مسجد باريس الكبير

مسجد باريس الكبير يحتفي بمئة عام من الحضور الإسلامي في فرنسا

مدة القراءة: 5 دقائق

باريس

باريس

احتفل مسجد باريس الكبير في 15 يوليو/تموز 2026 بمرور مئة عام على افتتاحه. وقد أعادت هذه المناسبة إلى الواجهة تاريخ أحد من أبرز المعالم الإسلامية في فرنسا، وهو تاريخ يتقاطع فيه الدين مع الذاكرة الوطنية والحرب العالمية الأولى والاستعمار والهجرة والعلاقات بين الدولة الفرنسية والمسلمين.

فالمسجد ليس مجرد مكان للعبادة أو معلم معماري في قلب الحي اللاتيني في باريس، بل شاهد على قرن كامل من تاريخ الإسلام في فرنسا.

بدأ مشروع المسجد قبل افتتاحه بسنوات. فقد اتخذت السلطات الفرنسية قرار إنشاء مسجد كبير في باريس أثناء الحرب العالمية الأولى، ووُضع حجر الأساس رسميًا في 19 أكتوبر/تشرين الأول 1922. أما افتتاحه فتم في 15 يوليو/تموز 1926 بحضور الرئيس الفرنسي غاستون دومرغ. والغاية من المسجد كانت تكريم الجنود المسلمين الذين قاتلوا وماتوا تحت راية فرنسا في الحرب العالمية الأولى، لا سيما الجنود القادمين من مستعمراتها في شمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء.

جندت فرنسا في الحرب العالمية الأولى نحو 500 ألف جندي إفريقي، معظمهم من المسلمين. وكانت الخسائر بينهم كبيرة؛ إذ تشير مدينة باريس إلى مقتل نحو 100 ألف منهم، بينهم نحو 70 ألفًا خلال معركة فردان بين فبراير/شباط وديسمبر/كانون الأول 1916. لذلك ارتبط إنشاء المسجد منذ البداية بذاكرة هؤلاء الجنود وبالرغبة في الاعتراف بتضحياتهم.

لكن إنشاء المسجد لم يكن مجرد عمل تكريمي. ظهر المشروع في سياق استعماري كانت فيه فرنسا تحاول تنظيم علاقتها بالمسلمين في أراضيها ومستعمراتها. ولهذا حمل المسجد منذ نشأته وظيفة مزدوجة: الاعتراف بمساهمة المسلمين في الدفاع عن فرنسا من جهة، وإقامة مؤسسة يمكن للدولة من خلالها التواصل مع الإسلام والمسلمين وتنظيم هذا الحضور من جهة أخرى. وقد وصف تقرير حديث لوكالة الأناضول المسجد بأنه مر عبر تاريخه بمراحل متعددة، من مؤسسة مرتبطة بالسياسة الاستعمارية إلى ملاذ تحت الاحتلال ثم إلى مركز ديني وثقافي وسياحي في باريس اليوم.

السيد سي قدور بن غبريط (1868-1954) هو الشخصية الأساسية في إنشاء المسجد. فقد ترأس «جمعية الأحباس والأماكن المقدسة في الإسلام» التي أُسند إليها تنفيذ المشروع، ثم أصبح أول عميد لمسجد باريس الكبير. وارتبط اسمه بالمؤسسة منذ مرحلة التأسيس. وفي احتفال المئوية عام 2026، مُنح قدور بن غبريط، بعد وفاته، ميدالية «بناة مساجد فرنسا» تكريمًا لدوره في تأسيس المسجد.

اختير لبناء المسجد موقع في الدائرة الخامسة بباريس، بالقرب من حديقة النباتات، وأصبح الموقع لاحقاً جزءًا من الحي اللاتيني، أحد المراكز الجامعية والثقافية المهمة في العاصمة. منذ افتتاحه، أصبح المسجد مركزًا حيوياً للمسلمين في فرنسا، وظل فترة طويلة المسجد الوحيد تقريبًا الذي يؤدي دورًا وطنيًا على هذا المستوى، قبل أن تتوسع شبكة المساجد والمؤسسات الإسلامية في البلاد.

