
جانب من الحضور في المؤتمر الثالث عشر من سلسلة مؤتمرات بديع الزمان النورسي العالمية. اسطنبول
"الأمة" تشارك في المؤتمر الثالث عشر من سلسلة مؤتمرات بديع الزمان النورسي العالمية
بقلم
«تقدم الندوة فهماً بنّاءً للإسلام يستشرف المستقبل، ويبرز صلته بالمشكلات التي تواجه البشرية».
رئيس مؤسسة الأمة، محمد ذاكر حسين
دعت ندوة دولية عُقدت في إسطنبول إلى إقامة نظام عالمي يستند إلى العدالة لا إلى القوة، وطالبت بالوقف الفوري والدائم لإطلاق النار في غزة، مع طرح مقاربات تستلهم القيم الدينية لمواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية والتكنولوجية.
جاءت هذه الدعوات في الجلسة الختامية للمؤتمر الثالث عشر من سلسلة مؤتمرات بديع الزمان النورسي العالمية الذي انعقد من 4 إلى 6 أكتوبر تحت عنوان الحلول القرآنية لمشكلات الحضارة المعاصرة.
شارك في هذا الحدث الدولي أكثر من 330 عالماً وقائداً يمثلون 60 دولة و448 مؤسسة من مختلف أنحاء العالم، ونظمته مؤسسة إسطنبول للثقافة والعلوم. وبلغ عدد البحوث المقترحة 668 بحثاً، اختير منها 262 بحثاً باللغات التركية والعربية والإنجليزية والروسية. وتُعقد سلسلة هذه المؤتمرات منذ عام 1991.
بحث المشاركون التحديات المعاصرة في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية وتعاليم العالم المسلم بديع الزمان سعيد النورسي، لا سيما مؤلفاته المجموعة في كتاب «رسائل النور».
وضمت قائمة أبرز الشخصيات التي حضرت الفعالية جودت يلماز Cevdet Yılmaz، نائب رئيس الجمهورية التركية؛ والدكتور محمد أبو الخير شكري، وزير الأوقاف السوري؛ والبروفيسور الدكتور صافي أرباغوش Safi Arpaguş، رئيس الشؤون الدينية في تركيا؛ وسعيد يوجه Said Yüce، رئيس مجلس أمناء مؤسسة إسطنبول للعلوم والثقافة (İİKV) ولورين بوث Lauren Booth، الإعلامية والصحفية البريطانية.

كما شارك في الندوة العالم السعودي البروفيسور الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح، ومفتي سوريا الدكتور أسامة الرفاعي، ورئيس جمعية علماء الإسلام في باكستان مولانا فضل الرحمن، ورئيس مؤسسة الأمة محمد ذاكر حسين.
وفي حديثه عن تجربته في الندوة، قال رئيس مؤسسة الأمة محمد ذاكر حسين: «تكمن الإضافة المتميزة لهذا المؤتمر في الاستناد إلى القرآن الكريم لاستكشاف حلول للتحديات العالمية الملحّة. حاولنا فيه تقديم فهم بنّاء للإسلام يستشرف المستقبل، ويبرز صلته بالمشكلات التي تواجه البشرية».
ناقشت الندوة طيفاً واسعاً من القضايا التي تواجه البشرية في ضوء تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية. وشملت عناوين بعض الأوراق المقدمة: «حلول قرآنية للأزمات العالمية»، و«مفهوم الحضارة في النظام العالمي الجديد»، و«المجتمع والأسرة»، و«رؤية الحضارة في النظام العالمي الجديد»، و«من الأزمة إلى المسؤولية: إحياء أخلاقي قائم على القرآن وبناء الحضارة في فكر بديع الزمان سعيد النورسي»، و«حلول للقضايا الاجتماعية المعاصرة استناداً إلى القرآن والسنة»، و«ما وراء السياسة: أولوية الخلافة الروحية عن النبي محمد ﷺ»، و«الأثر التحويلي للإيمان في المجتمع استناداً إلى القرآن والسنة».

