المملكة العربية السعودية تركيا توقعان اتفاقيات تعاون في مجال السكك الحديدية

مدة القراءة: 4 دقائق

في وقت يشهد فيه العالم إعادة تقييم شاملة لمسارات التجارة وسلاسل الإمداد الدولية، عادت مشاريع الربط السككي الإقليمي إلى واجهة الاهتمام السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط. وجاء توقيع السعودية وتركيا مذكرتي تفاهم للتعاون في مجالي السكك الحديدية والخدمات اللوجستية ليعكس توجهاً يتجاوز حدود التعاون الثنائي، نحو بناء شبكة نقل إقليمية قد تعيد رسم خريطة التجارة بين الخليج العربي وبلاد الشام والأناضول وأوروبا.

وجرى توقيع الاتفاقيتين في الرياض بحضور وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي صالح الجاسر ووزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو. وتشمل الاتفاقية الأولى التعاون في مجال الخدمات اللوجستية وإنشاء وإدارة المراكز اللوجستية، فيما تستهدف الثانية توسيع التعاون في مختلف مجالات قطاع السكك الحديدية، بما في ذلك البنية التحتية والتشغيل والتقنيات الحديثة.

يأتي هذا التطور في ظل تزايد الاهتمام العالمي بالممرات البرية البديلة، خاصة بعد الاضطرابات التي شهدتها سلاسل التوريد بسبب جائحة كوفيد-19، ثم التوترات الجيوسياسية التي أثرت على عدد من الممرات البحرية الحيوية. وقد أعادت هذه الأزمات التأكيد على أهمية تنويع طرق النقل وعدم الاعتماد على مسارات محدودة، سواء عبر مضيق هرمز أو البحر الأحمر أو غيرها من الممرات البحرية الحساسة.

وفي هذا السياق يبرز مشروع الربط السككي بين السعودية وتركيا، مروراً بالأردن وسوريا، بوصفه أحد أكثر المشاريع طموحاً في المنطقة. فالمشروع يهدف إلى إنشاء ممر بري متكامل يمتد من الرياض إلى إسطنبول لمسافة تتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر، مع إمكانية ربطه مستقبلاً بشبكات النقل الخليجية والأوروبية، بما يخلق جسراً لوجستياً يربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والقارة الأوروبية.

وتكتسب هذه المبادرة أهمية إضافية بالنظر إلى التطورات الجارية في العراق ومشاريع الربط الإقليمي الأخرى، إذ تتقاطع مع الجهود الرامية إلى إنشاء ممرات تجارية جديدة تربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط. كما أن الشبكة السعودية للسكك الحديدية وصلت بالفعل إلى الحدود الأردنية عبر منفذ الحديثة، ما يوفر نقطة انطلاق مهمة نحو التوسع شمالاً وربط المملكة بالأردن وسوريا وتركيا.

إحياء خط السكة الحديد الحجازي

أهمية المشروع لا تقتصر على أبعاده الاقتصادية المعاصرة، بل تمتد إلى بعد تاريخي عميق يتمثل في إحياء أحد أشهر مشاريع النقل في تاريخ المنطقة، وهو سكة حديد الحجاز. أُنشئ هذا الخط بين عامي 1900 و1908 في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وكان يربط دمشق بالمدينة المنورة عبر شبكة امتدت لاحقاً مع فروعها المختلفة إلى نحو 1900 كيلومتر.

الهدف من مشروع سكة الحجاز كان تسهيل انتقال الحجاج إلى الحجاز، لكنه كان أيضاً مشروعاً استراتيجياً يهدف إلى تعزيز الترابط الاقتصادي والإداري بين ولايات الدولة العثمانية، وربط الأناضول وبلاد الشام والجزيرة العربية بشبكة نقل حديثة وفق معايير ذلك العصر.

