
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يوقع اتفاقية دفاعية مشتركة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، مكة المكرمة، 7 أغسطس/آب 2026.
اتفاقية مكة: التحولات في ديناميات الأمن في الشرق الأوسط
بقلم
اتفاقية مكة ليست مجرد تحالف بين جيوش، بل مثلث استراتيجي يمتد عبر بعض أهم طرق الطاقة والممرات البحرية ومناطق الصراع في العالم.
في 7 أغسطس/آب 2026، وقّعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة للدفاع المشترك، في قمة مكة المكرمة في المملكة العربية السعودية. استقطبت هذه الاتفاقية التاريخية اهتمامًا عالميًا، وأثارت تكهنات بأنها قد تؤذن بقيام منظومة أمن إقليمية جديدة، وتحدّ من الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، وتتصدى للتهديدات القادمة من إسرائيل وإيران، بل وقد تضع الأسس لما يشبه «حلف شمال أطلسي شرق أوسطي».
لكن التحليل الأكثر اتزانًا يقتضي فهم المشهد الجيوسياسي في ضوء الصراع في المنطقة، وفي مقدمته استمرار إسرائيل منذ عقود في ارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. وقد زادت الحرب الأمريكية على إيران، التي جاءت استجابة لمطالب إسرائيل، الوضع تعقيدًا، بما عرّضت الدول العربية المجاورة لتداعيات عسكرية ناجمة عن الصراعات الدائرة في محيطها. كما جعل عجز الولايات المتحدة عن توفير مظلة أمنية لحلفائها في المنطقة اجتماع الدول الثلاث ضرورة لإقامة ردع جماعي يسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي، ويعزز في الوقت نفسه التعاون الدفاعي بينها.
مع ذلك، فإن مثل هذه الترتيبات العسكرية ليست وليدة اللحظة، بل يجري العمل عليها منذ فترة طويلة بأشكال ومستويات مختلفة. فقد كانت هناك بالفعل اتفاقية دفاع متبادل استراتيجية بين باكستان والسعودية منذ سبتمبر/أيلول 2025، كما أن آلية تشاور رباعية ضمت الدول الثلاث الموقعة ومصر (مجموعة R-4) نصّت على أن أي هجوم مسلح على أحد أعضاء التحالف يُعد هجومًا عليهم جميعًا.
أهمية الاتفاقية
تحمل الاتفاقية دلالات رمزية كبيرة. وما يجعلها لافتة للنظر هو التكامل في عناصر القوة بين أعضائها الثلاثة، وهم قوى متوسطة ذات ثقل كبير: باكستان قوة نووية، والسعودية قوة اقتصادية وعملاق في مجال الطاقة، وتركيا صاحبة ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف شمال الأطلسي، فضلًا عن امتلاكها قاعدة صناعية دفاعية قوية. وبينما أخفقت المحاولات السابقة التي بذلتها الولايات المتحدة لإقامة تحالف شرق أوسطي يضم أقرب شركائها إليها، فإن هذا الترتيب الإقليمي الخالص يكشف تنامي قدرة القوى الإقليمية على المبادرة الاستراتيجية، وتزايد مخاوفها في الوقت نفسه. كما أن إبرام الاتفاقية في مكة، أقدس مدن الإسلام، يضفي على بعدها الديني أهمية رمزية إضافية ويعزز جاذبيتها لدى الرأي العام.
جغرافياً، تربط الدول الثلاث بين شبه الجزيرة العربية والأناضول وجنوب آسيا. وهي تقع في محيط مضيق هرمز والبحر الأحمر وشرق البحر المتوسط والبحر الأسود والمحيط الهندي. لذلك فالأمر لا يتعلق بمجرد تحالف بين جيوش، بل بمثلث استراتيجي يمتد عبر بعض أهم طرق الطاقة والممرات البحرية ومناطق الصراع في العالم.
