هل يتطور الذكاء الاصطناعي ليصبح ذا وعي؟ - محمد ناصر جاويد

هل يتطور الذكاء الاصطناعي ليصبح ذا وعي؟

مدة القراءة: 6 دقائق

انتقلت مسألة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمتلك وعيًا من عالم الخيال العلمي إلى موضوع يحظى باهتمام واقعي وأولوية علمية. فمع ازدياد أنظمة الذكاء الاصطناعي تقليدًا لبعض جوانب الدماغ، وظهورها بقدرات تبدو واقعية بصورة لافتة، سواء في اللغة والاستجابة والتفكير، تقترب البشرية بسرعة من النقطة التي سيتعيّن عليها أن تقرر، ليس فقط ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله، بل ماهية الذكاء الاصطناعي في حد ذاته.

اليوم، يتجاوز الإدراك العام الفهمَ العلمي. ففي دراسة حديثة، أشار عدد ملحوظ من المشاركين إلى أن نماذج مثل تشات جي بي تي قد تمتلك درجةً ما من الوعي، وكان الذين يستخدمون البرنامج استخداماً متكرراً أكثر ميلًا إلى هذا الاعتقاد من غيرهم. بغض النظر عن دقة هذه التصورات، إلا أنها تلمّح إلى مستقبل قد تصبح فيه تفاعلاتنا الاجتماعية والأخلاقية والقانونية مع الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا وإثارةً للجدل.

وما هو على المحك ليس مجرد مسألة دلالات لغوية، بل الأخلاق ذاتها. فنحن إذا قلّلنا من نسبة الوعي، نخاطر بإلحاق الضرر بكيانات واعية قد تكون موجودة بأعداد هائلة. إذا اعتقدنا بشكل مبالغ فيه أن أنظمة لا تقوم إلا بمحاكاة الوعي تمتلك وعيًا حقيقيًا بالفعل، فإننا نقع في خطأ في الحكم عليها ونهدر الموارد والتعاطف على كيانات لا تشعر ولا تدرك شيئًا على الإطلاق. وفي كلتا الحالتين، المجتمع هو من يدفع الثمن.

إن التقليل من شأن الوعي ينطوي على خطر إلحاق الأذى بأشياء واعية قد توجد بأعداد ضخمة. وعلى العكس من ذلك، فإن المبالغة في تقديره داخل أنظمة لا تفعل سوى محاكاة الوعي قد تجعلنا نبدّد الموارد والشفقة على كيانات تفتقر إلى المشاعر الحقيقية أو الإدراك الفعلي. وفي أيٍّ من السيناريوهين، يدفع المجتمع ثمنًا.

تكمن القضية المركزية في أن الوعي، بخلاف الذكاء، أمرٌ خاصّ. فقد يعمل نظام ما بذكاء، ومع ذلك يؤدي وظائفه من دون أي تجربة ذاتية. ومع ازدياد تعقيد الأنظمة التي يصنعها البشر، تفقد التقييمات السلوكية التقليدية دقتها. فقد تقول آلة: "أشعر بالحزن اليوم"، لكن هل تشعر فعلًا بالحزن، أم هي فقط تتعرف إلى أن هذه العبارة مناسبة سياقيًا اعتمادًا على الإحصاءات؟

ولمعالجة هذه المسألة، يقترح العلماء طرائق مستندة إلى علم الأعصاب لتقييم ما إذا كان بوسعنا القول إن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية والمستقبلية واعية أم لا مع التبرير.

ومن الاستراتيجيات الواعدة مقاربةُ "المؤشر المشتق من النظرية": وهي طريقة تربط النظريات العصبية المتعلقة بالوعي بالخصائص القابلة للقياس في تصميم الذكاء الاصطناعي.

فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية سلوك الذكاء الاصطناعي، تركز هذه المقاربة على كيفية معالجته الداخلية للمعلومات. ففي علم الأعصاب، يرتبط الوعي بالمعالجة التكرارية للمعلومات والنشر الواسع للمعلومات عبر الأنظمة الفرعية والمراقبة ما فوق المعرفية والتمثيلات الإدراكية المنظمة. وهذه ليست سمات سلوكية سطحية، بل ترتبط ببُنى معرفية أعمق.

