
الوسطية.. تكليف من الفرد إلى الأمة (1)
بقلم
إن من أسئلة النهوض الحضاري التي ما زالت معلقة وتحتاج إلى فقه جماعي كلي وفكر رصين ومفهوم، السؤال الشهير: كيف تتحقق المفاهيم القرآنية المركزية في الأمة؛ الخيرية والوسطية والشهادة وحمل الأمانة والاستخلاف والتعمير؟
وكيف يمكن تحويل هذه الكلمات المفاهيمية إلى قناعة عامة لدى جمهور الأمة، بجعلها تكليفًا شرعيًّا جماعيًّا، بحيث تخلق الإرادة والحافز الإيماني والعملي الجماعي كما التكاليف الفردية على حد سواء؟ وتدفع إلى تقويم الفكر واستقامة السلوك الجماعي كما الفردي على حد سواء؟
إن سؤال “الكيف” هذا يحيل ضرورة إلى عمل منهجي، والعمل المنهجي -أيًّا كان- لا ينفك ضرورة عن إطار مرجعي موجه يفرضه الموضوع. وبالتالي من الضرورة بمكان استناد أي بحث في ثقافتنا الإسلامية إلى مصادر المعرفة –النص والعقل والواقع- في تكاملها وانسجامها لا في تقابلها واختلافها. فلكل مصدر دور في تقويم الفكر واستقامة السلوك، وفي درء كثير من الآفات التي يمكن أن تطرأ عليهما.
فالوحي يرشد ويسدد ويهدي للتي هي أقوم في الأقوال والأفعال والعلوم والمعارف، يفتح من خلال أصوله الكلية العامة آفاقًا للتعارف والتدافع. ويدفع آفات التحيز والتمركز والنزوع إلى التضييق، التي يمكن أن تلحق بالعقل والواقع. والعقل آلة الاجتهاد والتجديد والإبداع، يدرأ تفعيله صور الجمود والتقليد والاتباع الأعمى. والواقع مجال الاستخلاف والتكليف والحركة والتعمير والسنن والوقائع، حيث يتكيف تنزيل الأقوال والأفعال وتُدرأ آفة الصورية والتجريد. هذه هي أهم مقومات الوسطية الفكرية التي سأنسج كلماتي حولها في هذه السطور مسترشدة بآراء الفيلسوف الشهيد إسماعيل راجي الفاروقي (توفي في 1986) في تأصيله الفلسفي للوسطية.
أولاً- مدلولات مفهوم الوسطية
مدلولات وقف عليها العلماء المتقدمون
يقول سبحانه وتعالى واصفًا المسلمين والأمة الإسلامية: {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسولُ عليكم شهيداً} [البقرة: 143]. وأُريدَ بلفظة وسطاً، أي عدل الأمور وخيرها. وفي كلام العرب الوسط: الخيار والأجواد، كما يقال قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيرها. ووُصِف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان وسطًا في قومه أي أشرفهم نسبًا.
وقال الزمخشري: "وكذلك جعلناكم، ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم أمة وسطاً أي خياراً، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث". [عمدة القاري: 18/ 95].
والوسطية تتضمن معنى الاستقامة. روى الإمام مسلم في صحيحه، عن سفيان ابن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك. قال: "قل آمنت بالله، فاستقم"، أي لا تزيغ وتميل عما سَنّ لك وفرض عليك.
كذلك تتضمن معنى القصد والمقاربة. في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا".
وهي تتضمن معنى التيسير ورفع الحرج. في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه". رواه البخاري ومسلم. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ الأديان أحب إلى الله؟ قال: "الحنيفية السمحة" رواه الإمام أحمد.
العز بن عبد السلام يقول: "وعلى الجملة، فالأولى بالمرء ألا يأتي من أقواله وأعماله إلا بما فيه جلب مصلحة أو درء مفسدة، مع الاعتقاد المتوسط بين الغلو والتقصير"؛ وابن القيم يقول: "الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال والغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي، فالأول تفريط والثاني إفراط. ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، وكما أن الجافي عن الأمر مضيع للدين، فإن الغالي فيه مضيع له كذلك، هذا بتقصيره عن الحد وهذا بتجاوزه للحد".
مدلولات مختزلة تجاذبتها ثنائيات
من الأسباب الجوهرية في اغترابنا عن مقاصد المفاهيم في منظومتنا الفكرية: 1- النقل الخاطئ والمتسرع والعشوائي من المنظومة المعرفية الغربية، 2- ترجمة المصطلحات وإقحامها في المنظومة العربية الإسلامية المعرفية، و3- أسلمتها عبر تحشيد كل الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي من الممكن أن تخدم هذه الفكرة وهذا المصطلح. إلا أنه بات من المعلوم أن المفاهيم والمصطلحات حاملة لمنظومة فكرية واجتماعية وثقافية كاملة من المكان الذي نشأت فيه ومن الزمان والأشخاص. مثلاً: مصطلح تمكين المرأة التي دخل علينا من الغرب معناه الدقيق تقوية من empowerment، مصطلح العلمانية secularism أي كل ما هو غير مرتبط بالدين، ومصطلح الإرهاب وغيرها. ومن الثنائيات المتداولة أن الأمة الإسلامية أمة وسط لأنها تتوسط بين اليهودية والمسيحية.
