
ما هو النينيو والنينيا وما تأثيرهما على المناخ الأرضي؟
بقلم
ظاهرتا النينيو والنينيا وتأثيراتهما في المناخ العالمي
ظاهرتا النينيو والنينيا مرحلتان متعاكستان من نمط مناخي طبيعي يُعرف باسم «النينيو–التذبذب الجنوبي» (ENSO)، وهو أحد أهم العوامل التي تؤثر في أنماط الطقس والمناخ على نطاق عالمي. يرتبط هذا النظام بتقلبات دورية في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، لا سيما في وسطه وشرقه، وتترافق هذه التغيرات مع تحولات في حركة الغلاف الجوي والرياح وهطول الأمطار في مناطق واسعة من العالم.
تمثل النينيو المرحلة الدافئة من هذا النظام، إذ ترتفع خلالها درجات حرارة سطح البحر في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدلاتها المعتادة. في المقابل، تمثل النينيا المرحلة الباردة، حيث تنخفض درجات حرارة سطح البحر في المنطقة نفسها عن المعدلات الطبيعية، مع اشتداد الرياح التجارية الشرقية التي تهب عادة من الشرق إلى الغرب. وبين المرحلتين توجد حالة محايدة لا تسود فيها ظروف النينيو أو النينيا بصورة واضحة.
يرتبط حدوث النينيو بضعف الرياح التجارية الشرقية، الأمر الذي يسمح للمياه الدافئة بالتحرك باتجاه وسط وشرق المحيط الهادئ. أما أثناء النينيا فتقوى هذه الرياح، فتدفع المياه السطحية الدافئة باتجاه الغرب، بينما ترتفع إلى السطح مياه أبرد في المناطق الشرقية من المحيط. وتحدث الانتقالات بين مراحل النينيو والنينيا عادة على فترات تتراوح بين عامين وسبعة أعوام، فيما يمكن أن تبدأ الظاهرتان بين آذار/مارس وحزيران/يونيو، وتبلغان غالباً ذروة شدتهما بين تشرين الثاني/نوفمبر وشباط/فبراير من العام التالي.
تختلف مدة الظاهرتين أيضاً؛ فقد تستمر النينيو حتى نحو 18 شهراً، في حين يمكن أن تستمر النينيا لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. أما تسميتهما فتعود إلى صيادي وبحارة سواحل بيرو، الذين لاحظوا ظهور تيار مائي دافئ يرتبط بانخفاض كمية الأسماك. وأطلقوا عليه اسم «El Niño»، أي «الطفل الصغير» أو «الطفل المقدس»، لأنه كان يظهر غالباً في فترة عيد الميلاد. ثم أُطلقت تسمية «La Niña»، أي «الطفلة الصغيرة»، على المرحلة المناخية المقابلة.
لا تؤدي النينيو والنينيا إلى التأثيرات نفسها في جميع مناطق العالم، كما أن شدة الظاهرة ومدتها وتوقيت حدوثها وتفاعلها مع أنماط مناخية أخرى، مثل ثنائية قطبية المحيط الهندي، كلها عوامل تحدد طبيعة آثارها. لذلك يمكن أن تتباين التأثيرات بدرجة كبيرة بين منطقة وأخرى، بل قد تختلف من دورة إلى أخرى. وحتى في المرحلة المحايدة من ENSO يمكن أن تقع أحداث جوية شديدة التطرف.
عودة النينيو في عام 2026
شهد النظام المناخي العالمي خلال السنوات الأخيرة سلسلة من التحولات. فقد استمرت ظاهرة نينيا متعددة السنوات من أواخر عام 2020 إلى أوائل عام 2023، ثم أعقبتها ظاهرة نينيو قوية خلال 2023-2024. وبعد ذلك عادت ظروف ENSO المحايدة بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو 2024، واستمرت حتى أيلول/سبتمبر–تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مع فترة قصيرة من النينيا الضعيفة في أواخر 2024 وأوائل 2025. ثم عادت النينيا في أواخر 2025 واستمرت حتى أوائل 2026.