توقيت الاتفاقية ليس عرضيًا أيضاً. فقد عانى الشرق الأوسط سنوات من الحروب وتبادل الصواريخ والهجمات على الملاحة البحرية والصراعات بالوكالة، إلى جانب حالة من عدم اليقين حول مستقبل الضمانات الأمنية الأمريكية. وعلى مدى عقود، قام أمن الخليج على صفقة غير مكتوبة قوامها أن توفر الولايات المتحدة الحماية، مقابل بقاء المنطقة محورًا أساسيًا في منظومة الطاقة العالمية. لكن الأزمات المتكررة كشفت حدود هذا الترتيب.
لا تزال واشنطن قوة عسكرية هائلة، لكن حكومات المنطقة تتساءل أكثر بأكثر عما إذا كان الدعم الأمريكي سيأتي في الوقت المناسب، وما إذا كان سيكون غير مشروط، وما إذا كان سيتوافق مع مصالحها.
في الوقت نفسه، أدى اتساع نطاق القدرات العسكرية الإسرائيلية، وتطور القدرات الصاروخية الإيرانية وشبكاتها الإقليمية، وهجمات الحوثيين، والتهديدات التي تواجه البحر الأحمر، إلى جعل الاعتماد على قوى حامية بعيدة يبدو محفوفًا بالمخاطر بصورة متزايدة.
قبيل اتفاقية مكة بوقت قصير، أعلنت السعودية خططًا لتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة التجارية وطرق الطاقة في البحر الأحمر. وحضر الاجتماع المعني ممثلون عن 43 دولة والاتحاد الأوروبي، فيما أيدت 14 دولة، من بينها تركيا وباكستان ومصر، المبادرة رسميًا. الرسالة كانت واضحة: لم تعد القوى الإقليمية تريد مجرد استهلاك الأمن الذي يوفره الآخرون، بل تريد أن تتولى هي إنتاجه.
تحول المنظومة الأمنية
تتجاوز أهمية اتفاقية مكة بكثير ما تنص عليه من ترتيبات عسكرية. فمن خلال إدخال السعودية وتركيا وباكستان في إطار أمني رسمي، تربط الاتفاقية بين ثلاث قوى إسلامية كبرى تتمتع كل منها بمقومات قوة تكمل الأخرى: الثقل المالي والسياسي السعودي، وصناعة الدفاع التركية الآخذة في التوسع وقدرتها على التحرك الاستراتيجي، والمؤسسة العسكرية الباكستانية الكبيرة وقدرتها النووية. والأهم من ذلك أنها تكشف مدى السرعة التي تتغير بها البنية الأمنية في الشرق الأوسط.
تمثل الاتفاقية بالنسبة إلى السعودية وتركيا تحولًا لافتًا. فقد انتقلت علاقاتهما من التنافس إلى التقارب ثم إلى التعاون الأمني الرسمي. سبق أن تنافست الدولتان بشدة على النفوذ الإقليمي بعد الربيع العربي، لكنهما تنظران اليوم إلى التعاون بصفته أكثر فائدة من المواجهات العقيمة. هذه النقطة وحدها تمنح الاتفاقية وزنًا رمزيًا كبيرًا. لكن الرمزية ليست ردعًا.
تفيد التقارير بأن الاتفاقية تتضمن مبدأ للدفاع الجماعي، فأي هجوم على أحد الأعضاء هو هجوم على الجميع. لكن الاستجابة ستُحدد من خلال التشاور والتوافق، لا عبر تدخل عسكري تلقائي. ومن ثم، يمكن أن تتراوح المساعدة بين تبادل المعلومات الاستخبارية وتقديم الأسلحة والدعم اللوجستي، وصولًا إلى التدخل العسكري المباشر.