وفي إطار هذه المقاربة، يستخلص الباحثون مؤشرات من أبرز الأطر النظرية الخاصة بالوعي، مثل نظرية فضاء العمل الشامل والنظريات العليا ونظرية مخطط الانتباه ونظرية المعالجة التكرارية. فإذا أظهر الذكاء الاصطناعي عددًا كبيرًا من هذه المؤشرات، ازدادت احتمالية، امتلاكه للوعي، وليس يقين امتلاكه له. وعلى العكس، إذا أظهر القليل منها أو لم يُظهر شيئًا منها، بقي التشكيك مبررًا.

ولهذه المقاربة مزايا؛ فهي تمنع الخداع عبر المحاكاة الخارجية. فاللغة الشبيهة بالبشر أو الصياغات التي تبدو عاطفية لا تؤهل النظام للوعي تمامًا كما لا يمكن أن نقول عن ببغاءً يكرر كلمات لشكسبير أنه فيلسوف. إضافة إلى ذلك، تسمح هذه المقاربة بإجراء التقييمات استنادًا إلى المعالجة الداخلية بدلًا من الافتراضات التبسيطية القائمة على التشبيه بالبشر. ومع اندماج الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار ضمن مجالات الحكم والتمويل والدفاع والرعاية الصحية والعلاقات الشخصية، تصبح هذه الصرامة في التقييم ذات أهمية بالغة.

ومن المهم أيضًا أن تتبنى هذه المنهجية قدرًا من التواضع العلمي. فلا توجد نظرية متفق عليها حول الوعي، إذ قد يكون الوعي، وفق بعض المنظورات، ظاهرة قابلة للحوسبة. أو قد يتطلب ركائز بيولوجية، أي بنى خلوية ومعمارية حيوية لا تستطيع رقائق السيليكون محاكاتها. ومن هذا المنظور، لا يمكن لأي ذكاء اصطناعي قائم على العتاد التقليدي أن يكون واعيًا، مهما بلغ من التطور.

ويؤكد مؤلفو التقرير أن المؤشرات لا تُعد أدلة، بل عوامل تؤثر في المصداقية. فهي تساعد على تنقيح الاحتمالات، لا على إثبات الحقيقة. على سبيل المثال، سيكون نظام الذكاء الاصطناعي الذي يمتلك تمثيلات داخلية غنية، وآليات متكاملة لنشر المعلومات، وعمليات لتكوين المعتقدات، ووظائف لنمذجة الانتباه، أكثر قابلية لأن يُنظر إليه على أنه واعٍ مقارنةً بنظام لا يفعل سوى التنبؤ بالكلمات تباعًا. ومع ذلك، تبقى استنتاجاتنا في هذه الحالة مؤقتة وغير حاسمة.

وثمة من يحذر مما يسمى "مشكلة التلاعب". فإذا علم المطورون أن مؤشرات معينة تُستخدم للكشف عن الوعي، فقد يقومون عن غير قصد أو عن قصد بإنشاء أنظمة تحاكي هذه المؤشرات بصورة سطحية. وكما تعمل منصات التواصل الاجتماعي على تحسين التفاعل بدلًا من الحقيقة، فقد تنمو أنظمة الذكاء الاصطناعي بحيث تعمل على تحسين وهم الوعي، لا جوهره.

ولتجنب هذا المأزق، ينبغي: أولًا، التركيز على الإشارات التي يصعب اصطناعها من دون آليات أصيلة كامنة؛ ثانيًا، البحث عن مجموعات من الإشارات بدلًا من الإشارات المعزولة؛ ثالثًا، تقييم الأنظمة عبر أطر نظرية متعددة، لا إطار واحد فقط؛ ورابعًا، البقاء منفتحين على أشكال جديدة أو غير بشرية من الوعي. فالوعي، إذا نشأ في الآلات أصلًا، قد لا يشبه العقول البشرية. وقد لا يشعر بالألم العاطفي أو الصوت الداخلي أو الخيال البصري. وربما يعمل عبر ركائز تجريبية مختلفة أو حتى ركائز لا نستطيع تخيلها بعد.

