ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟ - لماذا ننشئ موقعاً إسلامياً جديداً؟ - بقلم عصام محمد الشحادات

ما الجديد في مجلة أو موقع ذي صبغة إسلامية؟

مدة القراءة: 6 دقائق

من هو المسلم؟

أولاً، لنعرِّف معنى "إسلامي"، قبل أن يشطح خيال البعض ويظن أنه أمام موقع متشدد ظلامي إقصائي إلى آخر تلك الصفات السلبية التي أُلصقت بكلمة إسلام وإسلامي حتى تشوهت الكلمة في الأذهان وأُفرغت من جماليتها وروحها.

وللأسف، أن الإعلام العربي والمسلم، من صحافة وأفلام ومسلسلات، لعب دوراً كبيراً –ولا يزال– في تثبيت هذه الصورة البشعة في العقلية العربية المسلمة قبل الغربية. حتى صار "الإسلامي" في المخيال العام هو الرجل صاحب اللحية الطويلة والسحنة الغاضبة، بيده رشاش يطلق النار على كل ما هو نوراني.

ونذكر مثالاً حديثاً على ذلك ما أنتجته آلة الإعلام السوري في عهد نظام بشار الأسد المخلوع وأبيه، والتي كان هدفها تمرير رسالة مفادها أن "الدولة" السورية تشن حرباً على "الإرهابيين الإسلاميين" البشعين.

والحقيقة التي يعرفها الجميع هي عكس ذلك، حتى إن تعمد البعض إخفاءها أو عدم الاعتراف بها. لأننا إن "حسبنا" الأمر لغوياً فقط، فالإسلام بمعناه الشامل يعني الاستسلام والانقياد. فهل هناك درجة أعلى من السكينة والتسليم من هذا؟ أنت تستسلم بكامل وجودك للخالق وتنقاد لأوامره. والخالق، الذي خلق المسلم والمسيحي والبوذي والملحد، هو الهادي. وإلى ما يهدي؟ إلى الصراط المستقيم. وما هي نهاية هذا الصراط؟ جنة عرضها السماوات والأرض.

والمسلم أيضاً هو "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (البخاري ومسلم). فمن صدرت عنه أفعال غير هذه، فهو ليس بمسلم ولو نطق بالشهادتين. والأمر نفسه ينطبق على حديث "من غشنا فليس منا". هذا هو دين الإسلام؛ دين "إن من خيركم أحسنكم خلقاً". فأين هذا من صورة "الإسلامي" المتشدد الكاره للآخر بكل صوره؟

في النتيجة، لا يمكن لصورة "الإسلامي" المشوهة التي يروج لها القاصي والداني أن تنطبق على المسلم الحق، للتناقض الشاسع بين الشخصيتين والفكرين والهدف في هذه الحياة. لأن المسلم الحق محكوم بضوابط إلهية فرضها عليه أحكم الحاكمين.

فالأمر مثل من يحمل جنسيتين؛ هو في الأصل سوري أو جزائري لكنه يستخدم جواز سفره الفرنسي أو الكندي. فهو حين يعبر الحدود، يعبرها بصفته الفرنسية أو الكندية وليس السورية أو الجزائرية. كذلك من يغش أو من يتعامل مع الناس بغير أخلاق، فهو يفعل هذا بصفته البشرية لا بصفته الإسلامية، التي تسقط عنه شرعاً بمجرد أن يقترف ما لا يقبل به الإسلام.

منصة "الأمة"

لكن الحقيقة أيضاً أن منصة "الأمة" ليست "إسلامية" بالمعنى الحرفي الضيق للكلمة، وليست مشروعاً وعظياً تقليدياً أو منبراً مغلقاً على نفسه. فالفكرة من إنشائها كانت الحاجة إلى منبر للنقاشات الجادّة حول القضايا التي تهم المسلمين حول العالم، وإلى مساحة تحاول أن تعيد وصل ما انقطع بين المسلمين فكرياً وثقافياً وإنسانياً.

صحيح أنها موجهة في الدرجة الأولى للمسلمين، لكن رسالتها في المقام الأول هي الدعوة إلى العودة للأخلاق والارتقاء بواقع المسلمين فكرياً وثقافياً وإعلامياً، والسعي إلى لعب دور الإرشاد الفكري عبر تشجيع النقاش الواعي وطرح رؤى متجذّرة في الكرامة والتعايش والتقدم الحضاري، وإعادة النظر في أنماط التفكير السائدة التي تتعارض مع نمط حياة يقوم على العقلانية والسكينة والسلم الاجتماعي.

فنحن نعيش اليوم، شئنا أم أبينا، أزمات متراكبة:

  • أزمة إعلام إسلامي تحوّل في كثير من الأحيان إلى خطاب انفعالي أو استقطابي،

  • وأزمة معرفة جعلت كثيراً من المسلمين يجهلون بعضهم بعضاً،

  • وأزمة خطاب ديني يعاني أحياناً من الجمود أو الانغلاق،

  • وأزمة محتوى سطحي سريع تفرضه طبيعة وسائل التواصل الحديثة،

  • فضلاً عن الانقسامات القومية واللغوية التي جعلت شعوب العالم الإسلامي تعيش متجاورة في العقيدة ومتباعدة في المعرفة.