قد تكون هذه المرونة ضرورية من الناحية السياسية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن نقطة الضعف الأساسية في الاتفاقية: ماذا يحدث عندما تتباين مصالح أعضائها؟
فالدول الثلاث لا تتقاسم بالضرورة الترتيب نفسه للتهديدات. لا تزال الرياض شديدة القلق إزاء إيران وشبكاتها الإقليمية. أما أنقرة فتنظر بصورة متزايدة إلى إسرائيل باعتبارها تحديًا استراتيجيًا رئيسيًا. في المقابل، يتعين على باكستان أن توازن التزاماتها الأمنية مع تنافسها مع الهند وعلاقتها المعقدة بإيران. الاختبار الحقيقي للتحالف بين هذه الرؤى المختلفة للتهديدات لن يكون فيما يعلنه أعضاؤه في أوقات السلم، بل في الخيارات التي يتخذونها أثناء الأزمات.
التاريخ يدعونا إلى توخي الحذر. فقد أنتجت معاهدة الدفاع المشترك لجامعة الدول العربية لعام 1950 واتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون الخليجي لعام 2000 لغة سياسية قوية، لكن ما حققتاه من فاعلية عسكرية جماعية محدود جداً. ولن تكون لاتفاقية مكة أهمية حقيقية إلا إذا نجح أعضاؤها في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الإرادة السياسية إلى قدرة عملياتية.
لذلك، قد تكون خطط إنشاء لجنة سياسية عسكرية وأمانة مقرها السعودية أكثر أهمية من بند الدفاع المتبادل الذي استحوذ على اهتمام وسائل الإعلام. فمن شأن المناورات المشتركة، وقابلية تشغيل منظومات الأسلحة والاتصالات بصورة متبادلة، وتنسيق تقييمات التهديدات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، ثم إنشاء هياكل قيادة مشتركة في نهاية المطاف، أن تميز منظومة أمنية فاعلة من اتفاقية أخرى ذات طابع احتفالي.
أحد المجالات التي يمكن أن يتقدم فيها التعاون بسرعة هو قطاع الصناعات الدفاعية.
طورت تركيا قطاعًا دفاعيًا محليًا قويًا، لا سيما في مجالات الطائرات المسيّرة والصواريخ والإلكترونيات وتطوير الطائرات. وتملك باكستان خبرة تمتد لعقود في الصناعات العسكرية، فضلًا عن علاقات دفاعية راسخة مع الدولتين. أما السعودية فتملك الموارد المالية وبرنامجًا طموحًا لتوطين إنتاج الصناعات الدفاعية. ويمكن للدول الثلاث، مجتمعة، أن تسعى إلى إجراء أبحاث مشتركة والتصنيع المشترك والمشتريات المشتركة وتطوير الأسلحة مع تقليص اعتمادها على الموردين الغربيين.
المسألة النووية تظل أكثر التباسًا. فكون باكستان الدولة الوحيدة ذات السلاح النووي في العالم الإسلامي يثير حتمًا تكهنات حول الردع الممتد. وقد أرسلت إسلام آباد إشارات متناقضة عقب اتفاقها الدفاعي مع الرياض عام 2025، فيما شدد مسؤولون سعوديون لاحقًا على أن الترتيبات لا تتضمن أي بُعد نووي. ولم يصدر عن الاتفاقية الثلاثية أي ضمان نووي صريح. لكن الغموض نفسه ينطوي على قيمة استراتيجية؛ إذ يتعين على الخصوم الآن أن يحسبوا حسابًا ليس لما تنص عليه الاتفاقية فحسب، بل لما قد تفعله باكستان في حال وقوع أزمة بالغة الخطورة.
منطقة تعيد حساباتها
من المستبعد أن تتجاهل إيران أو إسرائيل هذه التطورات. وقد أعلنت طهران علنًا أنها لا ترى سببًا يدعوها إلى الخوف من الاتفاقية، بينما ستدرس إسرائيل حتمًا ما يمكن أن يعنيه تعمق التعاون العسكري التركي-الباكستاني-السعودي بالنسبة إلى توازن القوى الإقليمي.