لكن الوضع بدأ يتغير بصورة واضحة خلال ربيع وصيف 2026. ففي أيار/مايو، أشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى ارتفاع سريع في درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، بما ينذر بعودة ظروف النينيو خلال الفترة الممتدة من حزيران/يونيو إلى آب/أغسطس. كما توقعت المنظمة أن تتجاوز درجات الحرارة معدلاتها الطبيعية في معظم مناطق العالم تقريباً خلال الأشهر الثلاثة التالية، مع احتمال حدوث تغيرات إقليمية ملحوظة في أنماط هطول الأمطار).
وفي حزيران/يونيو 2026، قدرت المنظمة احتمال تشكل النينيو خلال الفترة من حزيران/يونيو إلى آب/أغسطس بنحو 80%. كما اقترب احتمال استمرارها حتى تشرين الثاني/نوفمبر من 90% أو تجاوزها. وفي ذلك الوقت، بقيت درجة قوة الظاهرة وتوقيت بلوغها ذروتها غير محسومة، لكن غالبية نماذج التنبؤ أشارت إلى أن النينيو ستكون معتدلة على الأقل، مع احتمال أن تصبح قوية.
ثم أكدت النشرة الشهرية الصادرة في 31 تموز/يوليو أن النينيو تواصل اشتدادها، وأن من المتوقع أن تهيمن على أنماط المناخ العالمية خلال الفترة من آب/أغسطس إلى تشرين الأول/أكتوبر 2026. ويزيد ذلك من احتمال تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية في مناطق واسعة من العالم، إلى جانب تغيرات كبيرة في أنماط هطول الأمطار. وتتزامن هذه الظروف مع ارتفاع استثنائي في درجات حرارة المحيطات العالمية واحتمال حدوث مرحلة موجبة من ثنائية قطبية المحيط الهندي، ما قد يزيد من تعقيد التأثيرات المناخية خلال الأشهر المقبلة
تأثيرات النينيو في مختلف مناطق العالم
تؤثر النينيو بصورة مباشرة في درجات الحرارة وهطول الأمطار وأنماط العواصف في مناطق عديدة. وترتبط عادة بارتفاع درجات الحرارة العالمية، وقد تكون آثارها الحرارية أكثر وضوحاً خلال السنة الثانية من حدوثها. وكان عام 2024، الذي تزامن مع ظاهرة نينيو قوية في 2023-2024، الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة، نتيجة اجتماع تأثير النينيو مع الاحترار العالمي الناجم عن ارتفاع تركيزات غازات الدفيئة بسبب الأنشطة البشرية.
أما من حيث الأمطار، فترتبط النينيو عادة بزيادة الهطول والفيضانات في أجزاء من أمريكا الجنوبية وشرق أفريقيا وجنوب الولايات المتحدة. في المقابل، يمكن أن تؤدي إلى الجفاف في شرق وشمال أستراليا، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا، وأجزاء من جنوب آسيا، نتيجة تراجع نشاط الرياح الموسمية. كما ترتبط عادة بانخفاض نشاط الأعاصير في المحيط الأطلسي.
وتبرز شرق أفريقيا باعتبارها إحدى المناطق التي يمكن أن تتأثر بصورة كبيرة بالنينيو. ففي بعض فترات السنة، ولا سيما بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر، ترتبط الظاهرة بزيادة الأمطار في شرق أفريقيا، وقد تؤدي أحياناً إلى هطول شديد خلال فترات قصيرة. في المقابل، يمكن أن تنخفض الأمطار خلال الفترة الممتدة من حزيران/يونيو إلى أيلول/سبتمبر في شمال شرق أفريقيا، بما يشمل السودان وجنوب السودان وأجزاء من إثيوبيا وغرب كينيا. وقد أصدرت المنظمة في آب/أغسطس 2026 تحذيرات بشأن تأثيرات النينيو في منطقة القرن الأفريقي الكبرى.
النينيو والاحترار العالمي
لا توجد أدلة علمية كافية تثبت أن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري يزيد من تواتر ظواهر النينيو أو من شدتها. لكن الاحترار العالمي يمكن أن يفاقم آثارها. فارتفاع درجات حرارة المحيطات والغلاف الجوي يعني توافر كميات أكبر من الطاقة والرطوبة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى زيادة شدة بعض الظواهر الجوية المتطرفة، مثل موجات الحر والأمطار الغزيرة.
