم، خصص البيان حيزاً واسعاً للتأكيد على ضرورة توحيد المواقف والجهود لنصرة الشعوب التي تعاني من الحروب والانتهاكات والأزمات، مشدداً على أن الانقسام والضعف من العوامل التي تفاقم معاناة الشعوب الإسلامية.
وتأتي القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى المبارك في مقدمة هذه القضايا حيث أكد المؤتمر المكانة المركزية لهما وطالب بوقف الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وإنهاء القتل والانتهاكات في الضفة الغربية، وحماية الأسرى والمقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، والعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. ودعا إلى تنسيق الجهود لنصرة القضية الفلسطينية وحماية المقدسات بالوسائل المشروعة والمسؤولة.
وفي الشأن اليمني، أعلن المشاركون تضامنهم مع الشعب اليمني كافة، وأكدوا دعم وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، مع الدعوة إلى تمكين مؤسسات الدولة الشرعية من أداء مهامها وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية بما يضمن وقف إراقة الدماء واقتتال الإخوة.
أما في السودان، فأكد البيان التضامن مع الشعب السوداني كافة ودعم وحدة البلاد وسيادتها ومؤسساتها الشرعية، داعياً إلى تكثيف الدعم الإنساني والمادي والمعنوي للسودانيين، والعمل على إنهاء الصراع واستعادة الأمن بما يضمن وقف إراقة الدماء واقتتال الإخوة والاستقرار في جميع أنحاء البلاد.
كما جدد المشاركون في المؤتمر تضامنهم المطلق مع الشعوب الإسلامية المضطهدة، ولا سيما مسلمي الروهينغا في ميانمار وفي تركستان الشرقية، ودعوا إلى العمل لحماية حقوقهم وصون كرامتهم.
وأكد البيان كذلك أهمية دعم نهوض الشعوب الإسلامية، ولا سيما في القارة الأفريقية، والعمل على جمع كلمتها واستثمار مواردها وثرواتها في التنمية والبناء، في المجالات الدينية والاقتصادية والتعليمية وغيرها.

رفض الإرهاب وخطاب الكراهية والدعوة إلى التعايش
وفي محور السلم المجتمعي، جدد الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين موقفه الرافض للإرهاب بجميع أشكاله وصوره، محذراً من استغلال الاضطرابات التي تشهدها بعض البلدان الغربية لتأجيج الكراهية ضد المسلمين وتعزيز ظاهرة الإسلاموفوبيا ومعاداة الإسلام.
ودعا البيان إلى احترام القوانين وصون الحقوق والحريات، وإدانة الاعتداءات التي تستهدف دور العبادة، المساجد والكنائس، وترسيخ مبادئ التعايش السلمي والاحترام المتبادل بين الأديان والمكونات المجتمعية المختلفة.
ختام المؤتمر
في ختام البيان، وجه المشاركون الشكر إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ووقف علماء الإسلام والجهات المنظمة، وإلى العلماء والمفكرين والقيادات والوفود المشاركة، كما أعربوا عن تقديرهم للجمهورية التركية، رئيساً وحكومة وشعباً، لاستضافتها المؤتمر وتسهيل أعماله.
وأكدوا أن المؤتمر خطوة هامة ضمن مسار طويل لبناء وحدة إسلامية تستند إلى الثوابت المشتركة، وتحترم التنوع والاجتهاد المشروع، وتترجم التوافق الفكري والشرعي إلى تعاون مؤسسي ومشروعات ملموسة تخدم مصالح الشعوب الإسلامية ورسالتها الحضارية والإنسانية.
ميثاق مؤتمر "وحدة الأمة الوسط":
لقد حظي البيان الختامي لمؤتمر "وحدة الأمة الوسط" باهتمام إعلامي وشعبي كبيرين. وجاء بمثاية ميثاق للأمة. فقد عملت عليه نخبة من علماء الأمة ومفكريها وقياداتها من نحو سبعين دولة حول العالم، وجرى تدارسه ومناقشة مضامينه في جلسات علمية وورشات تخصصية، كما تشكلت لجنة لصياغته، انتهت إلى خلاصة علمية مهمة حظيت باعتماد المؤتمر.
وإدراكا لأهمية هذه الوثيقة ومكانتها، فقد كلف المؤتمر لجنة الصياغة بمواصلة العمل على الميثاق خلال الأيام العشرة المقبلة، لاستكمال تحريره وإخراجه بالصورة التي تليق بمضمونه وأهدافه، وبما يعكس تطلعات الأمة إلى الوحدة والتقارب.
كما سيتم نشر الميثاق على نطاق واسع وترجمته إلى لغات عديدة، وستُعقد حوله لقاءات وندوات تعريفية وشارحة، ليكون وثيقة جامعة تسهم في تعزيز الوعي بوحدة الأمة، وترسيخ ثوابتها، وفتح آفاق العمل المشترك بين أبنائها.
إن ميثاق الأمة الوسط ليس مجرد وثيقة، بل هو خطوة في طريق جمع الكلمة وتوحيد الصف واستعادة روح الأمة ورسالتها الحضارية.
النص الرسمي الكامل للبيان الختامي.
شارك هذا المقال

