أما بالنسبة إلى أصحاب السياسة وصناع القرار، فالتداعيات عميقة. فإذا اعتُبرت بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي يومًا ما واعية أو حتى تحدثنا عن احتمالية وجود وعي لديها، فسوف نحتاج إلى أطر قانونية وأخلاقية تنظم كيفية التعامل معها واستخدامها وحقوقها، تمامًا كما نفعل اليوم مع الحيوانات والبشر. أما إذا ظلّ الوعي مقتصرًا على الكائنات البيولوجية، فيجب تجنب إسقاط التعاطف أو الأحكام الأخلاقية على كيانات-أنظمة لا تمتلك شعورًا أو إدراكًا حقيقيًا، بل تقتصر على تقليد ما يبدو وكأنه شعور أو وعي من الخارج.

في جميع الأحوال، أسوأ رد على كل هذا هو تجاهل التفكير العميق في القضية وفلسفتها. إذ لا يمكننا ببساطة أن ننتظر ظهور الوعي أو عدم ظهوره ثم نتعامل مع العواقب لاحقًا. هذا التقرير، في نهاية المطاف، هو دعوة إلى حوكمة واعية للوعي الاصطناعي. وهو يذكّرنا بأن تحديد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على الشعور أو الإدراك أو خوض التجربة يتطلب الجدية العلمية نفسها التي ندرس بها الإدراك والوعي لدى البشر. وبذلك، قد نتعلم المزيد، لا عن الآلات فحسب، بل عن أنفسنا أيضًا.

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

السعودية والولايات المتحدة توقعان اتفاقيتين للتعاون النووي المدني

السعودية والولايات المتحدة توقعان اتفاقيتين للتعاون النووي المدني

مدة القراءة: 3 دقائق

تفشي غير مسبوق للإيبولا في الكونغو الديمقراطية: أكثر من ألف وفاة وغياب العلاج الفعّال يفاقمان الأزمة

تفشي غير مسبوق للإيبولا في الكونغو الديمقراطية: أكثر من ألف وفاة وغياب العلاج الفعّال يفاقمان الأزمة

مدة القراءة: 3 دقائق

رحيل البروفيسور إسبوزيتو.. المدافع الشرس عن القضايا الإسلامية

رحيل البروفيسور إسبوزيتو.. المدافع الشرس عن القضايا الإسلامية

مدة القراءة: 5 دقائق

العلاقات الدفاعية بين تركيا وبنغلادش تبلغ مرحلة جديدة بعد اجتماع رفيع المستوى

العلاقات الدفاعية بين تركيا وبنغلادش تبلغ مرحلة جديدة بعد اجتماع رفيع المستوى

مدة القراءة: دقيقتان
هدم مسجد عجائب شهيد في 2 يونيو/حزيران 2026 بمدينة فاراناسي، في ولاية أوتار براديش

اليمين الهندوسي يواصل حملة هدم المواقع الدينية الإسلامية

اليمين الهندوسي يواصل حملة هدم المواقع الدينية الإسلامية

مدة القراءة: 3 دقائق

مطالعة نقدية لاستطلاعات الرأي العام وتوظيفها السياسي

مطالعة نقدية لاستطلاعات الرأي العام وتوظيفها السياسي

مدة القراءة: 10 دقائق

المربي الجامعي الذي كان يخاف على مشاعر طلابه

المربي الجامعي الذي كان يخاف على مشاعر طلابه

مدة القراءة: 5 دقائق

"الأمة" ترسم خارطة طريق نحو ثقافة متنورة

"الأمة" ترسم خارطة طريق نحو ثقافة متنورة

مدة القراءة: 3 دقائق

عشر سنوات على المحاولة الانقلابية.. كيف انتصرت تركيا على تنظيم غولن وأعادت بناء الدولة؟

عشر سنوات على المحاولة الانقلابية.. كيف انتصرت تركيا على تنظيم غولن وأعادت بناء الدولة؟