ولهذا السبب، لا ينبغي النظر إلى النينيو باعتبارها ظاهرة منفصلة عن السياق المناخي العالمي الحالي. فالظاهرة الطبيعية نفسها قد تتفاعل مع الاحترار طويل الأمد لتنتج ظروفاً أشد خطورة على المجتمعات والأنظمة البيئية والقطاعات الاقتصادية الحساسة للمناخ.
كيف تُقاس النينيو؟
اعتمد العلماء منذ ثمانينيات القرن العشرين بصورة أساسية على «مؤشر النينيو المحيطي» (ONI)، الذي يستند إلى قياس الانحراف في درجة حرارة سطح البحر في منطقة محددة من المحيط الهادئ تعرف باسم «نينيو 3.4». ويُحسب المؤشر باستخدام متوسط درجة الحرارة خلال فترة ثلاثة أشهر.
ومع استمرار الاحترار العالمي، بدأ العلماء في استخدام مقياس إضافي هو «مؤشر النينيو المحيطي النسبي» (RONI). ويختلف هذا المؤشر عن القياس التقليدي في أنه يركز على الاحترار النسبي مقارنة بالظروف المحيطية العامة، وليس على ارتفاع درجة الحرارة بصورة مطلقة فقط. ويساعد ذلك في التمييز بصورة أفضل بين الاحترار المرتبط بظاهرة ENSO والاحترار الذي يعود أساساً إلى الاتجاه العالمي لارتفاع حرارة المحيطات.
أهمية التنبؤ والإنذار المبكر
تسمح نماذج التنبؤ الموسمية الحديثة بالتنبؤ بأنماط مناخية محتملة قبل وقوعها بما يتراوح بين شهر وستة أشهر. وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة لأنها تسمح للدول بالاستعداد مسبقاً لمخاطر مثل الجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات وموجات الحر.
وتستخدم الحكومات والقطاعات المتأثرة بالمناخ، وفي مقدمتها الزراعة والصحة، هذه المعلومات لاتخاذ إجراءات استباقية، كما يمكن استخدامها لتفعيل خطط الطوارئ وتجهيز المساعدات الإنسانية قبل وقوع الكوارث. وترى المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن هذه الإجراءات يمكن أن تسهم في حماية الموارد الاقتصادية وإنقاذ الأرواح.
وتصدر المنظمة تحديثات دورية بشأن النينيو والنينيا بالتعاون مع المعهد الدولي لبحوث المناخ والمجتمع (IRI)، اعتماداً على مساهمات عدد من المراكز العالمية المتخصصة في مراقبة ENSO والتنبؤ بتطوراتها. كما تصدر تحديثات شهرية للمناخ الموسمي العالمي تأخذ في الاعتبار عوامل مناخية أخرى، مثل تذبذب شمال الأطلسي، والتذبذب القطبي الشمالي، وثنائية قطبية المحيط الهندي.
وتستخدم هذه التنبؤات أيضاً في منتديات التوقعات المناخية الإقليمية، التي توفر معلومات أكثر تحديداً للمناطق المختلفة. وتستفيد منها أجهزة الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا الوطنية في إعداد معلومات موجهة إلى الحكومات وصناع القرار والقطاعات الأكثر تعرضاً لتقلبات المناخ.
خلاصة القول إن عودة النينيو في عام 2026 تمثل تطوراً مناخياً مهماً، خصوصاً في ظل الارتفاع المستمر في درجات حرارة المحيطات والاحترار العالمي. وتشير توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الظاهرة قد تؤثر في درجات الحرارة وهطول الأمطار والظواهر الجوية المتطرفة في مناطق واسعة من العالم خلال الأشهر المقبلة. لذلك تركز المنظمة على تحسين المراقبة والتنبؤ والإنذار المبكر، وعلى مساعدة الدول في تحويل المعلومات المناخية إلى إجراءات استباقية قادرة على الحد من الخسائر وحماية السكان وسبل العيش.
شارك هذا المقال

