وربما من أكثر الأمور غرابة اليوم أن المسلم قد يعرف تفاصيل السياسة الأمريكية أكثر مما يعرفه عن أوضاع المسلمين في بنغلادش أو نيجيريا أو البوسنة أو أمريكا اللاتينية. بل إن كثيراً من النقاشات الفكرية والتجارب الثقافية المهمة داخل العالم الإسلامي تبقى حبيسة لغاتها المحلية ولا تصل إلى غيرها.

فماذا يقرأ البنغالي عن سوريا؟ وماذا يعرف العربي عن مسلمي أمريكا اللاتينية؟ وماذا ينتج الأتراك فكرياً ولا يصل إلى العرب؟ وماذا يناقش الماليزيون ولا يُترجم؟

من هنا جاءت فكرة "الأمة":

أملنا في "الأمة" أن نكون على خطى الرسول العربي صلى الله عليه وسلم حين قال: "بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فبالعودة إلى سؤال: ما الجديد الذي سيقدمه موقعنا أمام ما تزخر به الإنترنت من مواقع ومنصات إسلامية؟ نقول إننا نتابع كل ذلك ونتفاعل معه، لكننا أردنا أن يكون لنا نصيبنا من الأجر، وأن نساهم –بما لدينا– في تلك الحركة الإعلامية والفكرية الموجهة للرأي العام المسلم وغير المسلم. لكننا أيضاً نطمح إلى أن نكون مساحة معرفية وإعلامية تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا، وتفتح باباً لتبادل الأفكار والتجارب والخبرات بين المسلمين في أنحاء العالم.

يقول المثل العربي: "زيادة الخير خيرين". لكن الأمر لا يقف عند هذا؛ لأننا إن أخذنا المسألة من وجهة نظر إعلامية ومعرفية، لا يكفي مجرد الرغبة في المساهمة، بل لا بد من تقديم شيء مختلف يشد القارئ ويجذبه ويضيف إلى معرفته.

ونحن في منصة "الأمة" نصبو –بإذن الله– إلى تقديم محتوى فيه الجديد وفيه الفائدة، وما من شأنه التأثير -ولو "بشق تمرة"- على حياتنا ونمط تفكيرنا نحو الأفضل بطبيعة الحال، لا نحو الإثارة الفارغة أو الاستقطاب أو التأثير السلبي.

ولعل من أبرز أدوات هذا التميز أن مجلة "الأمة" ومنصتها على الإنترنت ستصدر باللغات العربية والإنجليزية والبنغالية والتركية، مع اهتمام خاص بالترجمة المتبادلة للمقالات والدراسات والمواد المهمة للرأي العام المسلم.

فنحن لا نريد أن تبقى الأفكار والتجارب حبيسة لغاتها. بل سنعمل على نقل المقالات المهمة من البنغالية إلى العربية، ومن الإنجليزية إلى التركية، ومن العربية إلى غيرها، حتى تعم الفائدة. فنحن حين ننشر بهذه اللغات، يعني أننا نستهدف الشعوب الإسلامية التي تتحدث بها؛ وأننا، بحسبة بسيطة، نخاطب شريحة واسعة جداً تتعدى الملايين من المسلمين الذين لكل منهم هم يغنيه، ولكن يبقى هناك قاسم مشترك بينهم. نقاط جامعة يجب ألا يغفل عنها أحد. مثل قضية فلسطين التي لا شك تجمع المسلمين من شتى أنحاء الأرض. وهناك بالطبع قضايا سياسية مشتركة واقتصادية مشتركة إلى غير ذلك.

هذا، والكتّاب المشاركون في "الأمة" من جنسيات وخلفيات متعددة، من البنغالي والباكستاني إلى الأمريكي مروراً بالمصري والجزائري وغيرهم. والمنصة لن تقتصر على المقالات الفكرية وحدها، بل ستفتح المجال أيضاً للتحقيقات والدراسات والترجمات ومراجعات الكتب، وكل ما من شأنه أن يقدّم معرفة جادّة ومحتوى هادفاً وواسع الأثر بلغة ميسّرة.

ختاماً نقول إن "الأمة" ليست مجرد موقع جديد يُضاف إلى عشرات المواقع والمنصات التي تعج بها الانترنت، بل محاولة لمدّ الجسور بين المسلمين وردم شيء من تلك المسافات الفكرية والثقافية التي تراكمت بينهم عبر السنين. نريدها مساحةً يتعرّف فيها المسلم على قضايا أخيه المسلم أينما كان، ويتبادل معه المعرفة والتجربة والهمّ، بعيداً عن الضجيج والسطحية والانغلاق.

فإذا ما نجحنا في فتح باب لنقاش واعٍ، أو نقل فكرة نافعة من لغة إلى أخرى، أو جعل قارئ في بنغلادش يفهم ما يجري في سوريا، أو توجيه متابع عربي للاطلاع على تجربة المسلمين في الدنمارك، نكون قد حققنا معنى من معاني حديث الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".