الجذور النظرية للتضليل الرقمي (2)
بقلم
لم يعد السؤال هل يكذبون علينا؟ بل أصبح كيف يصنعون كذبهم وكيف يجعلوننا نرغب في تصديقه؟
من النظرية إلى التفكيك
في المقال الأول من هذه السلسلة تناولنا القاعدة النظرية التي تفسر كيف تحول الإعلام من أداة لنقل المعلومات إلى آلية لصناعة المعنى. ورأينا كيف أن التضليل الرقمي هو وريث لنظريات التأثير الإعلامي التقليدية (ترتيب الأولويات، التأطير الإعلامي، الغرس الثقافي) لكنه يمارس اليوم في بيئة خوارزمية جديدة تفضِّل المشاعر على الدقة وصدق المعلومة، وتولي الأهمية القصوى لنقل المعلومة وسرعة انتشارها على حساب التأكد من محتواها.
في هذه المقالة الثانية، سنقوم بتفكيك الأدوات التي يستخدمها التضليل الإعلامي. وسنبدأ بمرحلة الإنتاج أي كيف تُصنع المعلومة المضللة بإعادة صياغة الخبر وتأليفه من جديد وكيف يستفاد من الإعلان وتمويهه بشكل مخادع.
لا ينحصر الإنتاج هنا في القوالب الإخبارية الجافة بل يمتد إلى أحصنة طروادة الأكثر جاذبية ونعومة كالدراما الوثائقية الزائفة وتأثيرها العاطفي الحاد في تخدير (تحييد) موضوعية المتلقي؛ أو الدمج المتعمد بين الإعلام والترفيه فيما يُعرف بـالإعلام الترفيهي (Infotainment). ويتجلى ذلك بوضوح في تحويل السخرية الرقمية والميمز (Memes) من مجرد أدوات للتسلية إلى وحدات ثقافية ومعلوماتية مكثفة بشكل رسائل تمرر عن طريقها الشائعات والأيديولوجيات؛ إذ تتدفق هذه الرسائل إلى وعي المتلقي عبر بوابة التسلية والضحك وهو في حالة من الاسترخاء الذهني والابتهاج، مما يضعه في حالة من التيسير المعرفي (Cognitive Easing) التي تخفض دفاعاته النقدية، فيبتلع الكذبة دون تدقيق؛ فيما صانع التضليل متمترس خلف قناع الفكاهة وبعيدٌ عن المساءلة.
تليها مرحلة التوزيع، وهي هندسة نشر المعلومات ذات المحتوى المضلل وضمان انتشارها الواسع (الفيروسي). هنا يتم استغلال الترفيه والإثارة وقوداً لتغذية خوارزميات التفاعل التي لا تبحث عن الحقيقة بل عن البقاء عبر آليات الروبوتات البرمجية والتريندات والموجات الرائجة وصولاً إلى تطبيقات المراسلة المشفرة وغرف الصدى (Echo Chambers) التي تعزل المتلقي في فقاعات فكرية متجانسة.

ثم نصل في نهاية المطاف إلى مرحلة الاستقبال وسؤالها المحوري: كيف ولماذا نصدق التضليل؟
هناك من يصنع التضليل بعناية قبل أن يصل إلى شاشتك. ويميز هذه المرحلة ما يسمى بالتمويه النوعي للمحتوى (Genre Blurring) وهو استراتيجية معروفة في علم الاتصال الحديث. ويقصد به صياغة المعلومة المضللة وتغليفها داخل قوالب غير إخبارية. الهدف من هذه الحيلة الذكية هو تغيير الهوية الظاهرية للمحتوى المضلل لكي يتسلل بسلاسة إلى وعي المتلقي. ويفعلون ذلك بالتخلي عن القوالب الإخبارية الجافة لصالح قوالب بديلة تذوب فيها الحقائق بالخيال، كالإعلام الترفيهي والتسلية والإعلانات المندمجة والميمز الساخرة والدراما الوثائقية الزائفة التي تلعب على أوتار العاطفة.