ناهيك عن تأثر الذهنية المعرفية المسلمة بمبحث القيم عند أرسطو حين عرّف الفضيلة بأنها وسط بين رذيلتين لا إفراط ولا تفريط، بالتالي الفضائل وسطية؛ بمعنى أن الشجاعة هي وسط بين الجبن والتهور. الجود والكرم وسط بين الإسراف والبخل، وهكذا.
الخطأ في هذه الطروحات في اعتبار أن الوسطية هي هذه الطريقة الثالثة أو الموقف الجديد الذي يتعامل مع المستجدات والتغييرات الكبرى في العالم، والذي ما إن يفعّله ويلتزم به المسلم حتى تُحل كل المتناقضات أو الإشكالات الناتجة عن تلك الثنائيات. وسطية بين الدنيا والدين، بين الجسد والروح، بين الدولة والدين، بين المتغير والثابت، بين العقل والنقل، بين الفلسفة والوحي، بين المعاصرة والأصالة، المثالية والمادية…
فيأتي الادعاء فجًّا من أن الوسطية هذه تقدم لنا منهجاً للتعامل مع المسائل الاقتصادية والاجتماعية الشائكة وما يتعلق من إشكالات العولمة والعلمانية في عالمنا الإسلامي، وأنه يمكن حل تغول الرأسمالية والعادات الاستهلاكية وكل القضايا المستجدة على الساحة الإسلامية والتعامل معها وفق منهج الوسط؛ وكأنه يقدم حلولاً سحرية تُذيب الاستقطاب الحاد بين الثنائيات. مع أنه وبالمشاهدة العينية نجد هذا الاستقطاب ما زال حاضراً في الإبستمولوجيا المعاصرة الغربية وهو يسعى لإيجاد الحلول والطرق الأسلم للتعامل.
منطق الثنائيات يؤدي إلى التوفيقية التلفيقية ولا يمكن أن يقدم معرفة رصينة. ناهيك عن أن في الإسلام يستحيل الفصل بين الأخلاق والدين والعقل والنقل.. فالأخلاق والفكر والحياة مؤسسة بالكلية على الدين، ولا يعرف العقل المسلم المحض أية ثنائيات متقابلة: مثل الديني/ العلماني، المقدس/ المدنس، الكنيسة/ الدولة... وتخلو مفردات اللغة العربية التي هي اللغة الأم للدين الإسلامي من مثل تلك الثنائيات كما هي متمثلة في الحضارة الغربية.
ما يغيب عن هذا الخطاب أن السياق القرآني يقدم رسالة الإسلام على أنها رسالة توحيدية معيارية، يقاس إليها كل انحراف واقع في الديانات أو العقائد السابقة واللاحقة؛ هي رسالة مهيمنة على ما سبقها وليست جامعة أو وسط بين ما سبقها.
مدلولات ضيقة مرتهنة سياسياً
كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن الوسطية الفكرية هي تلك التي تتبع منهج السلف في الأسماء والصفات الإلهية، أو أنها تمثل ما كان على نهج السلف، وكأن العودة إلى الماضي عند تلك اللحظة كافية لأن تذوب معها المشكلات وتتضمحل كافة أنواع التحديات المعاصرة.
ذلك أن مفهوم الوسطية لم يُستثمر بكل أبعاده الشرعية التربوية والنفسية والاجتماعية والفكرية، بل طغى عليه التبسيط التاريخي وتحول إلى لفظة متداولة نستعملها في لغتنا العامة العمومية. وأخطر منه، أن المفهوم ركبته تأويلات أخرى جعلته توفيقًا وتلفيقًا بين التيارات الفكرية والحضارية المتصارعة (يمين- يسار).
وقد اتخذ أغلب المشتغلين بالفكر الإسلامي من مفهوم الوسطية موقفاً دفاعياً عن كل ما يُنسب إلى الإسلام بأنه دين متطرف متشدد إرهابي غير عالمي! فوضعوه ضمن شبكة مفاهيم تؤدي إلى تصنيفات فكرية وعقائدية تجعله إما في اليمين أو إلى اليسار؛ فيُتحدث عن وسطية الرؤية في الحياة، وسطية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسطية التعامل مع المرأة، وسطية الفقه، وسطية الإسلام التنويري، والجهاد الوسطي المعتدل…
ولدفع تهمة الاستلاب، يشتغلون ببعض التراث، ولدفع تهمة الانغلاق، ينفتحون على علوم ومناهج الآخر... ظناً منهم أن هذا التلفيق من التوسط والاعتدال، بل هو في اعتقادهم جوهر “الوسطية” المطلوبة في الدين. نلحظ شيئًا من هذا في أعمال ما سُمي بـ"رواد النهضة" الأوائل في منهج المقاربات التي قارنوا بها بين المقومات الحضارية للأمة ومقومات الحضارة الغربية: بين الشورى والديموقراطية، والبرلمان وأهل الحل والعقد، والحسبة والمجالس النيابية... إلخ. وطبعت كذلك أعمال العديد من الكتّاب المعاصرين في الحقل الإسلامي في منهج المقارنات الذي يبحث عن الفوارق بين الحضارتين ليثبت أسبقية الإسلام إلى كثير من النظم والقوانين والحقائق العلمية التي انتهت إليها الحضارة الغربية!