وقد أدركت القوى الاستعمارية في ذلك الوقت الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع. فبريطانيا، التي كانت تسيطر على طرق الملاحة البحرية المؤدية إلى الهند وتعمل على توسيع نفوذها في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية، رأت في الخط الحجازي تهديداً لهيمنتها ولنفوذها. ولهذا ارتبط تاريخ السكة بالصراع الدولي الذي سبق الحرب العالمية الأولى، وتعرضت أجزاء واسعة منها للتخريب والتدمير خلال سنوات الحرب، قبل أن تتفكك الشبكة مع سقوط الدولة العثمانية وقيام الحدود السياسية الحديثة في المنطقة.

واليوم، بعد أكثر من قرن على توقف معظم أجزاء الخط، يبدو أن الظروف الاقتصادية العالمية تعيد إحياء الفكرة ذاتها، ولكن بأدوات وأهداف جديدة. فالمشروع المطروح اليوم لا يستهدف إعادة بناء خط تاريخي فحسب، بل إنشاء شبكة نقل حديثة قادرة على خدمة التجارة والاستثمار والصناعة في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية من الناحية الجغرافية.

ويعتقد خبراء النقل أن نجاح هذا المشروع قد يفتح المجال أمام تكامل أوسع مع مشروع شبكة القطار الخليجية، التي تهدف إلى ربط دول مجلس التعاون بشبكة موحدة. وإذا تحقق ذلك، فقد يصبح من الممكن مستقبلاً الانتقال بالقطار من تركيا عبر سوريا والأردن إلى السعودية، ومن ثم إلى بقية دول الخليج ضمن منظومة نقل متصلة تربط الأسواق والمنتجين والموانئ في فضاء اقتصادي واحد.

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

السعودية والولايات المتحدة توقعان اتفاقيتين للتعاون النووي المدني

السعودية والولايات المتحدة توقعان اتفاقيتين للتعاون النووي المدني

مدة القراءة: 3 دقائق

تفشي غير مسبوق للإيبولا في الكونغو الديمقراطية: أكثر من ألف وفاة وغياب العلاج الفعّال يفاقمان الأزمة

تفشي غير مسبوق للإيبولا في الكونغو الديمقراطية: أكثر من ألف وفاة وغياب العلاج الفعّال يفاقمان الأزمة

مدة القراءة: 3 دقائق

رحيل البروفيسور إسبوزيتو.. المدافع الشرس عن القضايا الإسلامية

رحيل البروفيسور إسبوزيتو.. المدافع الشرس عن القضايا الإسلامية

مدة القراءة: 5 دقائق

العلاقات الدفاعية بين تركيا وبنغلادش تبلغ مرحلة جديدة بعد اجتماع رفيع المستوى

العلاقات الدفاعية بين تركيا وبنغلادش تبلغ مرحلة جديدة بعد اجتماع رفيع المستوى

مدة القراءة: دقيقتان
هدم مسجد عجائب شهيد في 2 يونيو/حزيران 2026 بمدينة فاراناسي، في ولاية أوتار براديش

اليمين الهندوسي يواصل حملة هدم المواقع الدينية الإسلامية

اليمين الهندوسي يواصل حملة هدم المواقع الدينية الإسلامية

مدة القراءة: 3 دقائق

مطالعة نقدية لاستطلاعات الرأي العام وتوظيفها السياسي

مطالعة نقدية لاستطلاعات الرأي العام وتوظيفها السياسي

مدة القراءة: 10 دقائق

المربي الجامعي الذي كان يخاف على مشاعر طلابه

المربي الجامعي الذي كان يخاف على مشاعر طلابه

مدة القراءة: 5 دقائق

"الأمة" ترسم خارطة طريق نحو ثقافة متنورة

"الأمة" ترسم خارطة طريق نحو ثقافة متنورة

مدة القراءة: 3 دقائق

عشر سنوات على المحاولة الانقلابية.. كيف انتصرت تركيا على تنظيم غولن وأعادت بناء الدولة؟

عشر سنوات على المحاولة الانقلابية.. كيف انتصرت تركيا على تنظيم غولن وأعادت بناء الدولة؟

