مطالعة نقدية لاستطلاعات الرأي العام وتوظيفها السياسي
بقلم
من عبد الرحمن بن عوف إلى غالوب
يذكر ابن جرير الطبري في تاريخ الرسل والملوك، كما يذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية، أنه قبيل وفاة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب قلد أمر إدارة اختيار الخليفة بعده لعبد الرحمن بن عوف الذي سيدير عملية الاختيار بين ستة مرشحين هم (عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله) فكان من أمر عبد الرحمن بن عوف أن تنازل عن حقه في الترشح واحتفظ بإدارة عملية الاختيار كمرجح، ثم طاف طيلة ثلاثة أيام بلياليها بأهم بيوتات المدينة، وسأل وجهاء الرجال والنساء وحتى الصبية ليستمزج رأيهم، ولما وجد أن قلوب الناس أميل لعثمان أتم له الأمر بالخلافة، وربما كانت هذه الواقعة أقدم استطلاع رأي عرفناه في التاريخ.
يرى والتر ليبمان 1889– 1974 (أحد أبرز الصحفيين والمفكرين، والمنظرين السياسيين في التاريخ الأمريكي الحديث. امتدت مسيرته المهنية لأكثر من ستين عاماً، ومن أوائل من نظّروا لمفهوم الرأي العام في القرن العشرين) أن الإنسان لا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل مع "الصور التي في رأسه" عن هذا الواقع، وهي مقولة تحمل في طياتها إشكالية معرفية عميقة ظلت تتردد أصداؤها في كل محاولة لاحقة لقياس الرأي العام وتوظيفه، ذلك أن الاستطلاع، في جوهره، ليس مجرد أداة حيادية لالتقاط صورة عن وجدان الناس ومواقفهم، بل هو في الوقت ذاته فعل يتدخل في تشكيل تلك الصورة ويعيد إنتاجها ويمنحها شرعية رمزية قد لا تستحقها، وهذا بالضبط ما يجعل من دراسة استطلاعات الرأي مسألة لا تخص علماء الإحصاء والاجتماع وحدهم، بل تخص كل من يعنى بصناعة السياسات العامة وبالبيئة الاجتماعية التي تتشكل فيها هذه السياسات وتتصارع حولها المصالح والأيديولوجيات والمشروعيات المتنافسة.
منذ أن غدت استطلاعات الرأي جزءاً لا يتجزأ من المشهد السياسي والإعلامي المعاصر، صار من العسير الفصل بين وظيفتها المعرفية ووظيفتها الأداتية، فالأولى تمنح صانع القرار والباحث والمواطن معاً أداة لفهم اتجاهات المجتمع وأولوياته وهواجسه، والثانية توظفها الأطراف السياسية والاقتصادية والإعلامية لصناعة الإجماع وما يضارعه أو لتزييفه، ولترسيخ خطاب بعينه أو لتقويض خطاب منافس، وهذا التوتر بين الوظيفتين المعرفية والأداتية هو ما نسعى إلى تفكيكه وفهم حيثياته التفريقية. ويمكننا تحري ذلك عبر تتبع النشأة التاريخية لهذه الآلية، ومدى علاقتها بصناعة أوراق السياسات، وتبيان محاسنها ومآخذها، وكشف طرق الغش والمراوغة التي يعتمدها معظم الفاعلين السياسيين في توظيفها لخدمة أجندات بعينها.

لم يكن الاهتمام باستطلاع آراء الناس وليد اللحظة الراهنة، بل يعود بجذوره إلى الصحافة الأمريكية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، حين بدأت بعض الصحف تجري ما عرف بـ "استطلاعات القش" حيث يعود أصل هذا التعبير المجازي في الثقافة السياسية والإعلامية الغربية إلى الفكرة التقليدية المتمثلة في "رفع قشة في الهواء لمعرفة اتجاه هبوب الرياح". فالقشة خفيفة للغاية، ولن تغير مسار الريح، لكنها تكفي لإرشاد المراقب إلى الوجهة التي تتجه نحوها العاصفة" وهي محاولات بدائية لقياس ميول الناخبين عبر توزيع استمارات على القراء أو المارة في الشوارع، دون أي اعتبار علمي لتمثيل العينة أو لضبط التحيز، وقد ظلت هذه المحاولات أسيرة طابعها الفلكلوري والدعائي أكثر منها أداة معرفية رصينة، إلى أن جاءت اللحظة التأسيسية الحقيقية لعلم استطلاعات الرأي مع جورج غالوب في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي.
