
سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية
بقلم
تظل قضية مدينتي سبتة ومليلية من أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيدًا في غرب البحر المتوسط، فهما نموذج فريد لتداخل التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي. تقع المدينتان في شمال إفريقيا وعلى الساحل المغربي، لكنهما تخضعان للسيادة الإسبانية منذ قرون، الأمر الذي جعلهما موضع خلاف سياسي ودبلوماسي مستمر بين المغرب وإسبانيا. ولا ترتبط القضية فقط بمسألة السيطرة على رقعة جغرافية محدودة، بل تتصل أيضًا بإرث التوسع الأوروبي في شمال إفريقيا، وبقضايا تصفية الاستعمار، وبالتوازنات الاستراتيجية التي تربط أوروبا بالقارة الإفريقية.
تقع مدينة سبتة عند المدخل الجنوبي لمضيق جبل طارق، بينما تقع مليلية على الساحل المتوسطي الشرقي للمغرب. وتحيط بهما الأراضي المغربية من جميع الجهات البرية، مما يمنحهما وضعًا جغرافيًا استثنائيًا؛ فهما مدينتان إفريقيتان من الناحية الجغرافية، لكنهما تابعتان لدولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي. وقد جعل هذا الموقع منهما نقطتين ذات أهمية عسكرية وتجارية كبيرة منذ العصور الوسطى، بسبب قربهما من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
تعود جذور الوجود الأوروبي في المدينتين إلى مرحلة التوسع الإيبيري خارج شبه الجزيرة الإسبانية. فقد احتلت البرتغال مدينة سبتة سنة 1415، في أولى عمليات التوسع البحري البرتغالي خارج أوروبا، بينما احتلت إسبانيا مدينة مليلية سنة 1497، بعد سنوات قليلة من سقوط غرناطة، في سياق سعيها إلى تعزيز نفوذها في السواحل الشمالية لإفريقيا. وبعد انفصال البرتغال عن إسبانيا سنة 1640، اختارت سبتة البقاء تحت السيادة الإسبانية، وهو الوضع الذي اعترفت به البرتغال رسميًا في معاهدة لشبونة سنة 1668.
خلال القرون التالية، عملت إسبانيا على تعزيز وجودها العسكري والإداري في المدينتين، فأصبحتا قواعد استراتيجية لمراقبة الساحل المغربي ومضيق جبل طارق. ومع فرض نظام الحماية على المغرب سنة 1912، اتخذ الوجود الإسباني في شمال المغرب شكلًا جديدًا، حيث أصبحت المنطقة الشمالية خاضعة للإدارة الإسبانية، بينما بقيت سبتة ومليلية خارج نطاق الحماية من وجهة نظر مدريد، إذ اعتبرتهما جزءًا من الأراضي الإسبانية ذات السيادة الكاملة.
بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، أصبحت قضية سبتة ومليلية جزءًا من مشروع استكمال الوحدة الترابية للمملكة. فقد رأى الملك محمد الخامس أن إنهاء نظام الحماية لا يمثل نهاية المطالب المغربية، بل خطوة أولى نحو استرجاع جميع المناطق التي يعتبرها المغرب جزءًا من مجاله التاريخي. وقد واصل الملك الحسن الثاني هذا النهج، مؤكدًا أن سبتة ومليلية جزء لا يتجزأ من التراب المغربي، وأن حل القضية ينبغي أن يتم من خلال المفاوضات والحوار مع إسبانيا.
وعلى مدار عقود، حرص المغرب على طرح القضية في المحافل الدولية. ففي سبعينيات القرن العشرين، دعا ممثلو المغرب إلى فتح نقاش حول وضع المدينتين، وربطوا ذلك بمبادئ تصفية الاستعمار وحق الدول في استكمال وحدتها الترابية. كما قارن المغرب بين قضية سبتة ومليلية وقضية جبل طارق، معتبرًا أن الموقف الإسباني الذي يطالب بإنهاء الوجود البريطاني في جبل طارق ينبغي أن يكون منسجمًا مع قبول مناقشة وضع الأراضي الإسبانية في شمال إفريقيا.