يعاد في هذه المرحلة تشكيل المعلومة المضللة ودمجها بالفكاهة والمتعة. الهدف من هذا هو التغيير الجوهري في طبيعة المادة وإزالة الشك لدى المتلقي. فعندما يقترب الجمهور من المادة بداعي التسلية والهروب من ضغط الواقع، تنخفض دفاعاته الفكرية وتتكاسل ملكته النقدية ما يتيح للتضليل المرور بسلام دون أن يشعر المتلقي أنه يتعرض لعملية توجيه ممنهجة، وصانع الكذبة محصنٌ خلف قناع الدعابة والفكاهة.
من هذا المدخل نفهم كيف تعاد صياغة الخبر وتأليفه من جديد وكيف يوظف الإعلان المموه.
يحتوي الإعلام التقليدي أربعة أجناس رئيسية، وكانت تفصل بينها حدود واضحة إلى حد ما:
أولها الخبر وكان حينها منتجاً يخضع لآلية حارس البوابة البشري وكانت المعايير المهنية والسياسات التحريرية -رغم تحيزاتها- تصنع وعياً جمعياً مشتركاً وموجهاً لجمهور واسع ومتجانس بشكل عام.
وكان التوجيه والتضليل الإعلامي آنذاك يرتكزان على أيديولوجيات واضحة ومكشوفة تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام عبر أدوات تقليدية مثل ترتيب الأولويات وصياغة الأطر الموحدة للأحداث. وكان ما يميز الخبر تاريخياً وجود هوية واضحة للمرسِل مما يتيح للمتلقي فرصة نسبية لتوقع الانحياز ومحاكمته نقدياً، قبل أن يتحول الخبر إلى سلعة رقمية مفرطة في التخصيص والاستحواذ على الانتباه.
توجيه الخبر ليس ظاهرة وليدة العصر الحديث، بل هو سلوك بنيوي لازَم الصحافة منذ نشأتها مدفوعاً بالطبيعة البشرية العفوية التي تعيد إنتاج الأحداث وصياغتها من منظورها الخاص انطلاقاً من تحيزاتها النفسية والمعرفية؛ لأن الموضوعية المطلقة في نقل الخبر غاية عصية على التحقيق. ففي النهاية المرسل كائن بشري يترجم الواقع عبر خلفياته الثقافية والاجتماعية والأهداف المرسومة له، مما يجعل التوجيه سياقاً حتمياً وفطرياً لعملية التواصل البشري.
ثانيها، الرأي الذي يتمايز عن الخبر بنيوياً بأنه تحليل أو تعليق يعلن عن هويته الصريحة ويتحمل كاتبه مسؤوليته الفكرية. وفيه تمنح المساحة كاملة للتعبير عن الانطباعات الشخصية لتفسير الأحداث وتوجيهها. ورغم هذا الفصل النظري والمنهجي بين الخبر والرأي تاريخياً، إلا أن الذاتية البشرية العفوية جعلت الحدود بينهما مرنة؛ إذ غالباً ما يتسلل الرأي والتحيز الشخصي إلى صياغة الأخبار تحت غطاء التوجيه غير المعلن (العصر التقليدي). والرأي محكوم بمسؤولية أدبية وقانونية واضحة للمرسِل ما يتيح للقارئ أن يكوِّن وعياً نقدياً يمكِّنه من محاكمة هذا الرأي وتمييزه عن الواقعة الخبرية المجردة.
ثالثها، الإعلان. ويُعرَّف، في عصر ما قبل الخوارزميات، بأنه مساحة تجارية صريحة ومقننة مدفوعة الأجر تفصلها حدود بصرية وهيكلية واضحة عن المادة التحريرية والإخبارية للمؤسسة الإعلامية. هذا الفصل يعلن عن الهوية الربحية للمحتوى إعلاناً مباشراً مما يمنح المتلقي مسافة واعية والوقت لتفعيل الفلتر النقدي والمحاكمة العقلية للمنتج ومصداقيته؛ وبذلك، اقتصر دور الإعلان تاريخياً على محاولة الإقناع المكشوفة دون قدرة على التسلل الخفي إلى وعي المستهلك تحت غطاء المادة المعرفية أو الخبرية المستقلة.