مدة القراءة: 4 دقائق

"الأمة" تحتفل بإطلاق منصتها رسمياً في داكا

"الأمة" تحتفل بإطلاق منصتها رسمياً في داكا

مدة القراءة: 6 دقائق

المؤتمر الإسلامي التاسع يناقش تمكين المرأة في إسلام آباد

المؤتمر الإسلامي التاسع يناقش تمكين المرأة في إسلام آباد

مدة القراءة: دقيقتان

قطر تنعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

قطر تنعى الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني

مدة القراءة: دقيقتان

الجذور النظرية للتضليل الرقمي (2)

الجذور النظرية للتضليل الرقمي (2)

مدة القراءة: 17 دقيقة

الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟"

الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟"

مدة القراءة: 5 دقائق

"الأمة" تشارك في ندوة حول أزمة الروهينغا تدعو إلى تحرك دولي منسق لضمان حل مستدام

"الأمة" تشارك في ندوة حول أزمة الروهينغا تدعو إلى تحرك دولي منسق لضمان حل مستدام

مدة القراءة: 4 دقائق

قول في الهزل

قول في الهزل

مدة القراءة: 8 دقائق

من يُرَبِّي أبناءَنا في عصر الشاشات؟

من يُرَبِّي أبناءَنا في عصر الشاشات؟

مدة القراءة: 6 دقائق

الحركة النسوية السعودية بعين مراقب خارجي

الحركة النسوية السعودية بعين مراقب خارجي

مدة القراءة: 5 دقائق

مصر تبلغ الأدوار الإقصائية بكأس العالم لأول مرة في تاريخها

مصر تبلغ الأدوار الإقصائية بكأس العالم لأول مرة في تاريخها

مدة القراءة: دقيقتان
(Illustration by Erhan Yalvaç)

سكة حديد الحجاز... حلم قديم يتحقق

سكة حديد الحجاز... حلم قديم يتحقق

مدة القراءة: 7 دقائق

فصل جديد في العلاقات البنغلاديشية–التركية: الأهمية الاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى دكا

فصل جديد في العلاقات البنغلاديشية–التركية: الأهمية الاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى دكا

مدة القراءة: 6 دقائق

الأمة: مبادرة لتحويل العالم الإسلامي

الأمة: مبادرة لتحويل العالم الإسلامي

مدة القراءة: 6 دقائق

الاحتلال يُعيد رسم ديموغرافية القدس: بين الاستيطان الحريدي والهجرة العكسية

الاحتلال يُعيد رسم ديموغرافية القدس: بين الاستيطان الحريدي والهجرة العكسية

مدة القراءة: 6 دقائق

الحقُّ في الكذب في النُظُم السّياسية

الحقُّ في الكذب في النُظُم السّياسية

مدة القراءة: 5 دقائق

المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

مدة القراءة: 7 دقائق

أولو بقية

أولو بقية

مدة القراءة: 4 دقائق

من الخلاف إلى الائتلاف: رؤية لمعالجة التوترات الدينية في بنغلاديش

من الخلاف إلى الائتلاف: رؤية لمعالجة التوترات الدينية في بنغلاديش

مدة القراءة: 6 دقائق

حين يتحوّل شهر رمضان إلى نقطة تحوّل

حين يتحوّل شهر رمضان إلى نقطة تحوّل

مدة القراءة: 6 دقائق

فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

مدة القراءة: 7 دقائق

قضية إبستين في الميزان الشرعي

قضية إبستين في الميزان الشرعي

مدة القراءة: 5 دقائق

ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟

ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟

مدة القراءة: 6 دقائق

حق العودة في ذكرى النكبة

حق العودة في ذكرى النكبة

مدة القراءة: 5 دقائق

الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين

الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين

مدة القراءة: 3 دقائق

فؤاد سزكين: الرجل الذي أعاد اكتشاف تاريخ العلوم الإسلامية

فؤاد سزكين: الرجل الذي أعاد اكتشاف تاريخ العلوم الإسلامية

مدة القراءة: 9 دقائق