المملكة العربية السعودية تركيا توقعان اتفاقيات تعاون في مجال السكك الحديدية
بقلم
في وقت يشهد فيه العالم إعادة تقييم شاملة لمسارات التجارة وسلاسل الإمداد الدولية، عادت مشاريع الربط السككي الإقليمي إلى واجهة الاهتمام السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. وجاء توقيع السعودية وتركيا مذكرتي تفاهم للتعاون في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية ليعكس توجهاً يتجاوز حدود التعاون الثنائي، نحو بناء شبكة نقل إقليمية قد تعيد رسم خريطة التجارة بين الخليج العربي وبلاد الشام والأناضول وأوروبا.
وجرى توقيع الاتفاقيتين في الرياض بحضور وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو. وتشمل الاتفاقية الأولى التعاون في مجال الخدمات اللوجستية وإنشاء وإدارة المراكز اللوجستية، فيما تستهدف الثانية توسيع التعاون في مختلف مجالات قطاع السكك الحديدية، بما في ذلك البنية التحتية والتشغيل والتقنيات الحديثة.
يأتي هذا التطور في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالممرات البرية البديلة، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل التوريد بسبب جائحة كوفيد-19، ثم التوترات الجيوسياسية التي أثرت على عدد من الممرات البحرية الحيوية. وقد أعادت هذه الأزمات التأكيد على أهمية تنويع طرق النقل وعدم الاعتماد على مسارات محدودة، سواء عبر مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو غيرها من الممرات البحرية الحساسة.
وفي هذا السياق يبرز مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا، مروراً بالأردن وسوريا، بوصفه أحد أكثر المشاريع طموحاً في المنطقة. فالمشروع يهدف إلى إنشاء ممر بري متكامل يمتد من الرياض إلى إسطنبول لمسافة تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر، مع إمكانية ربطه مستقبلاً بشبكات النقل الخليجية والأوروبية، بما يخلق جسراً لوجستياً يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والقارة الأوروبية.
وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية بالنظر إلى التطورات الجارية في العراق ومشاريع الربط الإقليمي الأخرى، إذ تتقاطع مع الجهود الرامية إلى إنشاء ممرات تجارية جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. كما أن الشبكة السعودية للسكك الحديدية وصلت بالفعل إلى الحدود الأردنية عبر منفذ الحديثة، ما يوفر نقطة انطلاق مهمة نحو التوسع شمالاً وربط المملكة بالأردن وسوريا وتركيا.
إحياء خط السكة الحديد الحجازي
أهمية المشروع لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية المعاصرة، بل تمتد إلى بعد تاريخي عميق يتمثل في إحياء أحد أشهر مشاريع النقل في تاريخ المنطقة، وهو سكة حديد الحجاز. أُنشئ هذا الخط بين عامي 1900 و1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وكان يربط دمشق بالمدينة المنورة عبر شبكة امتدت لاحقاً مع فروعها المختلفة إلى نحو 1900 كيلومتر.
الهدف من مشروع سكة الحجاز كان تسهيل انتقال الحجاج إلى الحجاز، لكنه كان أيضاً مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي والإداري بين ولايات الدولة العثمانية، وربط الأناضول وبلاد الشام والجزيرة العربية بشبكة نقل حديثة وفق معايير ذلك العصر.
وقد أدركت القوى الاستعمارية في ذلك الوقت الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع. فبريطانيا، التي كانت تسيطر على طرق الملاحة البحرية المؤدية إلى الهند وتعمل على توسيع نفوذها في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، رأت في الخط الحجازي تهديداً لهيمنتها ولنفوذها. ولهذا ارتبط تاريخ السكة بالصراع الدولي الذي سبق الحرب العالمية الأولى، وتعرضت أجزاء واسعة منها للتخريب والتدمير خلال سنوات الحرب، قبل أن تتفكك الشبكة مع سقوط الدولة العثمانية وقيام الحدود السياسية الحديثة في المنطقة.
واليوم، بعد أكثر من قرن على توقف معظم أجزاء الخط، يبدو أن الظروف الاقتصادية العالمية تعيد إحياء الفكرة ذاتها، ولكن بأدوات وأهداف جديدة. فالمشروع المطروح اليوم لا يستهدف إعادة بناء خط تاريخي فحسب، بل إنشاء شبكة نقل حديثة قادرة على خدمة التجارة والاستثمار والصناعة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجغرافية.
ويعتقد خبراء النقل أن نجاح هذا المشروع قد يفتح المجال أمام تكامل أوسع مع مشروع شبكة القطار الخليجية، التي تهدف إلى ربط دول مجلس التعاون بشبكة موحدة. وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح من الممكن مستقبلاً الانتقال بالقطار من تركيا عبر سوريا والأردن إلى السعودية، ومن ثم إلى بقية دول الخليج ضمن منظومة نقل متصلة تربط الأسواق والمنتجين والموانئ في فضاء اقتصادي واحد.


