المربي الجامعي الذي كان يخاف على مشاعر طلابه

مدة القراءة: 5 دقائق


كتب الدكتور غلام نبي فاي، الأمين العام للمنتدى العالمي للتوعية بقضية كشمير (World Kashmir Awareness Forum) يتحدث عن تجربته مع المرحوم الأستاذ إسماعيل راجي الفاروقي Ismail al-Faruqi يقول:


أعمق درس تعلمته من الأستاذ الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي لم يكن في قاعة محاضرات

كان ذلك في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، حين كان أستاذي ومشرفي الأكاديمي في جامعة تمبل بمدينة فيلادلفيا. في الوقت نفسه، كان يشارك في تأسيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT) في ولاية فرجينيا، الذي أعلن آنذاك عن منح دراسية لبرامج الدراسات العليا. طلب مني الأستاذ الفاروقي أن أنشر إعلانات المنح في الصحف الباكستانية والكشميرية، بينما تكفّل هو بالإعلان عنها في الصحف والمجلات العربية.

تدفقت مئات طلبات التقديم. وفي أحد الأيام استدعاني إلى مكتبه وقال: «غلام، لقد تلقيت مئات الطلبات، من بينها عدد من كشمير. وكثير من المتقدمين طلاب في المرحلة الجامعية الأولى، بينما هذه المنح مخصصة فقط للدراسات العليا. وليس لدينا سوى خمسين منحة".

ثم صمت قليلًا وقال: «لا أريد أن أكسر قلوب هؤلاء الشباب المسلمين». وأضاف مبتسمًا ابتسامة هادئة: «حين أرسل إليهم رسائل الاعتذار عن عدم قبولهم، سأضع فيها طنًّا من السكر». هذا هو الفاروقي.

عادت إليّ هذه الذكرى بكل تفاصيلها هذا الأسبوع، عندما زارني في واشنطن أستاذ بارز من إحدى الجامعات الهندية الرائدة. كثيرًا ما يرغب الباحثون الشباب في معرفة ليس فقط إسهامات الأستاذ الفاروقي الفكرية، بل أيضًا الشخصية التي كانت تقف وراء تلك الإنجازات. وقد ذكّرني حديثنا بأن كثيرين يعرفون كتبه وأفكاره، بينما قلة من يعرفون عن إنسانيته الاستثنائية.

الأستاذ الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي هو بحق من رواد الدراسات الإسلامية في أمريكا الشمالية. سعى بأعماله العلمية إلى بلورة رؤية إسلامية للعالم قادرة على التفاعل مع المعارف الحديثة مع الحفاظ على أسسها الدينية. وكان يدعو المسلمين إلى التفكير النقدي في تراثهم الفكري، كما شجّع غير المسلمين على تقدير إسهامات الإسلام في الحضارة الإنسانية.

ومع ذلك، فإن أعظم إرث تركه ليس في مؤلفاته وحدها، بل في آلاف الطلاب الذين غيّر مجرى حياتهم.

لم تكن رابطة الطلاب المسلمين (MSA) بالنسبة للفاروقي مجرد منظمة طلابية جامعية، بل كانت تجسيدًا لإمكان قيام أمة تتجاوز حدود الجنسية والعرق والانتماء الإثني. ففي جامعة تمبل، حيث كان يدرس أكثر من 350 طالبًا مسلمًا من أربعين دولة، كان يحثنا على نبذ الانقسامات القائمة على الهوية الوطنية، والعمل على بناء مجتمع واحد.

تحت إشرافه ازدهرت رابطة الطلاب المسلمين في جامعة تمبل. فقد أشرف على أول انتخابات لها، التي انتُخب فيها الأستاذ الدكتور عثمان بكر، الرئيس الحالي للجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، رئيسًا للرابطة، وانتُخبت أنا أمينًا عامًا. كان يشجعنا على تنظيم المحاضرات العامة والانفتاح على المجتمع الجامعي بأسره وإثبات أن الطلاب المسلمين قادرون على الإسهام الإيجابي في الحياة الجامعية. وقد أسهمت رؤيته في ترسيخ مكانة الرابطة بوصفها مؤسسة محترمة داخل جامعة تمبل.