ودائماً ما يُبذل الوسع والاجتهاد بالاستناد إلى الآية القرآنية "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" لإثبات أن الوسطية في القرآن والسنة النبوية، إنما تشير إلى هذا التيار السلفي أو هذه الطريقة الصوفية أو تنظيم الإخوان المسلمين أو اليسار الإسلامي وغيره.
الإشكال أيضاً أن كل تلك التيارات حين تدعي الوسطية تستبطن وعياً معيناً للتاريخ، ومنهجاً محدداً للتعامل مع التراث، إلا أنها متصالحة ومتعايشة مع الحداثة والعولمة والتغريب، بل وتؤجل كل الإشكالات الناتجة عن حياة المسلمين وسعيهم داخل نموذج حضاري مفارق للنموذج الحضاري الإسلامي. ولحل هذه المعضلة خرجوا علينا بـ"أسلمة العلوم الإنسانية"، فأصبح هناك علم نفس إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وحداثة إسلامية… ناهيك عن محاولة أسلمة المصطلحات الغربية الحاملة لكل السياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية والشخصية الأهوائية.
وهكذا نجد أن كل التيارات المتضاربة والمختلفة فيما بينها تصف نفسها بالوسطية، بينما هناك أطراف من اليمين إلى اليسار قد تكون معتدلة، فإذا كان كل تيار وكل مذهب فكري -والمتضاربة والمختلفة فيما بينها- تحشد الأدلة لتثبت أن مذهبها هو الوسط، ما يستدعي القول على هذه التيارات جميعها بأنها تمثل الحقيقة والفضائل التي هي روح الإسلام، فكيف لاتجاهات متناقضة وصفها جميعاً بتيارات وسطية؟ بمعنى إذا كان مذهب فقهي أو عقدي أو فكري هو الذي يمثل روح الإسلام لأنه مذهب وسط، فماذا عن اليمين الذي منه ما هو معتدل ومنه ما هو متشدد واليسار كذلك، عدا عن أن الاعتدال ليس صنفاً واحداً كذلك.
إن من أكبر مداخل الابتلاء والفتنة في الأمة، أن الكثير من الحركات والاتجاهات الإسلامية أعطت الأولوية لـ”الشعار”، وحاولت تنزيله مع فراغ كلي في المضمون العلمي والفقهي والسلوكي الذوقي والأخلاقي. فكلٌ يفهم حسب هواه وطموحه، وفي أحسن تقدير حسب سقف الحركة أو التيار وسياج المنظومة المعرفية. ثم يُنزَّل بعد ذلك دون اعتبار للمآلات، مقتبساً من الشرع شواهد يطوعها لما اختاره وبناه خارج الشرع، مدعيًا أنه “يخدم” الدين وهو في الواقع لا يخدم إلا طموحه، وفي أحسن الأحوال يخدم فهمًا قاصرًا في الدين.
الوسطية في فلسفة التوحيد هي التي تشمل رؤية عامة للحقيقة وللواقع وللعلم وللمكان وللزمان ولتاريخ الإنسانية ولمصيرها، مرتكزة إلى مبادئ التوحيد الخمسة: الثنائية خالق ومخلوقات، التصورية الوحي والعقل، الغائية الجدية والصرامة والجد والعمل، القدرة الإنسانية وقابلية الطبيعة للتطويع، المسؤولية والمحاسبة. كما قسمها الشهيد إسماعيل الفاروقي.
فالحقيقة عالمان، عالم الله وعالم الخلق. ثانياً، لا صلة بين الخالق والإنسان المخلوق إلا بقوة العقل وهي قوة فطرية تهيأ المخلوق لإدراك إرادة الخالق وحياً أو تعقلاً، وحياً إن أنزل الله كلامه المعبر عن إرادته، وتعقلاً إن أمعن النظر في المخلوقات فاكتشف سننها وهي إرادة الله سبحانه وتعالى. ثالثاً، لعالم الخلق غاية من وجوده هي تحقيق إرادة الخالق، فالله لم يخلق عبثاً ولم يخلق باطلاً بل سوّى كل شيء خلقه وقدره تقديراً. رابعاً، طالما أن الخلق كله خُلق لغاية، فلا بد أنه قادر على تحقيقها؛ ففي الإنسان قوة على تغيير نفسه وتغيير مجتمعه وتغيير الطبيعة المحيطة به. خامساً، إذا كان الإنسان مكلفاً لتحقيق أوامر الخالق وقادراً على القيام بها، حُق عليه الحساب وبدونه تسقط جديّة التكليف.
إن أصل مفهوم الوسطية في القرآن الكريم له شبكة علائقية مع سائر المفاهيم الكلية الأخرى، مثل العدل والتقوى وفطرة الله، التي تروم تأسيس الاستقامة والتوازن والقصد في كل كيان الفرد، فكرًا وتصورًا وسلوكًا وعملاً؛ في نفسه سواء تعلق الأمر بأعماله العادية أو التعبدية، وفي المجتمع من حوله بكل تجلياته وتشكلاته الإثنية والملية، وتفعيل الضمير الاجتماعي الأخلاقي، بل وفي رؤيته لمعنى الكون والإنسان والحياة، ووظيفته الرسالية القائمة على جوهر الهداية والرحمة للذات وللذوات الأُخَر. إذ الأصل في الرسالة العالمية أن تكون قيمها متعدية للعالم، ذات قدرات استيعابية واستقطابية لا إبعادية وإقصائية.