وأخيراً الترفيه والاتفاق غير المكتوب، وهو الجنس الإعلامي الرابع من دراما وسينما وأعمال فنية. ما ميز هذا الجنس عبر تاريخه الطويل هو وجود تفاهم غير مكتوب بين من يصنع العمل الفني ومن يتلقاه ويمكن تسمية هذا التفاهم بالاتفاق غير المعلن (Implied Contract) بمضمونه البسيط. فالصانع يعلن بصياغته الدرامية أن عمله ينتمي إلى عالم المحاكاة والتخيل لا إلى عالم الأخبار والوقائع؛ ودور المتلقي أن يستمتع بهذا العمل دون أن يخلطه بالواقع الذي يعيشه.
هذا الاتفاق هو ما جعل الجمهور لعقود طويلة يتلقى الدراما والسينما في مساحة من الأمان المعرفي .كان المشاهد يدرك أنه أمام مساحة للهروب المؤقت والتسلية، وليس أمام نشرة أخبار أو تحقيق استقصائي. فقد كانت هناك حدود واضحة تفصل بين شاشة السينما وشاشة الأخبار وبين سيناريو الكاتب وتقرير الصحفي. مع أن الدراما والسينما التقليدية لم تكن محايدة أبداً، فقد حملت في كثير من الأحيان رسائل سياسية وأخلاقية، وحاولت توجيه الجمهور أو تعزيز قيم معينة سواء بشكل مبطن أو صريح. لكن هذه الرسائل كانت تقدم في قالب فني معلن والمتلقي كان يحتفظ بمسافة نقدية تمكنه من الاستمتاع دون أن يخلط بين الخيال والحقيقة.
كيف يغير التضليل الرقمي هذه القواعد؟
ثم جاء عصر التضليل الرقمي وهدم هذه القواعد وأزال تلك الحدود عمداً؛ فهو لا يصنع الكذبة فقط بل يصمم محتوى يحاكي قوالب الترفيه (التي نثق بها) مثل الدراما المؤثرة والفيديوهات العاطفية والقصص المشوقة ثم يقدمها للمشاهد في قالب يظنه آمناً بينما هو يحمل في داخله أهدافاً تضليلية يحددها المرسِل؛ فالخطر ليس في الكذب على الناس، بل في جعلهم يصدقون وهم يستمتعون! وهذا ما يقودنا إلى قلب مرحلة الإنتاج والحيل الأربع الكبرى.
1- الخبر المؤلَّف (Fabricated News) الذي تُعرض فيه معلومات بين الكذب الصريح ونصف الحقيقة. وتندرج تحته صورتان رئيسيتان في الأدبيات الإعلامية:
الصورة الأولى هي الكذب الصريح المفتعل حيث تعرض معلومات لا صلة لها بالواقع لكنها تقدم في قوالب تحاكي الأخبار العاجلة أو التقارير الحصرية. يعود نجاح هذه الصيغة –وفق دراسات عديدة- إلى استغلال الكسل المعرفي لدى المتلقي الذي يختصر مسافة التحقق النقدي بمجرد أن يتلقى المعلومة في قالب يبدو موثوقًا مألوفاً استناداً إلى ثقته السابقة في المؤسسة الإعلامية أو شكلها.
الصورة الثانية هي الأكثر خطورة في التحليل النقدي وهي ما يعرف بـنصف الحقيقة أو الحقيقة منقوصة السياق. في هذه الحالة تكون الوقائع الأساسية للخبر صحيحة، لكنها تنتقى انتقائياً أو تحذف منها عناصر جوهرية أو يعاد تركيبها في سياق مغاير، مما يغير الاستنتاجات التي يمكن أن يستخلصها المتلقي منها. يكمن الخطر الأكبر لهذه الصيغة في صعوبة تفنيدها؛ لأنها لا تحتوي على كذب واضح، بل تمارس عنفاً معرفياً عبر الإغفال والتوجيه الانتقائي للانتباه.
يتخذ نصف الحقيقة ثلاثة أشكال رئيسية في الممارسة التحريرية: 1) الانفصال بين العنوان والمتن حيث يصاغ العنوان صياغة مثيرة وتعميمية لا تعكس محتوى النص الفعلي مما يخلق انطباعاً أولياً مضللاً لدى القارئ قد لا يصححه حتى قراءة الخبر كاملاً. 2) انتقاء الحقائق (Cherry-Picking) وهو إبراز مجموعة من الوقائع الصحيحة في سياقها الجزئي مع تجاهل وقائع أخرى تغير عموم الصورة، ليستنتج من ذلك حكم مغاير للحقيقة الأوسع. 3) نزع الاقتباس من سياقه، وهو اقتطاع جزء من تصريح شخصية عامة وإعادة وضعه في سياق جديد يغير معناه، مما يوهم الجمهور بأن الشخصية قد تبنت موقفاً لم تقله أو أنه صدر عنها في سياق آخر مختلف.