الهند أيضًا ستتابع التطورات عن كثب. فنيودلهي تتمتع بعلاقات قوية مع الرياض، لكنها ترتبط بعلاقات صعبة مع كل من باكستان وتركيا، لا سيما مع تزايد التوتر مع الأخيرة. ومن ثم، فاندماج باكستان بصورة أعمق في الهياكل الأمنية للشرق الأوسط يضيف عاملًا آخر إلى الحسابات الاستراتيجية الهندية.
لكن الأهمية الأوسع في الاتفاق تتعلق بالولايات المتحدة. فالتحالف لا يمثل بالضرورة رفضًا لواشنطن. فما تزال للسعودية وتركيا وباكستان علاقات مهمة مع الولايات المتحدة. لكنه يعكس أمرًا أكثر دقة: المنطقة تتخذ احتياطاتها.
فالحروب المتكررة والهجمات على البنية التحتية في الخليج والشكوك حول اتساق الضمانات الأمنية الأمريكية، دفعت القوى الإقليمية إلى بناء طبقات إضافية من الحماية. هي لا تستبدل بالضرورة المظلة الأمريكية، بل تستعد لاحتمال ألا تعود هذه المظلة كافية.
من هذا المنظور نرى أن اتفاقية مكة ليست «حلفًا إسلاميًا على غرار حلف شمال الأطلسي»، وربما لن تصبح كذلك أبدًا. غير أن أهميتها تمكن في مكان آخر. فهي دليل على أن الشرق الأوسط يتجه أكثر وأكثر إلى تأمين نفسه في مواجهة حالة عدم اليقين، وإلى امتلاك قدر أكبر من السيطرة على أمنه. وقد يتبين في نهاية المطاف أن لهذا التحول أهمية تتجاوز أهمية الاتفاقية نفسها.
الخاتمة
تكتسب اتفاقية مكة طابعًا تاريخيًا لأنها تحطم سياسة واشنطن الممتدة لعقود والرامية إلى دمج إسرائيل في المنطقة العربية، كما تمثل انتكاسة لمشروع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الطموح القائم على اتفاقيات أبراهام، الذي دفع في بدايته حلفاء الولايات المتحدة في الخليج إلى الاعتراف بإسرائيل.
لقد عزز الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبته الولايات المتحدة في إيران تصورًا مفاده أن الولايات المتحدة شريك لا يمكن الاعتماد عليه، ودفع القوى الإقليمية إلى تحمل قدر أكبر من المسؤولية عن أمنها. ومع ازدياد تقارب السعودية مع باكستان وتركيا، تبدو آفاق التطبيع السعودي-الإسرائيلي بعيدة المنال. ورغم أنه من غير المرجح أن تحل اتفاقية مكة محل الشراكات الدفاعية والأمنية المتميزة التي تربط الدول الثلاث بالولايات المتحدة، لكنها تمنح الفاعلين الإقليميين خيارات تتجاوز تلك التي تتيحها الأطر المتمحورة حول الولايات المتحدة.
سيواجه التحالف في المرحلة المقبلة اختبارات متعددة، وأكثرها إلحاحًا كيفية استجابته لتجدد الأعمال العدائية بين السعودية وحلفاء إيران من الفاعلين غير الدولتيين في المنطقة، أي أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، والحشد الشعبي في العراق. كما سيكون استمرار التنسيق حول القضايا الإقليمية الرئيسية، بما فيها الحرب في السودان واليمن، وسلامة الأراضي الصومالية، وخطة السلام الخاصة بغزة، ونجاح الحكومة السورية في مرحلة ما بعد الأسد، اختبارًا حاسمًا لمدى تماسك التحالف. كما أن سرعة عملية بناء مؤسسات التحالف والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية سيكون مؤشرًا موثوقًا إلى مصداقية هذا الترتيب.
شارك هذا المقال


