المبادئ الأخلاقية والجمالية العامة للوسطية الفكرية
أ- السعة واليسر
يرشدنا التوحيد إلى التفاؤل على الصعيدين المعرفي والأخلاقي. وهذا هو ما يُسميه الفاروقي "السعة". ويراد بالتفاؤل كمبدأ معرفي قبول الآخر إلى أن يقوم الدليل على زيفه أي حسن الظن بالظاهر إلى أن يثبت خطأه.
أما المراد به كمبدأ أخلاقي فهو قبول المرغوب إلى أن يقوم الدليل على انتفاء الصحة عنه أو يثبت فساده. هذا هو اليسر الذي يقوم بإبعاد المسلم عن التنكر للحياة ويحفظ له حسن تفاؤله رغم كل ما قد يعتري حياته من وهن ومصائب {إن مع العسر يسرا}، كما أمر الله بالتبيّن قبل الحكم، وقد أقر الأصوليون التجربة قبل الحكم على المرغوب فيه إن لم يكن مخالفاً بيّناً لأمر الله.
وكلا هذين المبدأين يحمي المسلم من الانغلاق الذاتي في التعامل مع الوجود، ومن نزعة التزمت المهلكة ويحثه على الشهود والاستجابة لمتطلبات الحياة وللخبرة الجديدة، والإقبال على مجالات جديدة ليجول فيها بفكره ويعمل فيها ساعده، ويشجعه على معالجة المعطيات الجديدة بعقل فاحص وعلى المبادرة البنّاءة. ومن ثم، فإن هذين المبدأين يثريان خبرة الإنسان وحياته، ويمكنانه من الدفع بثقافته وحضارته قدماً على الدوام.
ومرجع اليسر إلى الشرع، فما وافق الشرع فهو الوسط، فالتشدد في محله وسطية والرفق في محله وسطاً كذلك. والوسط يفيد معنى البعد عن الإفراط والتفريط، والزيادة على المطلوب في الأمر إفراط والنقص عنه تفريط، وكلٌّ من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة. "يسِّروا ولا تُعَسِّروا". يقول صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لبدنك عليك حقًا ولعينك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه". كما لم يرتض إطالة معاذ بن جبل الصلاة بالناس، وقال له: "أفتّانٌ أنت يا معاذ؟". ونجد أنه صلى الله عليه وسلم قد رفض تشدد نفر من أصحابه بأن يمتنعوا عن الزواج، وأن يصوموا الدهر ولا يفطرون، ويقومون الليل كله ولا ينامون، وقال لهم إنه يتزوج النساء ويقوم وينام ويصوم ويفطر.
كما ذكر في القرآن: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين}. تمشياً مع هذه الطبيعة السمحة التي فطر الله أمة الإسلام عليها، يقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران: 110].
وإن في تفعيل وإحياء هذين المبدأين منعةً في وجه الوضعية الجبرية التي طغت على مجتمعاتنا وفكرنا، حيث تُحرّف النصوص الشرعية ومقاصدها، وتؤول لصالح سلطان الجبر والمنتفعين به من تجار الدين، والسياسة المستندة إلى شريعة وضعية لا شرعة سماوية. فسلطان الجبر هذا فَرض على النسق المعرفي لفهم النصوص اتجاهين كبيرين:
- الفهم الشكلي الحرفي الذي يستند إلى العموميات في فهم النصوص، والذي أدى مع الوقت إلى نفي الضمير الفردي الأخلاقي (وهو الذي يستدعي منا الرجوع إلى المصدر المعياري لتحسين الأخلاق وتغيير الخصال السلبية، وفي الأمر سعة يقدِّره الفرد إن كان فساداً خاصاً أم عاماً يعم) حيث استُخدمت سلطة الدين للتحريم والتحليل كوسائل لضبط السلوك وتنظيمه ضمن الهوية للجماعة، يتدخل فيها نوع من التحيزات الفردية التفضيلية أو الجماعية الهوياتية. لاحظوا الخطاب الديني المعني بالمرأة ستكتشفون طامات كبرى في تفسير النصوص وتعميمها على العالم مثل فرض اللون الأسود حصراً على النساء!
- فهم تميعي تطويعي يستند إلى تأويل النصوص واستنطاقها بغير المراد. وهذا منهج الباطنيين ومن شاكلهم من العلمانيين واليساريين، حيث بدا الخلل على مستوى المنهج، فالرؤية الكلية لهذه الأطروحة تتسم برؤية مادية، وبمنهج تجريبي كمي/عقلاني، وقد سُحب ذلك إلى نصوص الوحي، وبات ما يُعرف بمنهج التاريخانية والتأويلية والنقدية التفكيكية النسبية وسائل لتزوير السنة ودسّ أحاديث مكذوبة أو إلى النقيض؛ نفي حجية السنة وصرف دلالات الألفاظ عن المعاني وغيرها.
