التمويل متناهي الصغر البديل: من تعظيم الأرباح إلى نهج المسؤولية الاجتماعية

مدة القراءة: 6 دقائق

داكا

داكا

رغم التقدم المذهل الذي أحرزته البشرية في العلوم والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي العالمي، لا يزال الفقر أحد أكبر التحديات التي تواجه الإنسانية. ففي وقت تتركز فيه ثروات غير مسبوقة في أيدي عدد محدود من أصحاب المليارات، بل ظهر حتى أول تريليونير في العالم، لا يزال ملايين البشر يكافحون من أجل تأمين الغذاء والتعليم والرعاية الصحية والسكن اللائق.

التناقض لافت للنظر. فموارد مالية ضخمة متاحة بسهولة لتمويل الأسلحة المتطورة والحروب المدمرة، في حين لا يُولى أدنى اهتمام مماثل لحشد الثروات من أجل القضاء على الفقر وتحسين رفاه الإنسان.

خلال العقود الماضية، استثمرت الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية بشكل كبير في جهود الحد من الفقر. وقد جرى الترويج للتمويل متناهي الصغر على نطاق واسع باعتباره أداة فعالة لتمكين الفقراءعن طريق إمكانية الحصول على قروض صغيرة. مع ذلك، لا يزال ملايين الأشخاص حول العالم يعانون من الحرمان والمديونية وانعدام الأمن الاقتصادي. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل ينبغي أن يظل التمويل متناهي الصغر قائمًا أساسًا على تحقيق الربح، أم ينبغي إعادة تصوره كنظام يقوم على المسؤولية الاجتماعية؟

تفرض العديد من مؤسسات التمويل متناهي الصغر التقليدية معدلات فائدة سنوية تتجاوز 20 في المئة. لكن في ظل نظام المعدل الثابت التقليدي، ينتهي الأمر بالمقترضين غالبًا إلى دفع ما يعادل 40–45 في المئة أو أكثر كفائدة سنوية فعلية. وبالنسبة للأسر الفقيرة ذات الدخل المحدود، يمكن أن تتحول هذه الالتزامات إلى عبء ثقيل.

في المقابل، سيكون وضع المقترضين أفضل بكثير لو اقتصر التزامهم على إعادة مبلغ أصل القرض فقط، على أقساط ميسرة ومن دون فوائد. وبطبيعة الحال، يثير هذا الأمر أسئلة مشروعة: هل يمكن تطبيق نموذج للإقراض من دون فوائد؟ وهل يمكن أن يكون مستدامًا؟ ومن سيموله إذا لم يحقق أي أرباح؟

تعتمد الإجابة على الطريقة التي نحدد بها غاية الثروة ومعنى النجاح الإنساني.

الإنسان ليس مجرد كائن اقتصادي يقتصر هدفه الوحيد على تعظيم العوائد المالية، بل هو أيضًا عضو في المجتمع يتحمل مسؤوليات تجاه الآخرين. ولا ينبغي قياس النجاح الحقيقي فقط بحجم الثروة المتراكمة، وإنما كذلك بمدى مساهمة هذه الثروة في رفاه الآخرين.

عند مساعدة الناس على الخروج من دائرة الفقر، يجب أن يكون الهدف هو الحفاظ على كرامتهم، لا تحقيق الأرباح من معاناتهم. فلماذا يُتوقع من الفقراء أن يعيدوا أكثر مما اقترضوا لمجرد أنهم فقراء؟ فالمجتمع المزدهر حقًا هو الذي تنتشر فيه الثروة على نطاق واسع، لا الذي تزداد فيه تركزًا في أيدي قلة قليلة.

والسؤال الفلسفي الأعمق بسيط: إذا كانت عائلاتنا وجيراننا ومجتمعاتنا يعانون، فهل يمكن للازدهار الفردي وحده أن يحقق السعادة الحقيقية؟

في المجتمعات التي يُقاس فيها النجاح حصريًا بالمعايير المالية، قد يبدو التمويل متناهي الصغر من دون فوائد أمرًا غير واقعي. أما في المجتمعات التي يدرك فيها الناس أهمية المسؤولية الاجتماعية إلى جانب النشاط الاقتصادي، فقيام مثل هذا النموذج ممكن.