هذه الصيغ الثلاث هي الأكثر استخداماً في حملات التضليل المعاصرة، لأنها تستغل ميل المتلقي إلى تصديق ما يتوافق مع تحيزاته وتوقعاته المسبقة وتحتم عليه جهداً نقدياً مضاعفاً لكشف ما أُخفي من معلومات أو سياقات. ولا يقف نجاح نصف الحقيقة عند قدرتها على الإقناع، بل هي تجعل المتلقي عاجزاً عن تمييز مواضع الخداع لأنه يواجه معلومات صحيحة وجزئية يبنى عليها استنتاج غير صحيح.
2- الرأي المجرد من سياقه (Opinion Masquerading as News) في هذه الحيلة يعاد تقديم آراء المعلقين والمحللين في قوالب تحاكي الحياد الصحفي وتعرض باعتبارها تحليلاً موضوعياً أو تقريراً معمقاً بينما يتم إخفاء الذاتية خلف عباءة الموضوعية المزعومة، فيعجز المتلقي عن التمييز بين الوقائع المجردة والتفسير الانتقائي. تتركز هذه الممارسة في البرامج الحوارية والتحليلية التي تُعنى بـكشف الحقائق أو الرأي الآخر حيث تستخدم لغة تقريرية تبدو محايدة بينما هي تمارس انتقاء دلالياً مضمراً يوجه المتلقي نحو استنتاجات محددة.
3- الإعلان المموه (Native Advertising / Sponsored Content) هذه الحيلة هي من أكثر الممارسات انتشاراً في البيئة الرقمية المعاصرة وتقوم على تصميم محتوى إعلاني مدفوع الأجر يتخذ شكل التقرير الصحفي أو المقال التحليلي بحيث يستحيل على المتلقي تمييز الرسالة التسويقية عن المادة التحريرية المستقلة. وتزداد خطورة هذه الممارسة حين تنسب المواد الإعلانية إلى جهات تحريرية وهمية أو أقسام متخصصة كـفريق الصحة أو قسم الدراسات مما يعزز وهم الموضوعية والاستقلالية لدى القارئ.
4- وأخيراً الدراما الوثائقية الزائفة (Mockumentary / Pseudo-documentary) وهي الأكثر تعقيداً من حيث التأثير النفسي إذ تقدم مادة خيالية أو درامية في قالب يحاكي الفيلم الوثائقي الجاد باستخدام أدوات الإقناع البصري والسمعي كاللقطات الأرشيفية والتعليق الصوتي الجاد والموسيقى التصويرية المثيرة. يحدث هذا المزج بين الخيال والواقع إرباكاً إدراكياً لدى المتلقي، فيصعب عليه تمييز حدود المحاكاة الفنية عن التوثيق الواقعي مما يجعله أكثر ميلاً لتلقي المادة كحقيقة تاريخية أو سياسية مستقرة رغم أنها نتاج خيالي.
خلاصة مرحلة الإنتاج أن التضليل الرقمي لا يقوم فقط على إنتاج محتوى كاذب بل يعمل على هدم الحدود التقليدية بين الأجناس الإعلامية وتوظيف قوالب إعلامية موثوقة لإخفاء المحتوى المضلل. المبدأ الأساسي الذي يعمل عليه التضليل في هذه المرحلة هو إلباس المعلومة المضللة ثوب قالب يثق به المتلقي تلقائياً لأجل تحييد دفاعاته النقدية قبل إعطائه المعلومة.

مرحلة التوزيع وآليات الانتشار في الفضاء الرقمي
إذا كانت آليات الإنتاج تعنى بصناعة المادة المضللة، فإن مرحلة التوزيع هي التي تمنحها القدرة على الانتشار والفعل في الواقع. في هذه المرحلة يتقاطع الجهد المتعمد للمضلِّل مع البنية التقنية للمنصات الرقمية في تشابك يجعل من الصعب الفصل بين الأهداف المتعددة للمضلِّلين أكانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية أو ثقافية، وبين الهندسة التجارية للخوارزميات التي صممت أصلاً لتعظيم أرباح المنصات. وكثيراً ما يستخدم التضليل أدوات تهدف إلى تفتيت التماسك الاجتماعي دون أن تحمل أي رسالة سياسية ظاهرة أو توجيه السلوك الاستهلاكي أو زرع اليأس والإحباط أو إعادة تعريف الهوية الثقافية والدينية لمجتمع ما؛ مما يجعله سلاحاً متعدد الأغراض وليس مجرد أداة دعائية في صراع سياسي.