والسعة تبعدنا عن هذين التيارين. ومن السعة أن يشمل المجتمع الإسلامي كل فرد من البشرية وعلى أعضاء من أية قبيلة أو أمة أو عرق أو جماعة. ولا يستطيع أن يغلق باب عضويته أمام أحد من حيث المبدأ ولا أن يخلد إلى الراحة إلى أن يشمل البشرية برمتها، بل إن ذلك المجتمع يكون قد خان سبب وجوده ذاته إن هو منع أي إنسان من الانضمام إلى صفوفه، فكل إنسان مؤهل لتلك العضوية وله الحق فيها بحكم خلقه ومولده على الفطرة.
السعة هي اليقين بأن الله تعالى قد وهب البشر جميعاً فطرة سليمة تمكنهم من معرفة الدين الحق، وإدراك المشيئة الإلهية والتعاليم الربانية. "بُعثت بالحنيفية السمحاء أو على ملة إبراهيم". هي الإيمان بأن الله لم يترك قوماً إلا أرسل إليهم نذيراً يعلمهم بأن يعبدوا الله ويجتنبوا الطاغوت. أو ذلك التنزيل الذي أنزله على عباده في جميع الأصقاع والأزمنة. أما النظريات الأخرى التي لا تتبنى توسع المجتمع انطلاقاً من مقولات الشعب المختار أو العرق أو اللغة أو الثقافة هي نظريات نسبية تتعارض مع عالمية الإسلام ومع التوحيد.
ب- حرية الإرادة والاختيار
لم يخلق الله الإنسان عبثاً ولم يتركه سدى بل منحه حواساً وأحسن خلقه وأكمله ونفخ فيه من روحه، كل ذلك لتأهيله للقيام بواجب عظيم؛ وهذا الواجب هو سبب وجود الإنسان وهو غايته وهو تعريفه وهو وجوده. فالإنسان مخلوق كوني له أهمية كونية لأن الكون ليس كوناً بدون الجانب الأهم والأعلى من الإرادة الإلهية والتكليف الإلهي، ولا محقق لهذا سوى الإنسان في عمله الحرّ والاختيار الأخلاقي، وهو الدال على إنسانية الرجل (ذكراً وأنثى). وهذا هو مناط السعادة الدينية للإنسان أو فلاحه حسب المفهوم الإسلامي في استجابته لأمر الله تعالى التكليفي.
مبرر وجود الإنسان إذن هو طاعة الله وتنفيذ أمره. والتوحيد يؤكد على أن جوهر خلق الإنسان هو استخلاف الله تعالى للإنسان في الأرض وبمقتضى هذا الاستخلاف حمَّل الله تعالى الإنسان الأمانة التي لم تطق السماوات والأرض حملها وأشفقن منها.
فحوى هذه الأمانة الإلهية هي الوفاء بالشق الأخلاقي من المشيئة الإلهية الذي يقتضي بحكم طبيعته أن يتحقق بحرية، كل فرد مكلف أي مطالب بالسعي لتحقيق المشيئة الإلهية. هو الكائن الوحيد المفطور على نحو يؤهله لفعل ذلك. هذا التكليف مبني على الفطرة التي خلق الله الإنسان عليها والتي تمثل القاسم المشترك بينه وبين أي إنسان آخر. هذا الحس الفطري قابل للتهذيب أيضاً وهو الملكة التي بها يعرف الإنسان خالقه ويدرك التطابق بين إرادة الله تعالى وما ينبغي أن تكون عليه حياته على هذه الأرض. ومن هنا لا يقف الإسلام عند حد تقرير أن كل إنسان مكلف مسؤول، بل ينفي بشكل قاطع سقوط التكليف عن أي إنسان ما دام ليس طفلاً أو عاجزاً بشهادة أهل الاختصاص، وينتظر الإسلام من كل فرد مكلف أن يتحمل حمله الشخصي بوعي كامل ويقدر مكانته بقدر وفائه بمسؤوليته.
وقد خلق الله تعالى للإنسان الحواس والعقل والفهم ليقوم بتلك المهمة الأخلاقية؛ طاعة الله وعبادته عن حرية واختيار، حرية الاختيار {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، {لا تزر وازرة وزر أخرى}، {فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها}. وقدرته على الفعل أو عدم الفعل أو اتخاذ موقف وسط بين الفعل والترك، فيغدو رجلاً، فكل إنسان رهين بعمله، وفلاحه أو خسرانه يتقوم بالكلية على عمله، هو المؤهل لتحقيق تلك الإرادة في شقها الأخلاقي. فممارسة الإنسان لحرية الإرادة في التعامل مع الأمر الإلهي التكليفي هي التي تجعل سعيه أخلاقياً وتقيمه رجلاً. ولا يتوقف مثل ذلك الفلاح على مباركة أحد أو وساطته، ولا هو رهن بطقوس سرية مقدسة، ولا بعضوية مؤسسة روحية. بمعنى أنني مكلفة بإقامة الشق الأخلاقي من الإرادة الإلهية بسعيي وبجهدي كفرد، حتى وإن لم أكن أنتمي إلى جماعة أو تيار ما.