غالبًا ما يُحتفى ببنغلاديش باعتبارها مهد التمويل متناهي الصغر الحديث. ومع ذلك، ورغم وجود العديد من مؤسسات التمويل متناهي الصغر، لم يُقضَ على الفقر. ويعود أحد أسباب ذلك إلى أن هذا التمويل يعمل بدرجة كبيرة ضمن نموذج تجاري يُتوقع فيه من رأس المال تحقيق أقصى عائد مالي ممكن. ورغم أن القضاء على الفقر هو الهدف الأساسي الظاهر من وراء ذلك، فإن تعظيم الأرباح يظل عاملًا مهمًا في توجيه العمليات.

نجح نظام الإقراض الجماعي التقليدي في تحسين معدلات السداد من خلال خلق مسؤولية جماعية بين المقترضين. لكن النموذج المالي الأساسي لا يزال يعتمد على فرض الفائدة على أكثر فئات المجتمع تعرضًا للهشاشة الاقتصادية.

ومن الأمور التي غالبًا ما تغيب عن التفكير الاقتصادي التقليدي الاعتراف بأن الأفراد ليسوا مجرد فاعلين اقتصاديين، بل هم أيضًا كائنات اجتماعية. فلكل فرد في المجتمع التزامات تتجاوز حدود النجاح المالي الشخصي. كما أن أنظمة التعليم والاقتصاد الحديثة تشجع عمومًا على تعظيم عوائد الاستثمار، لكنها تولي اهتمامًا أقل بكثير بتنمية روح المسؤولية الاجتماعية.

ونتيجة لذلك، تواجه المجتمعات خطر التحول إلى مجتمعات أكثر فردانية، مع تراجع الحوافز لدى الأغنياء لمساعدة من يواجهون الصعوبات. لذلك ينبغي أن يكمل الرفاه الاقتصادي الرفاه الاجتماعي. فالنجاح المالي يوفر الراحة للأسرة، بينما تعزز المسؤولية الاجتماعية قوة المجتمعات وتخلق انسجامًا دائمًا.

يقدم الإسلام إطارًا شاملًا لتحقيق هذا التوازن من خلال العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وصون كرامة الإنسان. فالثروة ليست ملكية شخصية مطلقة، بل أمانة من الله سبحانه وتعالى والناس/الأفراد موكلون عليها لفترة محددة.

توفر الأدوات المالية الإسلامية، بما فيها الزكاة والعُشر والوقف والقرض الحسن (القروض الخالية من الفوائد) والصدقة التطوعية، والممارسات التجارية الأخلاقية الخالية من الربا، آليات عملية للحد من الفقر والحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة للمجتمعات. وللأسف، غالبًا ما يُنظر إلى هذه المؤسسات على أنها مجرد واجبات دينية، بدلًا من اعتبارها أدوات اقتصادية قوية قادرة على معالجة الفقر على نطاق واسع.

ولنا في التاريخ أمثلة مشجعة على ذلك. ففي عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، شكلت هذه المبادئ أساسًا لنظام الرعاية الاجتماعية. وقد بلغ تطبيقها ذروته في خلافة عمر بن عبد العزيز، حيث انخفض الفقر إلى درجة أصبح معها العثور على مستحقين للزكاة أمرًا بالغ الصعوبة كما تذكر كتبا التاريخ. ورغم اختلاف الظروف التاريخية عن واقع اليوم، إلا أن هذه التجارب لا تزال مصدر إلهام للمقاربات القائمة على الإيمان لتحقيق العدالة الاقتصادية.

ومن بين هذه الأدوات المالية الإسلامية، يستحق القرض الحسن، أي القرض الخالي من الفوائد القائم على الإحسان، اهتمامًا أكبر بكثير من جانب المؤسسات المعنية في بنغلاديش.

في إطار هذا النموذج، يساهم الأفراد والمنظمات بأموال تُودع في مؤسسة تقدم قروضًا بلا فوائد للفقراء. يعيد المقترض فقط مبلغ أصل القرض في فترة زمنية متفق عليها. أما النفقات الإدارية فتُغطى بشكل منفصل من المانحين، عادة من خلال مساهمة إضافية تتراوح بين 8 و10 في المئة، بما يضمن عدم تحميل المقترضين أي رسوم تمويل أو أعباء إدارية.

في المقابل، يمكن للمساهمين تقديم أموال قابلة للاسترداد لفترة محددة، إلى جانب دعم النفقات الإدارية. وبعد سداد القروض، يصبح رأس المال الأصلي متاحًا لمساعدة مقترضين جدد، مما يؤدي إلى إنشاء صندوق دوّار مستدام يستمر في خدمة المجتمعات المحرومة.