المقارنة مع جبل طارق من أبرز العناصر في الخطاب الدبلوماسي المغربي، إلا أن الحالتين تختلفان من الناحية القانونية والتاريخية. فجبل طارق مدرج ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، في حين لم تُدرج سبتة ومليلية ضمن هذه القائمة. ولهذا تؤكد إسبانيا أن المدينتين ليستا مستعمرتين، بل مدينتان إسبانيتان تخضعان للسيادة الوطنية منذ قرون. بينما يرى المغرب أن عدم إدراجهما ضمن قائمة الأمم المتحدة لا ينهي النقاش حول طبيعة وضعهما التاريخي، وأن القضية تظل مرتبطة بإرث التوسع الأوروبي في إفريقيا.
ويستند الموقف المغربي إلى مجموعة من الحجج التاريخية والجغرافية والسياسية. فالمغرب يؤكد أن الموقع الجغرافي للمدينتين داخل الأراضي المغربية وارتباطهما التاريخي بشمال إفريقيا، يجعلان استمرار السيادة الإسبانية وضعًا استثنائيًا. كما يستند إلى مبدأ وحدة الأراضي الذي أصبح أحد المبادئ الأساسية في العلاقات الدولية بعد نهاية الاستعمار. ومن وجهة النظر المغربية، تسوية القضية ينبغي أن تتم ضمن إطار الحوار السلمي بين الدولتين، دون اللجوء إلى التصعيد.
أما إسبانيا فتؤكد أن سبتة ومليلية جزء من أراضيها الوطنية. وتستند في ذلك إلى تاريخ طويل من الإدارة والسيادة، وإلى مبدأ استقرار الحدود الدولية. كما تشير إلى أن سكان المدينتين يحملون الجنسية الإسبانية ويتمتعون بجميع الحقوق السياسية والمدنية التي يكفلها الدستور الإسباني. ومنذ سنة 1995، أصبحت المدينتان تتمتعان بنظام الحكم الذاتي المحلي، مما يمنحهما صلاحيات واسعة في إدارة شؤونهما الداخلية ضمن الدولة الإسبانية.
ولا يقتصر الخلاف على الجانب القانوني، بل يحمل أيضًا بعدًا هوياتيًا ورمزيًا. فبالنسبة للمغرب، المدينتان جزء من الذاكرة التاريخية والجغرافية للمجال المغربي، في حين تعتبرهما إسبانيا جزءًا من تاريخها الوطني الممتد منذ نهاية العصور الوسطى. ولذلك فالقضية لا تتعلق فقط بالسيادة القانونية، بل أيضًا بالطريقة التي ينظر بها كل طرف إلى تاريخه وحدوده ومجاله الجغرافي.
وتكتسب سبتة ومليلية أهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعهما عند مضيق جبل طارق، الذي يمثل أحد أهم الممرات البحرية العالمية. كما أن وجودهما يجعلهما الحدود البرية الوحيدة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية. ولهذا أصبحتا جزءًا مهمًا من السياسة الأوروبية المتعلقة بالهجرة والأمن وحماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.
وقد برز هذا البعد بشكل خاص خلال العقود الأخيرة مع تصاعد ظاهرة الهجرة غير النظامية نحو أوروبا. فقد أقامت إسبانيا أنظمة مراقبة وأسوارًا حدودية حول المدينتين، بينما عزز المغرب تعاونه الأمني مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي للحد من شبكات تهريب البشر. وأظهرت أزمة سبتة سنة 2021 أن قضية الهجرة أصبحت مرتبطة مباشرة بالعلاقات السياسية بين الرباط ومدريد، وأن أي توتر دبلوماسي يمكن أن ينعكس سريعًا على الوضع في المدينتين.
أما اقتصاديًا، فقد لعبت سبتة ومليلية لعقود طويلة دورًا مهمًا في التجارة الحدودية مع المناطق المغربية المجاورة. يعتمد آلاف السكان على الحركة التجارية اليومية بين الجانبين، وأصبحت المعابر الحدودية عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد المحلي. غير أن التحولات الاقتصادية التي عرفها المغرب، خصوصًا مع تطوير ميناء طنجة المتوسط والمناطق الاقتصادية الجديدة، أدت إلى تقليص أهمية هذا النشاط التقليدي، رغم استمرار الدور الاقتصادي للمدينتين بالنسبة لإسبانيا.
وفي عهد الملك محمد السادس، استمر المغرب في التأكيد على موقفه من سبتة ومليلية، لكن ضمن مقاربة دبلوماسية أكثر حذرًا، تقوم على الحفاظ على التعاون مع إسبانيا مع الإبقاء على المطالبة السياسية. وقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية مرحلة جديدة بعد الإعلان المشترك سنة 2022، الذي أعاد بناء الثقة بين البلدين بعد أزمة دبلوماسية، وفتح المجال أمام تعاون أكبر في مجالات الأمن والطاقة والتجارة والهجرة.