ولما كان من الممكن إكراه شخص ما على فعل شيء ما، في حين لا يمكن إكراه شخص ما على إدراك شيء ما؛ فإن المسؤولية الأخلاقية تقدم للإنسان المعين الضمانة الخاصة بها. عندما يتعرض للإكراه تنتفي مسؤوليته وتكون الأخلاقية قد انتهكت في واقع الأمر. ومع التسليم باستحالة الإكراه في دائرة إدراك القيم فإنه يمكن الحض على الفضيلة عبر تعليمها بمفاهيم أو بمدركات أو عبر المنطق أو بواسطة القدوة الحسنة.
كما أنه لا محل للتمييز بين الأماكن والبشر كموضوع للفعل الأخلاقي. وهذا القول بعدم التمييز بين نقاط الزمان والمكان بوصفها بؤراً لقوة طرد مركزية للفعل السياسي وبعدم التمييز بين البشر كفاعلين للفعل الأخلاقي، على نحو يجعل الحياة الأخلاقية عالمية ومجتمعية في الوقت نفسه، كان بمثابة اكتشاف جديد غائب عن الممارسة حينما ولدت الحركة الإسلامية. أينما كنت وأينما كان سعيك، فأنت فاعل أخلاقي ويجب أن يسع فعلك الأخلاقي كل البشر للاقتداء والإصلاح، ودفع الفاسد والمفسد.
ج- اقتران النية بالعمل
النية: خيرية دافع العمل الأخلاقي
استحضار النية في كل عمل بوصفه لله تعالى يأخذ بعداً قيمياً أخلاقياً. فالنية هي خيرية الدافع للعمل، ومركز قوتها يكمن في تصميمها القاطع على تنقية النية وتطهيرها بوصفها ينبوع كل فعل، وهي على صواب حين تحدد الخير الأخلاقي بأنه الحالة التي تنبع فيها النية من حب الله لأن أدنى انتهاك لهذا المبدأ هو انتهاك بحد ذاته لأخلاقية أي عمل كان.
فسلطة الضمير وعي يتملك نفس صاحبه على نحو يملؤها بالخوف والرجاء معاً، ومن شأن استيلاء هذا الوعي على نفس الإنسان أن يحيا حياته بكل جوانبها بما فيها أدق أسراره الشخصية في ظل استحضار مراقبة الله الذي لا {يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء}، ووفق المعايير المتمشية مع الإرادة الإلهية المتعلقة بكل ما في الوجود وفي ظل الإحساس بحساب وشيك ينتظره، موازين العدالة فيه مطلقة. ومن ثم تقود الإنسان من داخله وتجعله منسجماً في أفعاله وسلوكياته.
النية الصالحة هي تذكير لولوج ساحة الكدح والسعي الأخلاقيين، فإن تفعيل تلك النية وتجسيدها الفعال المطلق هو تذكرة دخول الجنة. وما قد يبدو شراً في أثره الظاهري قد لا يكون شراً في حقيقة أمره بسبب خيرية الدافع إليه، فما دامت النية خالصة لله والقلب معلق بحبل لله وبطاعته فإن الفعل يكون صالحاً وصاحبه ناجياً.
ولا تقف الإرادة الإلهية عند حد امتلاك الإنسان النية الصالحة تجاهها بل يتعين على الإنسان تجسيدها في أرض الواقع. فما يجعل من إرادته أخلاقية ليس نبل مضمونها ولا خيرية محتواها على مستوى النية بل الطريقة التي تتجسد بها في أرض الواقع. ومن ثم تحريك كل ما في الوجود والموجودات وفق هذا المبدأ.
ولذلك نحن أمة وسط بخيرية الدافع وبعملنا، يقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً}، فالله أراد لنا أن نكون الأمة الوسط، وعلينا أن نسعى نحن لخدمة هذا المفهوم، بكدحنا وجهدنا. تماماً مثل قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ماذا تعني هذه الآية في ظل خيرية الدافع لعملنا؟
لو فهم السلف هذه الآية بما فهمه البعض، لما جهد عمر بن الخطاب في توحيد المصحف، ولما جهد أبو بكر في تدوينه، ولا جهد عثمان في تصحيح المصحف، ولا جهد المسلمون في تدوينه وكتابته وتوثيقه وحفظه. ولما كانت كل تلك الملايين من الكتاتيب القرآنية لمئات السنين تحفظ القرآن؛ فالقرآن حفظ بإرادة الله وبسعي البشر وجهدهم. فنحن نتسابق ونتنافس من أجل تحقيق إرادته تعالى؛ وإلا ستقع علينا سنة الاستبدال لتحقيق إرادته {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}. وكذلك في مجالات الحياة كافة.