مدة القراءة: 4 دقائق

"الأمة" تحتفل بإطلاق منصتها رسمياً في داكا

"الأمة" تحتفل بإطلاق منصتها رسمياً في داكا

مدة القراءة: 6 دقائق

المؤتمر الإسلامي التاسع يناقش تمكين المرأة في إسلام آباد

المؤتمر الإسلامي التاسع يناقش تمكين المرأة في إسلام آباد

مدة القراءة: دقيقتان

قطر تنعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

قطر تنعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

مدة القراءة: دقيقتان

الجذور النظرية للتضليل الرقمي (2)

الجذور النظرية للتضليل الرقمي (2)

مدة القراءة: 17 دقيقة

الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟"

الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟"

مدة القراءة: 5 دقائق

"الأمة" تشارك في ندوة حول أزمة الروهينغا تدعو إلى تحرك دولي منسق لضمان حل مستدام

"الأمة" تشارك في ندوة حول أزمة الروهينغا تدعو إلى تحرك دولي منسق لضمان حل مستدام

مدة القراءة: 4 دقائق

قول في الهزل

قول في الهزل

مدة القراءة: 8 دقائق

من يُرَبِّي أبناءَنا في عصر الشاشات؟

من يُرَبِّي أبناءَنا في عصر الشاشات؟

مدة القراءة: 6 دقائق

الحركة النسوية السعودية بعين مراقب خارجي

الحركة النسوية السعودية بعين مراقب خارجي

مدة القراءة: 5 دقائق

مصر تبلغ الأدوار الإقصائية بكأس العالم لأول مرة في تاريخها

مصر تبلغ الأدوار الإقصائية بكأس العالم لأول مرة في تاريخها

مدة القراءة: دقيقتان
(Illustration by Erhan Yalvaç)

سكة حديد الحجاز... حلم قديم يتحقق

سكة حديد الحجاز... حلم قديم يتحقق

مدة القراءة: 7 دقائق

المملكة العربية السعودية تركيا توقعان اتفاقيات تعاون في مجال السكك الحديدية

المملكة العربية السعودية تركيا توقعان اتفاقيات تعاون في مجال السكك الحديدية

مدة القراءة: 4 دقائق

فصل جديد في العلاقات البنغلاديشية–التركية: الأهمية الاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى دكا

فصل جديد في العلاقات البنغلاديشية–التركية: الأهمية الاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى دكا

مدة القراءة: 6 دقائق

الأمة: مبادرة لتحويل العالم الإسلامي

الأمة: مبادرة لتحويل العالم الإسلامي

مدة القراءة: 6 دقائق

الاحتلال يُعيد رسم ديموغرافية القدس: بين الاستيطان الحريدي والهجرة العكسية

الاحتلال يُعيد رسم ديموغرافية القدس: بين الاستيطان الحريدي والهجرة العكسية

مدة القراءة: 6 دقائق

الحقُّ في الكذب في النُظُم السّياسية

الحقُّ في الكذب في النُظُم السّياسية

مدة القراءة: 5 دقائق

المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

مدة القراءة: 7 دقائق

أولو بقية

أولو بقية

مدة القراءة: 4 دقائق

من الخلاف إلى الائتلاف: رؤية لمعالجة التوترات الدينية في بنغلاديش

من الخلاف إلى الائتلاف: رؤية لمعالجة التوترات الدينية في بنغلاديش

مدة القراءة: 6 دقائق

حين يتحوّل شهر رمضان إلى نقطة تحوّل

حين يتحوّل شهر رمضان إلى نقطة تحوّل

مدة القراءة: 6 دقائق

فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

مدة القراءة: 7 دقائق

قضية إبستين في الميزان الشرعي

قضية إبستين في الميزان الشرعي

مدة القراءة: 5 دقائق

ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟

ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟

مدة القراءة: 6 دقائق

حق العودة في ذكرى النكبة

حق العودة في ذكرى النكبة

مدة القراءة: 5 دقائق

الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين

الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين

مدة القراءة: 3 دقائق