يمكن تلمس هذه الآليات في مستويات رئيسية منها خوارزميات التفاعل مثل منصات التواصل الاجتماعي التي صممت لتحقيق هدف مركزي ورئيسي يتمثل في تعظيم أرباح المنصات عبر إطالة أمد تفاعل المستخدمين؛ وهو ما يستدعي تفضيل المحتوى المثير للمشاعر القوية كالغضب والخوف على المحتوى الهادئ أو الدقيق. وتشير الأدلة التجريبية إلى أن هذه الآلية تؤدي إلى تفوق انتشار الأخبار الكاذبة على الصحيحة. إذ أظهرت دراسة رائدة نشرت في مجلة Science عام 2018 أن القصص الكاذبة تنتشر بسرعة تفوق سرعة انتشار القصص الحقيقية بنسبة 70% وتصل إلى جمهور أوسع بنسبة 30%. لكن المفارقة اللافتة أن البشر كانوا المحرك الأساسي لهذا الفارق وليس البرمجيات الآلية! مما يشير إلى أن الميل إلى تصديق المعلومة المثيرة يعود إلى طبيعة الإدراك البشري أكثر من كونه نتاجاً تقنياً محضاً.
ننتقل الآن للحديث عن غرف الصدى والفقاعات التصفوية حيث تقوم الخوارزميات بتقديم محتوى للمستخدم يتوافق مع اهتماماته السابقة (مثل سجلات البحث أو نشاط التسوق عبر الإنترنت) ومعتقداته الراسخة وتستبعد تدريجياً ما يخالفها.
تؤدي هذه العملية، وإن بدت محايدة من حيث تصميمها التقني، إلى احتجاز المستخدم داخل فقاعة تصفية خاصة لا يطَّلِع فيها إلا على ما يعزز قناعاته ولا يسمع إلا ما يردَّد داخل غرفة صدى مغلقة. وتترتب على هذا نتيجة معرفية خطيرة وهي أن المعلومة المضللة حين تصل إلى هذا المستخدم تمر دون فحص نقدي، ليس بسبب ضعف في قدراته التحليلية بل لأنها تبدو مألوفة ومتناغمة مع باقي محتواه اليومي. وهنا يُظهر المتلقي انتماءه لما يناسبه دون أي مراجعة منطقية وكأن بهذه البيئات تصبح مجتمعات منغلقة داخل غيتو خوارزمي. لكن تأثير هذه الغرف لا يقتصر على الفرد، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره. إذ يتفاعل أصحاب الغرف المختلفة مع بعضهم على نحو يعمق الاستقطاب ويجعل الحوار بينهم شبه مستحيل. وقد خلصت الدراسات الحديثة إلى أن غرف الصدى ليست مجرد ظاهرة تقنية بل هي نتاج تفاعل بين التصميم الخوارزمي والطبيعة البشرية مما يجعلها تهديداً حقيقياً للتماسك الاجتماعي.
أما الحسابات الآلية والدعاية الشعبية الزائفة، ف حملاتُ التضليل المنظمة شبكات من الحسابات الوهمية تديرها برمجيات آلية (الروبوتات)، تؤدي أدواراً متعددة: منها خلق انطباع اصطناعي بالشعبية (Astroturfing) وتضخيم محتوى المؤثرين المشاركين في التضليل لأسباب قد تكون عقائدية أو لفائدة مالية والرد على النقاد والصحفيين بغرض إغراق الفضاء النقاشي بالتشويش وإثارة الشكوك، مما يضعف قدرة الجمهور على تمييز المصادر الموثوقة من غيرها.