الوسطية لا تعرف الاعتزال والانعزال
الروحانية ذاتها بكل فضائها تصير في حكم العدم إذا لم تصبح واقعاً ملموساً متجسداً في رجال ونساء ربانيين يمشون على الأرض. فالإسلام نبذ العزلة والرهبنة أو الانقطاع عن العمل حتى ولو أراد الإنسان تهذيب نفسه وتأديبها أخلاقياً. والقيم الأخلاقية جواهر مثالية متعالية ما لم تفعّل في صميم بنية العلاقات بين البشر في مختلف مجالاتها. الانعزالية بالنسبة للأفراد والمجتمعات ضربٌ من اللامبالاة الأخلاقية والعقوق. بل إن الانعزالية في مواجهة البغي والعدوان والجريمة والمجاعة والجهل والنكوص عن تفعيل القيم في أرض الواقع كبيرةٌ من الكبائر واستخفاف بأمر الله تعالى، والنزعة الأنانية الشكوكية على نقيض القرآن من أن الكون مخلوق لغاية وأن لكل شيء فيه غاية. وهنا فصل الحياة العامة عن المهمة الدينية. إلا أن النقيض الحقيقي للعالمية هو النزعة التخصصية الحصرية التي أخذت شكل الوحدانية الفردية والقبلية في الماضي وشكل العنصرية والقومية في التاريخ المعاصر.
معنى ذلك أن حياة العزلة التي يحياها صاحب النزعة الفردية والناسك أو الراهب تعني في التحليل الأخير تقليص عالم القيم، ذلك أن المبدأ الإرشادي لهذا النمط من الحياة هو اعتبار أن القيم المتضمنة في وعي الفاعل الإنساني وفي روحه هي نفسها في تفرده وعزلته، وتشكل وحدها عالم القيم أو تمثل القيم العليا التي يجب التضحية بكافة ما عداها من قيم في سبيلها. وهذه هي الخطورة التي واجهناها لما اندلعت ثورات الحرية والكرامة، وكان موقف الكثير من المشايخ الذين هم "ورثة الأنبياء" ملحق بمبدأ "اعتزلوها فإنها فتنة".
أخلاق النية: الضمير الأخلاقي والكفاية الاجتماعية
يقوم النظام الاجتماعي الأخلاقي على "أخلاق النية"، وهو نظام يعتمد بالكامل على الشرف والضمير الإنساني.
فالضمير هو الحاكم الوحيد الذي يعلم حقيقة نياتنا ويُقيّمها بصحة؛ ولا يمكن لأي طرف خارجي أن يتفحص نية شخص آخر، بل ينحصر دوره في تقديم النصيحة فقط. وحتى عندما يشعر الإنسان بذنبه ويقرر التكفير عنه، يبدو ضميره هو المرجع الوحيد الذي يحدد ما إذا كان قد أدّى ما عليه بصدق أم لا. وفي هذا الصدد، لا يشترط وجود الآخرين بالفعل؛ بل يكفي أن يستحضر الإنسان وجودهم في ذهنه لتتجه إرادته ونيته نحو الخير.
في المقابل، يتصف "العمل الفعلي" بأنه ظاهر للجميع وقابل للقياس، ويتعدى أثره إلى الآخرين والبيئة المحيطة. ولأن العمل يرتبط بظواهر خارجية، فإنه يحتاج إلى قوانين ومؤسسات عامة ودولة لتنظيمه وإدارته.
في المقابل، فإن العمل بطبعه علني وإيثاري ويتعدى فاعله. وهو ظاهر للعيان وقابل للقياس بوسائل خارجية سواء تعلق بالنفس أو بالغير أو بالطبيعة. وهو يحتاج للتبعية إلى تنظيمه بالشريعة وإدارته بمؤسسات عامة أو بالدولة.
ومن هنا يأتي دور سلطة المجتمع وهيمنة قيمه وأعرافه، فالتساهل فيها يؤدي إلى زوال هيبته، فالأمر المخالف المِعوَج لما تعارف عليه الناس وتكرر أمام أعينهم وعلى مسامعهم يصبح مع الوقت مقبولاً وتتآلف الجموع معه.
فلا بد من تفعيل أدوات المراقبة الاجتماعية كالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، أي جلب الخير للمجتمع ودرء الشرور والمفاسد عنه. وإعمال النصيحة والتناصح. وتفعيل المعروف في المنظومة الأخلاقية القرآنية، وهو كل ما يكون على الطريقة الصحيحة والمنهاج المستقيم والاعتقاد السليم، وما هو عكس المنكر أو غير المعروف أو الشر أو الغريب، وكل ما يخالف أو يدخل في صراع مع أوامر الله وإرادته. وإلا فقد دخل في التعدي على أوامر الله وإرادته سبحانه، أي الكفر.
وقد درج الفقهاء في تقسيم الفرائض الواجبة على المكلفين إلى تكاليف/ فروض فردية عينية بمعنى أنها تجب على كل فرد، هي ما يقوم به المسلم لتزكية نفسه، وقيامه على نفسه وعياله بالرعاية والصيانة والحماية في كل مجالات الكليات الشرعية، وإلى تكاليف/ فروض جماعية كفائية بمعنى أن هناك في الأمة حاجة ووظيفة فمن قام بما يسدّ الكفاية في هذه الحاجة، فقد حقق الأمر وسقطت هذه الفريضة عن مجموع من كانت واجبة عليهم. فالصلوات الخمس والصوم والزكاة أمثلة على فروض العين التي تجب على آحاد المسلمين دون تفريق. أما الفروض الكفائية فيضربون مثلاً القيام بحقوق الميت من غسل ودفن وصلاة الجنازة في باب العبادات، ويمثلون بوظائف الإمامة والقضاء والتدريس والفتوى وما أشبه ذلك في الأبواب الأخرى.