لدينا بالفعل نماذج صغيرة من هذا النوع في بنغلاديش، لكن البلاد لم تطور بعد مؤسسة موثوقة وشفافة ومدارة باحتراف، قادرة على تطبيق نظام القرض الحسن على نطاق وطني.

إن إضفاء الطابع المؤسسي على نموذج للتمويل متناهي الصغر القائم على المسؤولية الاجتماعية والخالي من الفوائد، والمستلهم من تقاليد المدينة المنورة، يمكن أن يقدم إضافة مهمة إلى التمويل متناهي الصغر التقليدي. فهو لا يستهدف استبدال الأنظمة المالية القائمة، بل يقدم نهجًا بديلًا يقوم على التعاطف والمسؤولية المشتركة وكرامة الإنسان.

تمتلك بنغلاديش الموارد المالية والتقاليد الدينية اللازمة لإنجاح مثل هذه المبادرة وما تحتاج إليه هو قيادة ذات رؤية وثقة عامة ونزاهة مؤسساتية. فإذا اجتمعت هذه العناصر، يمكننا إنشاء نظام منظم للقرض الحسن والإسهام في تحسين حياة ملايين الأشخاص المحرومين، وإثبات أن مكافحة الفقر لا يجب أن تكون مدفوعة بالربح فقط، بل يمكن أن تقوم أيضًا على المسؤولية الاجتماعية.

عن المؤلف

أستاذ فخري في جامعة جنوب كوينزلاند بأستراليا، وزميل وافد في أكاديمية بنغلاديش للعلوم

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

علاج جيني جديد قد يساهم في استعادة البصر للمكفوفين

علاج جيني جديد قد يساهم في استعادة البصر للمكفوفين

مدة القراءة: دقيقتان

السعودية وباكستان وتركيا ومصر تدين اعتداءات الحوثي على المملكة

السعودية وباكستان وتركيا ومصر تدين اعتداءات الحوثي على المملكة

مدة القراءة: دقيقة واحدة

دوزجة التركية تحتفي بتخرج 108 طلاب من حفظة القرآن الكريم

دوزجة التركية تحتفي بتخرج 108 طلاب من حفظة القرآن الكريم

مدة القراءة: دقيقتان

الرئيس المصري وسلطان ماليزيا يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

الرئيس المصري وسلطان ماليزيا يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

