
الحرفي السوري إيمان سعيد داخل ورشته التي تعرض أعمالاً فنية تقليدية من الخشب المنقوش في الأسواق التاريخية لمدينة حلب، سوريا، 28 يوليو/تموز 2026. (وكالة الأناضول)
حلب القديمة.. حرفي يحفظ سرّ فن خشبي يمتد لأربعة عشر قرناً
بقلم
ينكبّ الحرفي السوري أيمن سعيد على ألواح الخشب، ليحوّلها إلى زخارف شرقية وخطوط عربية متوارثة جيلاً بعد جيل، في محاولة لصون فن عريق يعود تاريخه إلى نحو 1400 عام من الاندثار. ففي ورشته داخل أحياء حلب القديمة، يواصل سعيد ممارسة حرفة يدوية دقيقة تقوم على الصبر والمهارة، محافظاً على تقاليد فنية حملها الحرفيون عبر قرون طويلة.
في قلب حلب القديمة، حيث تختزن الجدران والأسواق ذاكرة قرون طويلة من التاريخ، ما تزال بعض الحرف التقليدية تقاوم عوامل الزمن، محافظةً على حضورها بوصفها جزءاً من الهوية الثقافية للمدينة. ومن بين هذه الحرف يبرز فن النقش والحفر البارز على الخشب، أحد الفنون اليدوية العريقة التي ارتبطت بالعمارة والزخرفة في بلاد الشام.
يعتمد هذا الفن على تحويل قطع الخشب إلى أعمال فنية تجمع بين الدقة والجمال، من خلال حفر الزخارف الهندسية والنباتية وكتابة الخطوط العربية بأدوات تقليدية. ولا يقتصر عمل الحرفي على تنفيذ أشكال زخرفية، بل يتطلب معرفة دقيقة بطبيعة الخشب، وقدرة على توزيع العناصر الفنية بطريقة تحفظ التوازن بين التصميم والبنية.
يعود انتشار الصناعات الخشبية المزخرفة إلى قرون طويلة، إذ لعبت دوراً مهماً في العمارة والفنون الإسلامية، حيث استُخدمت في تزيين الأبواب والنوافذ والأسقف والأثاث والتحف داخل البيوت والمساجد والمنشآت التاريخية. وقد تطورت هذه الصناعة في المدن الكبرى، ومنها حلب، التي عُرفت بتنوع حرفها وأسواقها التقليدية.
تتميز الأعمال الخشبية الحلبية بتداخل الزخارف الهندسية والنباتية مع الخط العربي، ما يمنحها طابعاً جمالياً خاصاً يعكس تراكم الخبرات الفنية عبر الأجيال. ويحتاج إنجاز القطعة الواحدة إلى وقت طويل، إذ تمر بمراحل متعددة تبدأ باختيار الخشب المناسب، ثم إعداد التصميم، فالحفر والنقش الدقيق، وصولاً إلى التشطيبات النهائية.

يؤكد الحرفيون أن تعلم هذه المهنة يحتاج إلى سنوات من التدريب، لأن إتقانها لا يرتبط باستخدام الأدوات فقط، بل بفهم أسرار الزخرفة وأساليب التعامل مع الخشب. ولهذا انتقلت هذه المعرفة غالباً عبر التوارث العائلي، حيث تعلم الأبناء من آبائهم أو من كبار الأساتذة في الورش القديمة.
لكن هذا الفن العريق يواجه اليوم تحديات عديدة، أبرزها تراجع عدد الشباب المقبلين على تعلم الحرف اليدوية وارتفاع تكاليف المواد الأولية، إضافة إلى انتشار المنتجات الصناعية التي لا تحمل القيمة الفنية نفسها التي تميز الأعمال المصنوعة باليد.
لكن ورغم هذه الصعوبات، يواصل أيمن سعيد وغيره من الحرفيين عملهم للحفاظ على هذا التراث، انطلاقاً من إيمانهم بأن الحرفة ليست مجرد مهنة، بل جزء من ذاكرة حلب وهويتها الثقافية. فكل قطعة خشبية ينقشونها تحمل قصة مهارة إنسانية امتدت عبر قرون، وتشهد على قدرة الفنون التقليدية على البقاء ما دام هناك من يحافظ عليها.
وبين أزقة حلب القديمة، لا يزال بوسعنا سماع صوت أدوات النقش على الخشب مذكراً بأن بعض الفنون لا تعيش بالآلات، بل بأيدي الحرفيين الذين يحملون أسرارها وينقلونها إلى الأجيال القادمة.
شارك هذا المقال

