في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1936، أجرت مجلة "ليتيراري دايجست" استطلاعاً ضخماً شمل الملايين من القراء، وتنبأت بفوز المرشح الجمهوري ألف لاندون، بينما جاء استطلاع غالوب، الذي اعتمد عينة أصغر بكثير لكنها مبنية على أسس إحصائية علمية لضبط التمثيل الديموغرافي والجغرافي، متنبئاً بفوز فرانكلين روزفلت، وهو ما حدث بالفعل، تلك الواقعة كانت بمثابة اللحظة الفارقة التي أسست لمفهوم العينة العلمية المضبوطة في مقابل الحشد الكمي غير المنهجي، ومنذ ذلك التاريخ بدأت مهارات وتقنيات استطلاعات الرأي تتطور تدريجياً من أداة صحفية مساعدة إلى حقل معرفي مستقل له مناهجه ومؤسساته المتخصصة، وصولاً إلى الاستطلاعات الرقمية المعاصرة التي تعتمد تقنيات المراقبة الإلكترونية كما تعتمد مؤخراً على قدرات الذكاء الاصطناعي في معالجة البيانات الضخمة وتحليل الاتجاهات، وتوقع السلوك الانتخابي والاجتماعي.
من الصعوبة بمكان محاولة فهم دور استطلاعات الرأي في صناعة أوراق السياسات دون العودة إلى جذور نظرية مفهوم "الرأي العام" ذاته، الذي تناوله أليكسيس دو توكفيل (1805- 1859) بوصفه القوة الناعمة التي تضبط سلوك الأفراد في المجتمعات الديمقراطية أكثر مما تضبطه القوانين المكتوبة، تالياً وعبر بلورة المفاهيم الملاصقة طوّر يورغن هابرماس (1929- 2026) لاحقاً مفهوم "المجال العام" ليصف الفضاء التداولي الذي يتشكل فيه الرأي العام عبر الحوارات الحرة والعقلانية في الأوساط الثقافية والاجتماعية بين المواطنين، بمعزل عن سلطة الدولة وسطوة القوى المؤثرة في الفضاء الاجتماعي، بحيث يغدو المجال العام الإطار الذي تستند إليه معظم المحاولات الأكاديمية في فهم كيف تتحول الآراء الفردية المتناثرة إلى اتجاه عام قابل للقياس وللتوظيف السياسي.
تنتقل نتائج الاستطلاعات إلى أوراق السياسات، عبر سلسلة من الوسائط المؤسسية، بدءاً من مراكز الأبحاث والدراسات التي تعيد تحليل البيانات الأولية وتصوغها في توصيات قابلة للتطبيق، مروراً بالإعلام الذي يضخم بعض النتائج ويهمش بعضها الآخر بحسب أجندته التحريرية، وصولاً إلى دوائر صنع القرار التشريعي والتنفيذي التي تستشهد بتلك النتائج بوصفها مؤشراً على "اتجاهات الشارع" لتبرير قرارات اتُّخذت أصلاً لاعتبارات أخرى، أو لصياغة سياسة جديدة تقدم على أنها استجابة فعلية لتحول حقيقي في المزاج الشعبي، وهذا التداخل بين التوظيف التبريري والتوظيف التشخيصي هو ما يجعل من الصعب في معظم الأحوال التمييز بين استطلاع يجرى ليُفهم، وآخر يصنع ليُستخدم.
تؤدي استطلاعات الرأي، حين تُجرى بمنهجية رصينة وبنزاهة بحثية حقيقية، وظائف لا يستهان بها في الأوساط الاجتماعية والسياسية معاً، فهي أولاً تمنح المواطن العادي المقصى عن قنوات التأثير المباشر في القرار، والمهمّش صوته بين موعد انتخابي وآخر، والمغيّب رأيه عن دوائر الحكم الفعلية، فرصة لأن يُسمع صوته ولو بشكل غير مباشر عبر رقم إحصائي يضاف إلى سواه، وثانياً تشكل أداة تشخيصية واقعية للمشرّع والباحث الاجتماعي على حد سواء، إذ تكشف الفجوة التي كثيراً ما تتسع بين الخطاب الرسمي المعلن وبين المزاج الشعبي الفعلي غير المصرَّح به، وثالثاً تسهم في كشف تحولات سلم الأولويات المجتمعية عبر الزمن، وهو ما يتيح لصانع السياسة أن يستبق الأزمات بدل أن يكتفي برد الفعل عليها بعد استفحالها.