القضايا العالمية
تناول المؤتمر قضايا الحروب والنزوح والظلم والتدمير البيئي والتفكك الأسري وبحث الشباب عن معنى للحياة، إضافة إلى التحديات التي تواجه المسلمين والمؤمنين والأخلاق في العصر الرقمي.
رأى البيان الختامي أن الأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية تنطوي على بُعد روحي عميق يتمثل في انقطاع صلة الإنسان بغاية الوجود ومعناه. وحذّر من أن التقدم في المعرفة والتكنولوجيا وتعاظم القوة قد يؤدي إلى توسيع القدرة على التدمير ما لم يسترشد الإنسان ببوصلة أخلاقية.
وانطلاقاً من تصور النورسي للخلق بوصفه دالاً على خالقه ومتجاوزاً لذاته في الإشارة إليه، دعا المشاركون إلى بناء حضارة تقوم على الإيمان بوحدانية الله، والعدل والرحمة والمسؤولية وصون الكرامة الإنسانية.
غزة والعدالة العالمية
أدان البيان بشدة الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين والمستشفيات والمدارس ودور العبادة في غزة، وكذلك القيود المفروضة على المساعدات الإنسانية، واصفاً هذه الأفعال بالإبادة جماعية.
ودعا المسلمين إلى اتخاذ موقف أكثر حزماً في مواجهة معاناة الفلسطينيين، وطالب بوقف فوري للهجمات، وإقرار وقف دائم لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون قيود، ومساءلة المسؤولين وفقاً للقانون الدولي. كما طالب بحماية حق الشعب الفلسطيني في العيش بحرية واستقلال على أرضه.
على نطاق أوسع، انتقدت الندوة نظاماً عالمياً تتغلب فيه القوة على الحقوق، وتسود فيه المعايير المزدوجة، ويعجز القانون الدولي عن تقييد تصرفات الأطراف النافذة.
وأكد البيان ضرورة اضطلاع الدول والمنظمات الدولية بحماية حياة كل إنسان وعقله ونسله وماله ودينه، بصرف النظر عن العرق أو الدين أو اللغة. ودعا المشاركون إلى تقديم الفضيلة على المصلحة الذاتية، والتعاون المتبادل على الصراع، والأخوّة الإنسانية على ادعاءات التفوق العرقي أو الإثني.
وحدّد البيان الشورى والحرية وسيادة القانون والمساواة أمامه كركائز أساسية للحكم الرشيد. كما أيد مبدأ «العمل الإيجابي» الذي طرحه النورسي، مشدداً على التعاون والإقناع والخدمة باعتبارها وسائل لتسوية النزاعات وإرساء السلام.
ودعا المشاركون إلى تعزيز وحدة المسلمين واعتماد نهج في التعامل مع الخلاف يحول دون تحوّل الاختلافات إلى عداء. كما أيدوا التعاون مع أهل الكتاب وسائر الجماعات الدينية حول القيم الإنسانية المشتركة.
أزمة الأخلاق
وصف المؤتمر التدمير البيئي بأنه أزمة أخلاقية تنبع من التعامل مع الطبيعة باعتبارها مورداً غير محدود للاستهلاك. ودعت إلى تعزيز الوعي العام بالمسؤولية عن الحد من الاستهلاك، والقضاء على الهدر. وأشار البيان إلى أن تصوير النورسي للكون بأنه كتاب ينبغي قراءته والتأمل فيه يعزز احترام الخلق وحسن الاضطلاع بمسؤولية رعايته.
وفي الشأن الاقتصادي، حدّد المشاركون الجشع والإفراط في تكديس الثروة بأنهما من العوامل التي تغذي عدم الاستقرار. وأوصوا بالاقتصاد في الإنفاق والقناعة والشكر والكسب الحلال مبادئَ لمواجهة الفقر والاحتكار والفساد، مع دعم التمويل الإسلامي المتوافق مع أحكام الشريعة وأنماط الاستهلاك المستدامة.

صون الأسرة
كان تعزيز الأسرة من التوصيات الرئيسية الأخرى. ودعا البيان إلى سن تشريعات توفر الحماية، وإطلاق برامج تعليمية وخدمات للإرشاد الأسري، إلى جانب تنمية القيم الأخلاقية والروحية وتعزيز احترام كبار السن ورعايتهم.
وأكد أن التعليم ينبغي أن ينمّي الفهم الفكري والشخصية الأخلاقية معاً. واستلهاماً لمشروع «مدرسة الزهراء» الذي طرحه النورسي، اقترح المشاركون الجمع بين العلوم الطبيعية والعلوم الدينية من خلال تعليم يستند إلى القيم، بدءاً من مرحلة ما قبل المدرسة وصولاً إلى التعليم العالي.
كما شددت الندوة على ضرورة مساعدة الشباب على التعامل مع أسئلة الهوية والمعنى والانتماء، بالاستناد إلى مبادئ الإيمان والنزاهة وضبط النفس الأخلاقي التي عرضها النورسي في كتابه «دليل الشباب».
وفي ما يتعلق بالهجرة، دعت الندوة إلى تبني استجابات إنسانية تجاه الأشخاص الذين أجبرتهم الحروب وغيرها من الأزمات على النزوح. واستشهد المشاركون بالمبدأ القرآني القاضي بحرمة النفس البشرية، وبالنموذج النبوي للتكافل بين الأنصار والمهاجرين، أي بين المجتمعات المضيفة والوافدين إليها.
الذكاء الاصطناعي والحياة الرقمية
وفي معرض تناول الذكاء الاصطناعي والحياة الرقمية، أكد المشاركون أن التكنولوجيا ينبغي أن تخدم رفاه الإنسان وأن يظل توظيفها محكوماً بالقيم الأخلاقية.
وحذّروا من الإدمان الرقمي واقتصاد استقطاب الانتباه وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في الصحة النفسية والنمو الأخلاقي، وأوصوا بالتأمل والاعتدال وسيلتين لحماية الأسر والشباب من هذه المخاطر.
كما اقترح البيان اعتماد مقاربات شمولية للتعامل مع القلق والاكتئاب والصدمات النفسية، تجمع بين العلاج النفسي الحديث والقيم الروحية، ومنها الإيمان والصبر والشكر والتوكل على الله.
وأكد المشاركون إمكان التوافق بين العلم والإيمان، معتبرين أن العالم الطبيعي يكشف عن النظام والإبداع الإلهيين. كما أبرزوا أهمية البحث العقلي والاستدلال بالأدلة والتعبير الأدبي والفن، بوصفها وسائل لتعميق الفهم والتعبير عن الإيمان في عصر تتزايد فيه الشكوك بشأن الحقيقة.
وتوجهت اللجنة المنظمة بالشكر إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، والوزارات الداعمة والوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، ورئاسة شؤون الأتراك في الخارج والمجتمعات ذات الصلة، والجامعات الشريكة وسائر الجهات المساهمة. وقدمت الخطوط الجوية التركية الدعم في مجال النقل، فيما اضطلعت هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (TRT) ووكالة الأناضول بدور الراعي الإعلامي.
وأعربت اللجنة عن أملها في أن تسهم مخرجات الندوة في دعم السلام، وتجديد الفكر في العالم الإسلامي، ونقل رسالة «رسائل النور» إلى الأجيال القادمة.
شارك هذا المقال

