أخيراً، تطبيقات المراسلة المشفرة مثل واتساب وتيليجرام وسيجنال. وهي فضاء مظلم للتضليل تخلو من آليات الرقابة الخوارزمية وتفتقر إلى أدوات الكشف عن المحتوى المزور أو المضلِّل، كما يصعب تتبع مسار المعلومات أو أرشفتها. هذه الخصائص تجعلها بيئة مثالية لانتقال التضليل من شخص إلى آخر بثقة عالية خصوصاً حين يأتي من مصادر قريبة ومعروفة. وقد شهد العالم في السنوات الأخيرة أمثلة مأساوية على تداعيات هذه الآلية كان من أبرزها ما حدث في سريلانكا عام 2018 حين أسهمت شائعة مفبركة انتشرت عبر مجموعات واتساب في إشعال فتنة طائفية راح ضحيتها العشرات دون أن تتمكن السلطات من تتبع مصدرها أو إيقاف انتشارها.
الخلاصة أن المبدأ الأساسي الذي يعمل عليه التضليل في غرف الصدى هو استغلال السمات البنيوية للمنصات سواء في تصميمها الخوارزمي أو في بنيتها التواصلية لصالح تمرير المعلومات المضللة بحيث تصبح المنصة ذاتها -بتصميمها المحايد ظاهرياً- أداة فاعلة في نشر التضليل وتعميقه. وقد أظهرت الأدلة أن هذه الآليات لا تؤدي إلى انتشار المعلومات المضللة فحسب، بل تسهم أيضاً في تعزيز الاستقطاب وتفتيت الوعي المجتمعي مما يجعل التضليل سلاحاً بنيوياً لا يكتفي بتضليل جمهور المتلقين بل يعيد تشكيل الواقع الاجتماعي ذاته عبر تفتيت التماسك المجتمعي وإعادة تعريف هويات الجماعات المستهدفة.
مرحلة الاستقبال: لماذا نصدق التضليل؟
بعد أن يتم إنتاج المادة المضللة وتوزيعها عبر المنصات، تصل إلى المرحلة الأكثر تعقيداً وهي مرحلة الاستقبال. وهنا ينتقل السؤال من "كيف يصنع التضليل ويوزع؟" إلى سؤال محوري أكثر إيلاماً هو "لماذا نصدق التضليل؟". الاعتقاد السائد أن الجمهور ضحية للإعلام وأن التضليل هو السبب وأن جمهور المتلقين عاجز عن مقاومة الأمر، لكن الحقيقة المؤلمة هي أن المتلقي شريك في العملية وإن كان غير مدرك لذلك.
لفهم هذه المفارقة يمكن الاستناد إلى نظرية الاستخدامات والإشباعات (Uses & Gratifications) التي طورها كاتز وبلوملر وجودفيتش في سبعينيات القرن الماضي؛ وجوهرها أن الجمهور ليس سلبياً بل يختار وسائل الإعلام التي تشبع حاجاته النفسية والاجتماعية وأن آلة التضليل تستغل حاجاتنا النفسية العميقة وتقدم لنا إشباعات زائفة لها.
لم يعد التضليل الرقمي المعاصر يراهن على قوة الرسالة، بقدر مراهنته على فهم احتياجات المتلقي ونقاط ضعفه النفسية. ففي البيئة الرقمية، لم يعد الأفراد يختارون المحتوى الذي يتابعونه بصورة واعية، بل تتولى الخوارزميات تحليل سلوكهم وجمع بياناتهم لتقديم محتوى مضلل يتوافق مع ميولهم ويمنحهم إشباعاً فورياً لاحتياجاتهم النفسية (تجسيد نظرية الاستخدامات والإشباعات). فهي تلبي الحاجة المعرفية عبر تقديم تفسيرات جاهزة تقلل من حالة الغموض، ولا سيما في أوقات الأزمات. كما تستثير المشاعر، مثل الخوف والغضب، لإضعاف التفكير العقلاني وتلبية الحاجات الوجدانية. وتدعم الحاجة إلى الهوية الشخصية من خلال تعزيز القناعات المسبقة وإشعار الأفراد بصواب آرائهم ورفض الآراء المخالفة. كذلك تستثمر الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي، إذ يصبح تصديق الشائعات وإعادة نشرها وسيلة للحصول على القبول داخل الجماعات الرقمية وتجنب العزلة. وهي أخيراً، تلبي حاجة الهروب من الواقع (Escapism)، حيث يستهلك بعض الأفراد المحتوى المضلل بوصفه شكلاً من أشكال التسلية أو التنفيس عن ضغوط الحياة، فيتسلل الوهم إلى وعيهم بأقل قدر من المقاومة المعرفية.