مدة القراءة: 3 دقائق

الهند تطلق سراح قادة حركة ‌كوكروتش ودعوات لمزيد من التظاهر

الهند تطلق سراح قادة حركة ‌كوكروتش ودعوات لمزيد من التظاهر

مدة القراءة: دقيقتان

بلجيكا: 9 فتيات من كل 10 تعرضن للتحرش الجنسي

بلجيكا: 9 فتيات من كل 10 تعرضن للتحرش الجنسي

مدة القراءة: 3 دقائق

المصور الفلسطيني محمود أبو حامدة يحصد جائزة بايو للمراسلين الحربيين

المصور الفلسطيني محمود أبو حامدة يحصد جائزة بايو للمراسلين الحربيين

مدة القراءة: دقيقتان

12 ضحية وجرحى في اعتداء جديد للحوثي على المملكة السعودية

12 ضحية وجرحى في اعتداء جديد للحوثي على المملكة السعودية

مدة القراءة: 3 دقائق

من الأحياء الهمشة إلى قيادة نشاط طلابي وطني.. رياض راني

من الأحياء الهمشة إلى قيادة نشاط طلابي وطني.. رياض راني

مدة القراءة: 5 دقائق

بوتين يوافق على ضخ كميات إضافية من الديزل الروسي لخفض الأسعار عالمياً

بوتين يوافق على ضخ كميات إضافية من الديزل الروسي لخفض الأسعار عالمياً

مدة القراءة: دقيقتان

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

مدة القراءة: 3 دقائق

أنقرة وباريس تعززان التعاون الدفاعي الثنائي بموجب خارطة طريق جديدة

أنقرة وباريس تعززان التعاون الدفاعي الثنائي بموجب خارطة طريق جديدة

مدة القراءة: 4 دقائق

اليهود يستغلون توترات المنطقة لتثبيت مشاريعهم على أرض المسجد الأقصى

اليهود يستغلون توترات المنطقة لتثبيت مشاريعهم على أرض المسجد الأقصى

مدة القراءة: 7 دقائق

الحرية دون معنى وغاية حرية مبتورة

الحرية دون معنى وغاية حرية مبتورة

مدة القراءة: 8 دقائق

السعودية تفوز بلقب كأس خليجي 27 للمرة الرابعة

السعودية تفوز بلقب كأس خليجي 27 للمرة الرابعة

مدة القراءة: 3 دقائق

تقرير: خسائر الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران

تقرير: خسائر الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران

مدة القراءة: دقيقتان

من الخلاف إلى الفرقة: تحريش الشيطان بين الإخوة

من الخلاف إلى الفرقة: تحريش الشيطان بين الإخوة

مدة القراءة: 6 دقائق

سامي يوسف: الموسيقى هبة إلهية من السماء

سامي يوسف: الموسيقى هبة إلهية من السماء

مدة القراءة: 6 دقائق

تقييم سري منسوب إلى CIA يحذر من خطر حرب أهلية وانهيار الدولة في إسرائيل

تقييم سري منسوب إلى CIA يحذر من خطر حرب أهلية وانهيار الدولة في إسرائيل

مدة القراءة: 3 دقائق

رئيس بلدية ثالث أكبر مدينة في تركيا ينضم لحزب العدالة والتنمية

رئيس بلدية ثالث أكبر مدينة في تركيا ينضم لحزب العدالة والتنمية

مدة القراءة: دقيقة واحدة

بوابة توب قابي تحمل تاريخ إسطنبول منذ 1500 عام

بوابة توب قابي تحمل تاريخ إسطنبول منذ 1500 عام

مدة القراءة: 7 دقائق

حتى لا تبقى الثروة حكراً على الأغنياء

حتى لا تبقى الثروة حكراً على الأغنياء

مدة القراءة: 10 دقائق

وقف تركي يقدم منحاً لدراسة علوم القرآن لسبع نساء بنغلاديشيات

وقف تركي يقدم منحاً لدراسة علوم القرآن لسبع نساء بنغلاديشيات

مدة القراءة: دقيقتان

الجيش اليمني يستعيد نقاطاً حيوية بالقرب من باب المندب

الجيش اليمني يستعيد نقاطاً حيوية بالقرب من باب المندب

مدة القراءة: 3 دقائق

حلف مكة يعلن التفعيل الفوري لاتفاقية الردع المشترك

حلف مكة يعلن التفعيل الفوري لاتفاقية الردع المشترك

مدة القراءة: دقيقتان

فرنسا ترفض منح فتاة تركية تأشيرة دخول بسبب حجابها

فرنسا ترفض منح فتاة تركية تأشيرة دخول بسبب حجابها

مدة القراءة: 3 دقائق

بيشيروفيتش يتصدر سباق المقعد المخصص للمسلمين في مجلس الرئاسة بالبوسنة والهرسك

بيشيروفيتش يتصدر سباق المقعد المخصص للمسلمين في مجلس الرئاسة بالبوسنة والهرسك

مدة القراءة: 3 دقائق

من بلد الحرمين إلى بلد الياسمين.. الرالي السعودي السوري للدراجات النارية

من بلد الحرمين إلى بلد الياسمين.. الرالي السعودي السوري للدراجات النارية

مدة القراءة: 3 دقائق

الرياض تستضيف الاجتماع الثاني للجنة السياسية والاستراتيجية ‏والدفاعية المنبثقة عن اتفاق مكة

الرياض تستضيف الاجتماع الثاني للجنة السياسية والاستراتيجية ‏والدفاعية المنبثقة عن اتفاق مكة

مدة القراءة: دقيقتان

هاكرز يصنعون نموذجاً مزيفاً عن تشات جي بي تي يحتوي برمجيات خبيثة

هاكرز يصنعون نموذجاً مزيفاً عن تشات جي بي تي يحتوي برمجيات خبيثة

مدة القراءة: 4 دقائق

باكستان: تزايد الاهتمام بالانضمام إلى "حلف مكة"

باكستان: تزايد الاهتمام بالانضمام إلى "حلف مكة"

مدة القراءة: دقيقة واحدة

4 شهيدات في قصف إسرائيلي على غزة

4 شهيدات في قصف إسرائيلي على غزة

مدة القراءة: 4 دقائق

البنك الإسلامي للتنمية يمنح تونس 335.49 مليون يورو لتوسعة شبكة الطرق السريعة

البنك الإسلامي للتنمية يمنح تونس 335.49 مليون يورو لتوسعة شبكة الطرق السريعة

مدة القراءة: دقيقة واحدة

الأزهر يدين الاعتداء على المدينة المنورة: استفزاز لمشاعر المسلمين

الأزهر يدين الاعتداء على المدينة المنورة: استفزاز لمشاعر المسلمين

مدة القراءة: دقيقة واحدة