بعد سنوات، عندما تشرفت بتولي رئاسة رابطة الطلاب المسلمين في الولايات المتحدة وكندا، رأيت بأم عيني مدى تجذر فلسفته. فقد اعتادت فروع الرابطة في أنحاء أمريكا الشمالية استقبال الطلاب الدوليين الجدد في المطارات ومساعدتهم في العثور على السكن وبناء مجتمعات تقوم على الخدمة والعطاء لا على المصلحة الشخصية. وكانت تلك الجهود انعكاسًا لقناعة الفاروقي بأن العلم والأخلاق لا ينبغي أن يفترقا.

كان منزله امتدادًا لقاعة الدرس. فقد اعتاد، مع زوجته الدكتورة لميا الفاروقي، استقبال الطلاب في منزلهما. وكانت موائد العشاء والنزهات التي يقيمانها مضرب المثل، ليس لكثرة الطعام فحسب، بل لما كانا يحيطان به ضيوفهما من دفء ومودة. ولم تكن الضيافة بالنسبة إليهما مجرد مجاملة اجتماعية، بل كانت تعبيرًا عن الإيمان.

وقد قال الدكتور أحمد توتونجي، أحد مؤسسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إن الفاروقي «كان يصغي إليك كما لو كنت أنت أستاذه». وتفسر هذه الروح المتواضعة سبب إعجاب أجيال من الطلاب به، لعلمه الغزير وأيضًا لسمو أخلاقه.

امتد تأثير الفاروقي إلى ما هو أبعد من جامعة تمبل. فقد أقر عدد من كبار العلماء، مثل الأستاذ الدكتور امتياز يوسف والأستاذ الدكتور عثمان بكر والأستاذ الدكتور محمد صالح يعقوب والأستاذ الدكتور جون ل. إسبوزيتو، بالأثر العميق الذي تركه في مسيرتهم الفكرية وفي تطور الدراسات الإسلامية على مستوى العالم.

الأستاذ الدكتور جون ل. إسبوزيتو، الذي توفي في 15 يوليو/تموز 2026، قال في إحدى محاضراته: «كان الأستاذ الفاروقي مؤمنًا إيمانًا عميقًا بالحوار. وكان يرى أن الانخراط الجاد بين المسلمين والمسيحيين واليهود ليس تنازلًا، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية. وفي زمن لا يزال فيه الاستقطاب الديني يهيمن على الخطاب العام، تظل دعوته إلى الحوار القائم على الاحترام ذات أهمية استثنائية".

الأستاذ الدكتور عثمان بكر، رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، كان يكنّ تقديرًا كبيرًا لجهود الفاروقي في إرساء الحوار بين الإسلام والديانات الأخرى. وأشاد بدوره في تعزيز التكامل بين التعاليم الإسلامية والمعرفة الحديثة، ورأى فيه شخصية محورية في إحياء التقليد الفكري الإسلامي.

أما الأستاذ الدكتور امتياز يوسف، وهو من طلابه، فقد وصف الأستاذ الفاروقي بأنه «مجاهد فكري وعالم لامع وموسوعة متحركة في الإسلام ورائد في الدراسة الأكاديمية للدين». وأضاف بحماس أن الفاروقي قدّم إسهامات بارزة في مجالات متعددة، من بينها الدراسة الأكاديمية للإسلام وتاريخ الأديان وظاهريات الدين والحوار بين الأديان.

اغتيل الأستاذ الفاروقي وزوجته الدكتورة لميا الفاروقي عام 1986 في جريمة بشعة وضعت حدًا لحياتين استثنائيتين، لكنها لم تضع حدًا لتأثيرهما. فما زال حضورهما ممتدًا في قاعات التدريس والجامعات ومراكز البحوث، وقبل كل شيء في حياة أولئك الذين ألهموهما.

عندما أتذكر الأستاذ الفاروقي اليوم، لا يخطر ببالي أول ما يخطر ما ألّفه من كتب ولا شهرته العالمية، بل أتذكر معلمًا كان يقلق على مشاعر الطلاب الذين لم يحالفهم الحظ في الحصول على المنحة، وكان يريد حتى لرسائل الاعتذار التي يرسلها إليهم أن تحمل "طنًّا من السكر".

لعل ذلك هو الدرس الأعمق والأبقى الذي تركه لنا، في عصر كثيرًا ما يحتفي بالذكاء أكثر مما يحتفي بالرحمة.

نسأل الله تعالى أن يتغمد الأستاذ إسماعيل راجي الفاروقي والدكتورة لميا الفاروقي بواسع رحمته وأن يسكنهما الفردوس الأعلى. آمين.