من الناحية المعمارية، استُلهم تصميم المسجد من التقاليد المغربية والأندلسية، لا سيما العمارة الأندلسية في قصر الحمراء بغرناطة. ويبرز فيه الفناء الداخلي والزخارف الخزفية والزليج والأقواس والحدائق، بينما يبلغ ارتفاع مئذنته 33 مترًا، فأصبحت من أبرز معالمه وأكثرها وضوحًا في سماء باريس.

لا تقتصر وظيفة المسجد على الصلاة. فهو مركز ديني وثقافي واجتماعي، ومكان للحوار بين الأديان والثقافات، وقد زاره رؤساء دول وشخصيات سياسية ودينية من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، أنشأ المستشفى الفرنسي الإسلامي والمقبرة الإسلامية في بوبينيي Bobigny.

بعد الحرب العالمية الثانية، تغيرت رسالة المسجد تدريجيًا مع نهاية الاستعمار الفرنسي وتزايد الهجرة من الجزائر والمغرب وتونس ومن بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. لم يعد المسجد يمثل فقط المسلمين المرتبطين بالإمبراطورية الفرنسية، بل أصبح مؤسسة دينية تخدم مجتمعًا مسلمًا مستقرًا داخل فرنسا. ومع مرور الوقت، أصبحت أجيال جديدة من المسلمين المولودين في فرنسا جزءًا أساسيًا من جمهوره.

هكذا أصبح مسجد باريس الكبير شاهدًا على التحول العميق الذي طرأ على وجود الإسلام في فرنسا: من دين مرتبط أساسًا بالمستعمرات والجنود المسلمين إلى دين لملايين المواطنين داخل المجتمع الفرنسي، ومن مؤسسة أنشئت في سياق الجمهورية الاستعمارية إلى مؤسسة دينية وثقافية تخاطب المواطنين المسلمين في فرنسا اليوم.

ولا يزال المسجد يؤدي وظيفته الدينية الأساسية، لكنه أصبح أيضًا مكانًا للثقافة والحوار والتبادل. فهو يستقبل الزوار والسياح، ويضم مرافق ثقافية، ويشارك في فعاليات فنية ودينية. كما أن الفناء والحدائق والمقهى والحمام التقليدي جزءًا من صورته العامة. وتدرجه هيئة السياحة في باريس ضمن المعالم التي تستحق الزيارة، إلى جانب قيمته الدينية والتاريخية.

وتكشف مئوية مسجد باريس الكبير أنه لا يمكن اختزاله في رواية واحدة. فهو من جهة نصب تذكاري لتضحيات الجنود المسلمين في الحرب العالمية الأولى، ومن جهة أخرى مؤسسة نشأت في سياق استعماري كانت الدولة الفرنسية تسعى فيه إلى تنظيم علاقتها بالإسلام. ثم أصبح جزءًا من ذاكرة التضامن والمقاومة، قبل أن يتحول بعد الحرب إلى مركز رئيسي للحياة الإسلامية في فرنسا.

اليوم، يقف المسجد في قلب باريس شاهدًا على هذه التحولات كلها. فمئذنته التي ترتفع 33 مترًا لا ترمز فقط إلى مبنى ديني شُيد قبل قرن، بل إلى تاريخ طويل من الحضور الإسلامي في فرنسا. وقد انتقلت المؤسسة خلال مئة عام من تكريم الجنود المسلمين الذين ماتوا دفاعًا عن فرنسا إلى تمثيل مجتمع مسلم متنوع يعيش داخلها، ويتساءل عن مكانته وحقوقه ومستقبله.