غير أن هذه الوظائف الإيجابية والتي تكتسي لبوس التحري الديمقراطي لتلمس نبض الشارع والاستجابة له، لا تعفي استطلاعات الرأي من مآخذ منهجية ينبغي للباحث الرصين أن يظل واعياً لها في كل قراءة لنتائجها، فأولى هذه المآخذ تتعلق بإشكاليات العينة وتمثيلها الإحصائي، إذ إن أي توجيه أو خلل في اختيار العينة من حيث الحجم أو التوزيع الجغرافي أو الطبقي أو العمري يجعل النتائج مضللة مهما بدت دقيقة الأرقام، وثانيها هامش الخطأ الإحصائي الذي كثيراً ما يُتجاهل عند عرض النتائج إعلامياً حين تقدم فروق ضئيلة بين خيارين بمبالغة توحي بأنها فارق حاسم، وثالثها ما يعرف بأثر الصياغة، حيث تُغيّر إعادة صياغة ذات السؤال، دون تغيير في جوهره، النتيجة تغييراً جذرياً، ورابعها تحيز "الرغبة الاجتماعية" الذي يدفع المستجيب، لا سيما في المجتمعات ذات الحساسية السياسية والأمنية العالية، إلى الإجابة بما يظن أنه مقبول اجتماعياً أو آمن سياسياً لا بما يعتقده فعلاً، وهذا التحيز الأخير يصبح أشد وطأة وأكثر تشويهاً للنتائج في بيئات الاستبداد وما بعد الصراع، حيث لا يزال الخوف المتوارث من المراقبة والمحاسبة والانتقام يشكّل حاجزاً نفسياً حقيقياً بين المستجيب وبين التعبير الصادق عن رأيه.
تتفنن بعض الاتجاهات السياسية في توظيف استطلاعات الرأي لصناعة حقيقة اجتماعية معينة وتوظيفها بعيداً عن العمل النزيه في قياسها كما هي عليه في الواقع، وذلك عبر مجموعة من الحيل المنهجية والدعائية التي بات كشفها ضرورة أخلاقية ومعرفية لكل باحث ومواطن على حد سواء، فعلى سبيل المثال هناك ما يعرف بـ"الاستطلاع الموجّه" وهو أسلوب بعيد كل البعد عن الرغبة في قياس رأي حقيقي، بل يهدف إلى زرع انطباع سلبي عن خصم سياسي، عبر تعمده صياغة أسئلة إيحائية تحت غطاء الاستطلاع، ومن ذلك "الانتقائية" المتعمدة في اختيار العينة الجغرافية أو الاجتماعية بحيث تُستبعد فئات بعينها خشية أن تخالف النتيجة المرغوبة، كذلك "التوقيت المدروس" لنشر نتيجة استطلاع بعينه بغرض صناعة ما يعرف بـ"أثر القطيع" حيث يميل الناخب المتردد إلى الانحياز لما يظن أنه الرأي الغالب، كما يعتبر تمويل جهات ذات مصلحة مباشرة لاستطلاعات شكلاً من أشكال تضارب المصالح ومؤشراً واضحاً على الرغبة في حرف النتائج مسبقاً، في الوقت الذي تُقدَّم للجمهور بوصفها مستقلة ومحايدة دون أي إفصاح عن مصدر التمويل الحقيقي، ناهيك عن التلاعب بصياغة الأسئلة وترتيبها داخل الاستمارة نفسها، عبر ما يعرف بـ"الأسئلة المحمَّلة" التي تدس افتراضاً مسبقاً داخل بنية السؤال بحيث يصعب على المستجيب التمييز بين السؤال الحيادي والمنحاز أصلاً.