الشارع قصد بالفرض الكفائي الذي يقوم به البعض أن يحصل بهم المقصد الشرعي من الطلب دون الحاجة لقيام الجميع به، ومصلحته مصلحة عامة، ولا تتحقق المصلحة العامة المقصودة من الفرض الكفائي على الوجه الأكمل الذي شرعت لأجله إلا إذا أتى بالفعل من هو أهل له وأقدر من غيره على القيام به والإبداع فيه على أتم وجه؛ إذ بذلك يُتصور التحقق الأمثل للمصلحة المرجوة من تشريعه ابتداءً. وهذا من باب مراعاة الفروق الفردية في فروض الكفاية، ولنا مثال تقديم النبي صلى الله عليه وسلم بلال للأذان ووصفه بأنه أندى صوتًا. فمبدأ تشريع الفروض الكفائية، يقوم على مراعاة الفروق الفردية بين المكلفين في شتى النواحي: النفسية والعقلية والجسمية والانفعالية وغيرها، فيكون الإنسان مكلفًا بما يتناسب مع قدراته، وما يمكنه إجادته من هذه الفروض، وهي متعددة متنوعة، وتختلف القدرات المطلوبة لكل منها، وعليه فلا يمكن وضع معيار واحد لها، فهي وظائف ومهمات عامة في كل مجالات الكليات الشرعية، لا بد من القيام بها بما يكفي الحاجة ويؤصل التكافل والتعاون على الخير ويؤكد الاعتزاز والانتماء إلى الأمة ويحميها من الوَهَن والهلاك. كما أن كل مكلف سيجد ما يتلاءم معه فيها، وبهذا يكون التنوع والاختلاف، سببًا للتوافق والتكامل بين الناس، وفي هذا تظهر جليةً حكمة الله في تنوع البشر.
الذي حدث في ظل الدولة الحديثة وبعد هيمنتها على المؤسسات الدينية والتعليمية والمنظومة الفكرية ككل أن عملت على تقييد جوهر الوجود الإنساني أي الحرية الإنسانية مناط التكليف الذي خلقنا الله عليه، إناثاً ورجالاً. فتجريد الأمة من أساسيات الأمن الغذائي والصحي والعمراني وما شابه ذلك أصبح ضامناً أكيداً لإخراجها عن إرادتها وإرغامها على التوجه إلى غير ما تريد وما يريده الله سبحانه لخير أمة أخرجت للناس. برجالها ونسائها.
ما نريد التركيز عليه أنه بنظرة دقيقة في كتب التراث لمعنى الكفاية نلمح أن أمرها قد ضمر وبات مقتصراً على بعض الأمثلة في باب العبادات بينما غاب المعنى الاجتماعي أو الوظيفة الاجتماعية لمفهوم الكفاية والذي يعني أن تكتفي الأمة بما عندها من الخبرات والمهارات بما يمكنها من القيام بواجباتها ووظائفها. هذا هو مفهوم الكفاية الاجتماعية، وهو تحدي وجودي للأمة في زماننا، فيشمل كل الأحكام الشرعية التي تنظم سلوك الفرد والمجتمع، حتى في ميدان الآداب والأخلاق الاجتماعية.
كما أن الأسرة المسؤولة الأولى اليوم عن إحياء الفروض الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وكل ما يتعلق بالضمير الأخلاقي المجتمعي، مثل إتقان العمل، والإخلاص في القول، والوفاء بعهود الله، والقيام بأمانة الاستخلاف، وتفعيل فروض التعاون على البرّ والتقوى، والنصح لله ولرسوله وللأئمة، والمسؤولية والجدية في امتلاك الخبرات والمهارات وكل ما يتطلب التعب والنصب ومقاومة الضغوط والتحديات لتقف الأمة على رجليها قادرة على كفاية نفسها في الأساسيات، ثم تتوسع الأمور بعد ذلك إلى الحاجيات والكماليات، ومراعاة العدالة، والتوازن بين حقوق وواجبات الأزواج والأولاد، وتعزيز ثقافة تحصين صرح الأسرة اجتماعياً وقيمياً وقانونياً ضد الثقافات الأخرى الغريبة والهدامة. وكل الفروض والأمانات والقيم التي تفضي إلى إصلاح حال الجماعة وأمة المسلمين، وتفضي إلى التمكين الحضاري.
وقد ظهر للعاقل والجاهل معاً خطورة هذا الأمر وأصبح مجرد التهديد بالمقاطعة كافياً لإحداث الضغط الكافي لإخراج الأمة عن قناعاتها المبدئية. ومن جهة ثانية اكتشفنا مع حملة مقاطعة البضائع الداعمة لإسرائيل مؤخراً بعد طوفان الأقصى الكم والكيف الهائل من الاعتماد على الآخر، في مأكلنا ومشربنا ودوائنا وكمالياتنا.
عن المؤلف
ماجستير فلسفة، دبلوم دراسات إسلامية. سوريا
شارك هذا المقال

