تشير الأدبيات إلى خمس حاجات نفسية أساسية يستغلها التضليل:
1) الحاجة إلى الأمان واليقين في عالم أخباره معقدة وفي بعض الأحيان مربكة. والتضليل يقدم إجابات بسيطة واضحة وشاملة مما يريح النفس ويقلل قلقها الوجودي. فالخبر الحقيقي الذي يقول الأمور معقدة وليس هناك حل سحري لا يريحها؛ لذلك يختار كثير من الناس التضليل المريح على الحقيقة المتعبة.
2) الحاجة لتقدير الذات والتميز وشعور المعرفة أكثر من الآخرين، وأن النخبة القليلة الواعية تعرف الحقيقة والآخرون غافلون لا يدركون الحقيقة الخفية (التميز والمشاعر النمائية الناتجة).
3) الحاجة إلى الانتماء والهوية الجماعية بأن نكون جزءًا من "نحن" ضد "هم"، لأن الإنسان بطبعه اجتماعي ويحتاج للانتماء إلى جماعة وهوية تميزه. والإيمان بالتضليل يمنح المرء عضوية فورية في جماعة لا ينتمي إليها "الآخرون". (حين ينتشر خبر فيه تضليل طائفي، فالذين يصدقونه لا يبحثون عن الحقيقة بل عن لحظة أخوة مع أبناء طائفتهم في مواجهة الآخر).
4) الحاجة إلى تبرير الذات أخلاقياً؛ كل إنسان يرتكب أخطاء ويتخذ قرارات خاطئة، ولمواجهة هذه الحقيقة المؤلمة يقدم التضليل مخرجاً مناسباً بالإيحاء بفكرة أنك لست المخطئ بل هم "الآخرون" الذين تآمروا عليك، أو بفكرة أنت لم تفشل بسبب تقصيرك بل بسبب مؤامرة أنت ضحيتها.
5) الحاجة إلى الإثارة والتشويق؛ الأخبار الحقيقية غالباً ما تكون جافة أو معقدة أو مكررة والتحليلات العلمية تحتاج إلى تركيز، وهنا يقدم التضليل سرداً درامياً مشوقاً أشبه برواية بوليسية أو فيلم أكشن فيه أبطال وأشرار ومؤامرات وخيانات ولحظات كشف مثيرة.
هذا النوع من السرد ممتع وإدماني، والاختلاف شاسع بين من يختار قراءة تقرير اقتصادي معقد ومن يختار مشاهدة فيديو يكشف المؤامرة العالمية.
تفادي الملل المعرفي
هنا نصل لنتيجة أن الإنسان الذي يصدق التضليل لا يشعر بأنه مخدوع بل يشعر بأنه متمكن وواعٍ؛ وهذا ما يفسر فشل حملات فضح الكذب والتضليل لأنها تهاجم معتقدات تشبع حاجات وجودية، فيدافع عنها الناس بشراسة رغم كذبها.
بعد تفكيك الأدوات التي يستخدمها التضليل الإعلامي في مراحل إنتاج المادة المضللة وتوزيعها عبر المنصات واستقبالها في وعي المتلقين، يتضح أن التضليل ليس مجرد كذب يقع علينا من الخارج بل هو نظام متكامل من الآليات التي تصطاد نقاط ضعفنا المعرفية والنفسية من خوارزميات تفضل الغضب على الصدق، وغرف صدى تحبسنا في أوهامنا، وروبوتات تخلق شعوراً زائفاً بالشعبية، وفضاءات مظلمة يزدهر فيها التضليل دون رقيب، وفي النهاية حاجاتنا النفسية إلى الأمان والانتماء وتقدير الذات التي تحولنا إلى شركاء في خداع أنفسنا.
والخلاصة الأخلاقية أن مقاومة التضليل لا تبدأ بفضح ما يفعله الآخرون بل تبدأ بفهم ما نفعله نحن بأنفسنا وبالاعتراف بأننا لسنا ضحايا أبرياء فقط، بل نحن شركاء في العملية وإن كنا غير مدركين لذلك.