مع ذلك، لم يؤدِّ تحسن العلاقات الثنائية إلى حل الخلاف حول السيادة. فكل طرف ما زال متمسكًا بموقفه التاريخي والقانوني، بينما تبدو التسوية النهائية بعيدة في ظل اختلاف التصورات حول طبيعة القضية. ولذلك فالسيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب هو استمرار إدارة الخلاف ضمن إطار التعاون، بدل البحث عن حل جذري سريع.
تمثل سبتة ومليلية مثالًا واضحًا على صعوبة الفصل بين التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي. فالمغرب ينظر إليهما باعتبارهما جزءًا من وحدته الترابية وبقايا للوجود الاستعماري الأوروبي في إفريقيا، بينما تعتبرهما إسبانيا مدينتين إسبانيتين تخضعان لسيادتها التاريخية والدستورية. وبين هذين الموقفين، استمر الخلاف لأكثر من ستة عقود بعد استقلال المغرب، لكنه لم يمنع البلدين من بناء شبكة واسعة من المصالح المشتركة. ولهذا ستظل قضية سبتة ومليلية مرتبطة في المستقبل بقدرة المغرب وإسبانيا على الموازنة بين مواقفهما السيادية وبين الحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار والتعاون في منطقة المتوسط.

ولا يكتمل فهم البعد التاريخي لقضية سبتة ومليلية دون وضعهما ضمن الإطار الأوسع للصراع على غرب البحر المتوسط بين القوى الإسلامية والمسيحية في القرون التي تلت سقوط الأندلس. كانت نهاية الحكم الإسلامي في غرناطة سنة 1492 نقطة تحول كبرى، إذ بدأت الممالك الإيبيرية، ولا سيما البرتغال وإسبانيا، في توسيع نفوذها خارج شبه الجزيرة الإيبيرية باتجاه السواحل المغربية، في إطار حركة توسع عسكري وتجاري ارتبط في جانب منه بإرث الصراع الطويل بين الممالك المسيحية والقوى الإسلامية في الأندلس والمتوسط.
وفي القرن السادس عشر، أصبحت سواحل شمال إفريقيا مجالًا للتنافس بين الدولة العثمانية وحلفائها في المغرب العربي من جهة، وإسبانيا والبرتغال من جهة أخرى. وقد لعب الأخوان بربروس، خير الدين وعروج، دورًا بارزًا في هذا الصراع ضمن المجال الجزائري والمتوسطي، حيث ارتبط نشاطهما بمواجهة التوسع الإسباني في شمال إفريقيا وتعزيز النفوذ العثماني في المنطقة. في المقابل، سعت إسبانيا والبرتغال إلى إقامة سلسلة من القواعد والحصون الساحلية للسيطرة على طرق الملاحة ومراقبة السواحل المغاربية، وكانت سبتة ومليلية من أبرز هذه المواقع الاستراتيجية.
ومن هذا المنظور، يرى عدد من المؤرخين المغاربة أن المدينتين لم تكونا مجرد نقطتين تجاريتين أو عسكريتين، بل شكلتا جزءًا من منظومة القواعد الأوروبية التي أقيمت على سواحل شمال إفريقيا منذ نهاية القرن الخامس عشر، ثم تطورت وظيفتهما لاحقًا خلال العصر الاستعماري الأوروبي. فقد تحولت سبتة ومليلية إلى مراكز عسكرية متقدمة استخدمتها إسبانيا لمراقبة المجال المغاربي، خاصة خلال مرحلة التوسع الاستعماري في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين فرضت القوى الأوروبية نفوذها على أجزاء واسعة من شمال إفريقيا، بما في ذلك احتلال فرنسا للجزائر مسنة 1830 وفرض نظام الحماية على المغرب سنة 1912.
وبذلك فقضية سبتة ومليلية في الذاكرة التاريخية المغربية مرتبطة ليس فقط بمرحلة سقوط الأندلس، بل أيضًا بمسار طويل من التنافس المتوسطي والتوسع الأوروبي في شمال إفريقيا. ولذلك ينظر إليها جزء من الخطاب المغربي والعربي الإسلامي باعتبارها آخر بقايا الوجود الأوروبي العسكري في القارة الإفريقية.
شارك هذا المقال

