إن مئوية مسجد باريس الكبير ليست مجرد مناسبة للاحتفاء بمبنى تاريخي. إنها مناسبة لإعادة قراءة قرن من العلاقة بين فرنسا والإسلام: من الحرب والاستعمار إلى الهجرة والاستقرار، ومن الذاكرة العسكرية إلى المواطنة، ومن المؤسسة التي أنشئت في ظل الجمهورية الثالثة إلى مسجد يرى نفسه اليوم جزءًا من تاريخ فرنسا ومن حاضرها ومستقبلها.


اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

بنغلاديش تبدي رغبتها في الانضمام إلى اتفاقية مكة الدفاعية

بنغلاديش تبدي رغبتها في الانضمام إلى اتفاقية مكة الدفاعية

مدة القراءة: 3 دقائق

منظمة التعاون الإسلامي تهنئ سوريا برفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب

منظمة التعاون الإسلامي تهنئ سوريا برفع اسمها من قائمة الدول الراعية للإرهاب

مدة القراءة: دقيقة واحدة

بنغلاديش تتقدم في خططها لشراء مقاتلات J-10CE صينية الصنع

بنغلاديش تتقدم في خططها لشراء مقاتلات J-10CE صينية الصنع

مدة القراءة: دقيقتان

إسطنبول تستضيف فعالية لإحياء ذكرى القدس وافتتاح المكتب الإقليمي لمؤسسة القدس الدولية

إسطنبول تستضيف فعالية لإحياء ذكرى القدس وافتتاح المكتب الإقليمي لمؤسسة القدس الدولية

مدة القراءة: دقيقتان

سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني وحارس الذاكرة في مواجهة محو الهوية

سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني وحارس الذاكرة في مواجهة محو الهوية

مدة القراءة: 8 دقائق

اتفاقية مكة: التحولات في ديناميات الأمن في الشرق الأوسط

اتفاقية مكة: التحولات في ديناميات الأمن في الشرق الأوسط

مدة القراءة: 9 دقائق

افتتاح مكتب إقليمي لمؤسسة القدس الدولية في إسطنبول

افتتاح مكتب إقليمي لمؤسسة القدس الدولية في إسطنبول

مدة القراءة: 5 دقائق

توليا.. منصة متخصصة في تقديم الأدب التركي للقارئ العربي

توليا.. منصة متخصصة في تقديم الأدب التركي للقارئ العربي

مدة القراءة: 4 دقائق

ربيع الأول: شهر الذاكرة والرحمة والتجدد

ربيع الأول: شهر الذاكرة والرحمة والتجدد

مدة القراءة: 5 دقائق

ما هو النينيو والنينيا وما تأثيرهما على المناخ الأرضي؟

ما هو النينيو والنينيا وما تأثيرهما على المناخ الأرضي؟

مدة القراءة: 7 دقائق

باراك: ضربة إسرائيل لسوريا كادت أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية

باراك: ضربة إسرائيل لسوريا كادت أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية

مدة القراءة: 3 دقائق

مدخل إلى الفرق بين الذهب والنقود الورقية والربا

مدخل إلى الفرق بين الذهب والنقود الورقية والربا

مدة القراءة: 7 دقائق

نقل رئيس الوزراء الباكستاني السابق من السجن إلى مستشفى

نقل رئيس الوزراء الباكستاني السابق من السجن إلى مستشفى

مدة القراءة: دقيقة واحدة

باراك: غارات إسرائيل على سوريا تصعيد لا يخدم الاستقرار في المنطقة

باراك: غارات إسرائيل على سوريا تصعيد لا يخدم الاستقرار في المنطقة

مدة القراءة: دقيقتان

أردوغان يعلن أنه سيزور سوريا قريباً

أردوغان يعلن أنه سيزور سوريا قريباً

مدة القراءة: دقيقتان

إطلاق الترجمة الإنجليزية لكتاب علي عزت بيغوفيتش «الإسلام بين الشرق والغرب»

