

من مراسم افتتاح المجمع
تركيا تفتتح مشروع القرن: وضع حجر الأساس لمجمع السيرة النبوية
بقلم
مدة القراءة: 4 دقائق
شهدتْ مدينةُ سيواس التركية حفلَ وضع حجَر الأساس لمشروع مجمع السيرة النبوية، الذي يُعدّ أحد أكثر المشاريع الثقافية والحضارية طموحًا في تركيا خلال السنوات الأخيرة؛ حيث يُقدَّم المشروع بوصفه «مشروع القرن»، إذ لا يقتصر على كونه مؤسسة تعليمية، بل يهدف عند اكتماله أن يضم ثلاثين مرفقًا مُختلفًا بحيث لا يكون مجرد مجمع تعليمي، بل مركزًا علميًّا وحضاريًّا متكاملًا يُعنى بتعريف الأجيال بسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأساليب تعليمية وتقنيات مُعاصرة، مع قدرة استيعابية تصل إلى 15 ألف شخص.
أُقيمت مراسم وضع حجر الأساس للمجمع الذي سيُشيَّد على الطريق الدائري المؤدي إلى مدينة أرضروم، بحضور السيد بلال أردوغان رئيس مجلس أمناء جمعية (إليم يايما ilim yayma) ومعناها (جمعية نشر العلم)، ووزير الداخلية مصطفى جفتجي، ورئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية عبدالله غولر، ووالي سيواس يلماز شيمشك، وعدد من نواب البرلمان ورؤساء البلديات والعلماء والأكاديميين. كما شارك في المناسبة علماء ومفكرون وضيوف قدِموا من عدد من الدول المُختلفة، في مشهد عكس البعد الإسلامي والدولي الذي يسعى المشروع إلى تجسيده.
في كلمته خلال الحفل قدَّم رئيس جمعية مجمع السيرة النبوية عرضًا تفصيليًّا للمشروع، موضحًا أن المجمع سيضم ثلاثين منشأة متنوعة، من بينها مركزٌ رقميٌّ لعرض السيرة النبوية، ومعاهد دولية للدراسات التخصصيَّة، ومراكز للبحوث والمؤتمرات، ومكتبة علمية متخصصة، ومخيمات للشباب، إلى جانب مرافق تعليمية وثقافية متعددة. ومن أبرز مكونات المشروع إنشاء معاهد تحمل أسماء كبار أئمة الحضارة الإسلامية، مثل الإمام أبي حنيفة، والإمام الماتريدي، والإمام البخاري، والإمام الغزالي، فضلًا عن مركز دولي لدراسات الإسلاموفوبيا، ومركز للبحوث والمؤتمرات يُعنى بقضايا العلماء والفكر الإسلامي، ما يجعل المجمع فضاءً لإحياء التراث العلمي الإسلامي وربطه بقضايا العصر.

بلال أردوغان أكد في كلمته خلال الحفل، أن المشروع لا يهدف إلى بناء مجموعة من المباني فحسب، بل إلى تأسيس تجربة تعليمية جديدة تُمكِّن الزائر من التعرف عَلى السيرة النبوية بطريقة معايشة وتفاعل. وقال: «إننا اليوم نخطو خطوة مهمة نحو تحقيق حلم كبير قد يبدو للبعض أقرب إلى المدينة الفاضلة. ونرجو أن يتمكن كل من يزور هذا المكان من فهم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأنه يعيشها بنفسه، وأن يُحوِّل هذه المعرفة إلى سلوك عملي في حياته».
وتوقف رئيسُ مجلس الأمناء أيضًا عند واقع العالم الإسلامي، مشيرًا إلى أن المآسي التي يشهدها، وفي مقدمتها ما يتعرض له أهل غزة، لا يمكن تفسيرها فقط بعوامل خارجية، بل تستدعي كذلك مراجعة صادقة لحالة التفرق والضعف الداخلي والتقلقل من قيم العمل المشترك. وأكد أن الاهتمام ببناء مؤسسات علمية وتربوية مشتركة يعزز الوعي بوحدة الأمة ويعيد الاعتبار لرسالة الإسلام الجامعة.
في الحقيقة، فإن ما يُميز هذا المشروع أنه لا يقتصر على النموذج التقليدي للمدارس أو الكليات الشرعية، بل يسعى إلى تقديم السيرة النبوية بلغة العصر، مستفيدًا من التقنيات الرقمية، ووسائل العرض التفاعلية، والبحوث مُتعددة التخصصات. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتباره نموذجًا جديدًا في التعليم الإسلامي، يجمع بين أصالة التراث ومُتطلبات العصر.
الواقع أن أبرز أزمات العالم الإسلامي اليوم لا تتمثل في قلة المؤسسات التعليمية فحسب، بل في الحاجة إلى مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة الشرعية بصورة موثوقة وشاملة، وتقديمها للأجيال الجديدة بأساليب علمية متوازنة. ففي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت القضايا الدينية تُختزل في نقاشات سطحية وسجالات إعلامية، كما تحولت بعض المسائل العلمية الدقيقة التي ناقشها العلماء عبر قرون بمنهجية رصينة، إلى مادة للجدل والاستقطاب على المنصات الرقمية، وهذا الأمر كان سببًا في إحداث ارتباكٍ فكريٍّ كبيرٍ لدى الشباب.
من هنا تبرز أهمية مجمع السيرة النبوية الذي وُضع حجر أساسه في سيواس؛ إذ لا يهدف فقط إلى تدريس السيرة النبوية، بل إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات العلمية الرصينة، وترسيخ المرجعية العلمية الموثوقة، وجمع مُختلف التخصصات الإسلامية في إطار مؤسسي قادر على إعادة وصل الفكر الإسلامي بقضايا العصر.
وفي وقت تعجُّ فيه مناطق واسعة من العالم الإسلامي، من غزة إلى السودان واليمن، بأزمات عميقة، يأتي إطلاق مشروع حضاري من هذا النوع ليحمل دلالات رمزية واسترتيجية تتجاوز حدود الدولة؛ فهو يعبر عن إيمان رصين بأن نهضة الأمة لا تتحقق بالقوة السياسية والاقتصادية فقط، بل تحتاج أيضًا إلى بناء الإنسان، وإحياء الذاكرة الحضارية، وترسيخ العلم بوصفه أساسًا لأي مشروع نهضوي.
ولهذا، فإن مجمع السيرة النبوية يبدو استثمارًا طموحًا طويل الأمد في مستقبل الأمة الإسلامية، ورسالة تؤكد أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد صفحات من التاريخ، بل مصدر دائم للإلهام وبناء الإنسان والحضارة.
شارك هذا المقال

مدة القراءة: 8 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 5 دقائق

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: دقيقة واحدة

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 5 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 10 دقائق

مدة القراءة: 5 دقائق

مدة القراءة: 3 دقائق

مدة القراءة: 4 دقائق

مدة القراءة: 6 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: دقيقتان

مدة القراءة: 17 دقيقة

مدة القراءة: 5 دقائق

مدة القراءة: 4 دقائق

مدة القراءة: 8 دقائق

مدة القراءة: 6 دقائق

مدة القراءة: 5 دقائق

مدة القراءة: دقيقتان