هذه الحيل مجتمعة، على تفاوت خطورتها، تشترك في أنها تحوّل الاستطلاع من أداة كشف إلى أداة تعمية، ومن وسيلة لفهم الوجدان الجمعي إلى وسيلة لهندسته وإعادة تشكيله وفق أجندة مسبقة، وهي بذلك تسيء إلى مصداقية الاستطلاع بوصفه أداة بحثية فحسب، كما تسيء أيضاً إلى المواطن المستجيب ذاته حين تحوّله من فاعل يُستشار إلى موضوع تُصنع مواقفه.
تكتسب استطلاعات الرأي في سياقات التحول السياسي وما بعد الصراع أهمية وتحديات مضاعفة في آن واحد، ذلك أن المجتمعات الخارجة من عقود الاستبداد والقمع، كما هو حال سوريا اليوم، تحمل في وجدانها الجمعي إرثاً ثقيلاً من الخوف المتراكم والصمت المفروض وانعدام الثقة بأي جهة تسأل عن الرأي، سواء أكانت رسمية أم أهلية أم بحثية، وهذا الإرث يجعل من قياس الرأي العام في مثل هذه البيئات مهمة أشد تعقيداً بكثير من قياسه في مجتمعات مستقرة تتوفر فيها ثقافة الشفافية وتقاليد راسخة في حرية التعبير، فالمستجيب السوري، المثقل بذاكرة المعتقلات والمداهمات والتغييب القسري، لا يجيب دوماً بما يعتقده، بل غالباً بما يظنه أكثر أماناً له ولأسرته، وهذا ما يفرض على أي جهة بحثية جادة، أن تطور أدوات منهجية خاصة تراعي هذا السياق الحساس، من ضمان أعمق للسرية إلى صياغة أكثر حذراً للأسئلة، إلى قراءة أكثر تأنياً للنتائج بعيداً عن أي استسهال في تعميمها.
ومع ذلك، فإن هذه الصعوبة عينها هي ما يمنح استطلاعات الرأي في المرحلة الانتقالية قيمتها المضاعفة، إذ تصبح، حين تُجرى بنزاهة ومسؤولية، أحد السبل النادرة لإسماع صوت المواطن المحروم والمهمَّش عن دوائر صياغة الدستور الجديد وقوانين العدالة الانتقالية وهياكل الحكم المقبلة، وتصبح بذلك أداة لا غنى عنها لأي مشروع جاد لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة الوليدة، شريطة أن تبقى بمنأى عن التوظيف الفئوي والمناطقي والإيديولوجي الذي كثيراً ما يهدد نزاهة هذه الأدوات في مراحل التحول الحرجة.

ومما تجدر العناية به بشكل صارم ضرورة الإفصاح الكامل عن منهجية أي استطلاع يُنشر (حجم العينة، طريقة الاختيار، هامش الخطأ، الجهة الممولة)، وبإخضاع الاستطلاعات في السياقات الانتقالية والهشة لمعايير حماية خاصة للمستجيبين، وبتطوير ثقافة إعلامية وسياسية قادرة على قراءة الأرقام بعقل ناقد لا بانبهار ساذج، فذلك وحده الكفيل بأن يبقى الاستطلاع أداة لخدمة الحقيقة لا أداة لتزييفها.
خلاصة القول: أن استطلاعات الرأي العام تظل، رغم كل ما يعتريها من مآخذ منهجية ومن محاولات توظيف مسيّس ومراوغ، أداة معرفية لا غنى عنها لأي مجتمع يسعى إلى فهم ذاته وإلى تصويب مسار سياساته العامة، بشرط أن تُجرى بنزاهة مهنية صارمة، وأن تُقرأ نتائجها بوعي نقدي يمتلك القدرة على التمييز بين الرقم وما وراءه، وبين العينة وما تمثله فعلاً، وبين السؤال البريء والسؤال المفخخ. ومما يدفع مؤسسات استطلاع الرأي لتحري الدقة وعدم المجازفة في تزييف النتائج وجود مؤسسات منافسة من شأنها أن تقدم قراءات مغايرة وتجعل تلك النتائج محل ارتياب وتفقدها فاعليتها المتوخاة.
شارك هذا المقال


