إطلاق الترجمة الإنجليزية لكتاب علي عزت بيغوفيتش «الإسلام بين الشرق والغرب»

مدة القراءة: 6 دقائق

رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي يزور دمشق

رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي يزور دمشق

مدة القراءة: دقيقتان

"مؤسسة إسلام فرنسا" تواجه خطر الزوال مع رفع صفة المنفعة العامة عنها

"مؤسسة إسلام فرنسا" تواجه خطر الزوال مع رفع صفة المنفعة العامة عنها

مدة القراءة: 3 دقائق

بعد 15 سنة في باريس... أثار سورية تعود لموطنها الأصلي

بعد 15 سنة في باريس... أثار سورية تعود لموطنها الأصلي

مدة القراءة: 3 دقائق

دمشق تحكم بالإعدام على بشار الأسد وعدد من رموز نظامه

دمشق تحكم بالإعدام على بشار الأسد وعدد من رموز نظامه

مدة القراءة: دقيقتان

البرلمان التركي يصادق على قانون ضمن مسار "تركيا بلا إرهاب"

البرلمان التركي يصادق على قانون ضمن مسار "تركيا بلا إرهاب"

مدة القراءة: دقيقتان

إبليس في القرآن الكريم: العداوة والإغواء والمسؤولية الأخلاقية

إبليس في القرآن الكريم: العداوة والإغواء والمسؤولية الأخلاقية

مدة القراءة: 6 دقائق

افتتاح متحف علي عزت بيغوفيتش في سراييفو بعد عمليات ترميم

افتتاح متحف علي عزت بيغوفيتش في سراييفو بعد عمليات ترميم

مدة القراءة: 3 دقائق

ما الآفاق الاقتصادية التي ستفتحها اتفاقية مكة للمنطقة؟

ما الآفاق الاقتصادية التي ستفتحها اتفاقية مكة للمنطقة؟

مدة القراءة: 4 دقائق

أعلام السعودية وتركيا وباكستان تزين مباني الرياض

أعلام السعودية وتركيا وباكستان تزين مباني الرياض

مدة القراءة: 4 دقائق

إعادة إعمار سوريا.. إسباني يوثق البعد الإنساني بالصورة

إعادة إعمار سوريا.. إسباني يوثق البعد الإنساني بالصورة

مدة القراءة: 7 دقائق

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان

مدة القراءة: دقيقة واحدة

توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين تركيا والسعودية وباكستان

توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين تركيا والسعودية وباكستان

مدة القراءة: دقيقة واحدة

التمويل متناهي الصغر البديل: من تعظيم الأرباح إلى نهج المسؤولية الاجتماعية

التمويل متناهي الصغر البديل: من تعظيم الأرباح إلى نهج المسؤولية الاجتماعية

مدة القراءة: 6 دقائق

جدل جديد يحيط بمسجد أدينا التاريخي في مالدا، ولاية البنغال الغربية، الهند

جدل جديد يحيط بمسجد أدينا التاريخي في مالدا، ولاية البنغال الغربية، الهند

مدة القراءة: 12 دقيقة

خطة ترامب لا تستهوي الغزاويين لانفصالها عن الواقع

خطة ترامب لا تستهوي الغزاويين لانفصالها عن الواقع

مدة القراءة: 5 دقائق

حلب القديمة.. حرفي يحفظ سرّ فن خشبي يمتد لأربعة عشر قرناً

حلب القديمة.. حرفي يحفظ سرّ فن خشبي يمتد لأربعة عشر قرناً

مدة القراءة: 3 دقائق

تركيا تفتتح مشروع القرن: وضع حجر الأساس لمجمع السيرة النبوية

تركيا تفتتح مشروع القرن: وضع حجر الأساس لمجمع السيرة النبوية

مدة القراءة: 4 دقائق

سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية

سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية

مدة القراءة: 8 دقائق