فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

فن حُسن الخط.. تاريخ الخط الإسلامي

مدة القراءة: 7 دقائق

كلمة الخط hat في اللغة التركية، في استعمالها الاصطلاحي، مشتقة من المصدر العربي خَطَ، ومعناه: كتب وخط أو الطريق والنهج. ويُقصد بالخط به فن كتابة الحروف العربية كتابةً جميلة، وفق مبادئ جمالية وضوابط فنية دقيقة، أو ما يُعرف باسم حُسن الخط (ḥüsn-i hat). غالبًا ما تصف المصادر المختصة هذا الفن بأنه "هندسة روحية تجلت بأدوات جسدية"، وهو تعريف بالغ الدقة، إذ يختزل الحس الجمالي العميق الذي تطوره فيه فن الخط وازدهر عبر القرون.

في اللغات الأجنبية، يُترجم مصطلح حُسن الخط بكلمة calligraphy بمعنى الخط الجميل. وتعرف الموسوعات الخط بأنه "فن الكتابة الجميلة، يخطه الخطاط وفق قواعد جمالية ونِسَب مضبوطة".

ومع أن العرب كانوا أول من مارس هذا الفن باستخدام الكتابة العربية، إلا أن الخط تحول، خلال بضعة قرون بعد الهجرة، تحول إلى تراث ثقافي مشترك للعالم الإسلامي بأسره، واكتسب بذلك صفة الخط الإسلامي. وقد أظهرت الأبحاث حول النقوش العربية في عصر ما قبل الإسلام أن نظام الكتابة العربية يعود في أصوله إلى الخط النبطي الذي كان يكتب بحروف متصلة والمرتبط بدوره بالأبجدية الفينيقية.

ومع انتقال الكتابة العربية إلى مكة والمدينة، أُطلقت عليها تسميات متعددة. فقد عُرفت في البداية باسم الجزم، ثم سُميت في المدينة مدني، قبل أن تنقسم تدريجيًا إلى أسلوبين رئيسين: المائل، الذي يتميز باستطالة الحروف العمودية وميلها من اليمين إلى اليسار، والمشق الذي تتوسع فيه الامتدادات الأفقية للحروف إلى حد كبير.

وعندما جعل علي بن أبي طالب من الكوفة مركزًا حضاريًا، شهد الخط فيها تطورًا ملحوظًا وعُرف منذ ذلك الحين باسم الخط الكوفي. ومنذ تلك المرحلة، اكتسب الخط الكوفي شهرة عامة، وأصبح مصطلحًا جامعًا للأنماط السابقة التي كانت تُعرف بالمكي أو المدني، منذ ظهور الإسلام حتى العصر العباسي.

ظل الخط الكوفي هو الغالب لنحو مئة وخمسين سنة خلال العصر العباسي. وفي تلك الحقبة، وضع الوزير والخطاط البغدادي الشهير ابن مقلة (توفي سنة 940) نظريةً متكاملة للنِسَب بالاستناد إلى معارفه الهندسية. فقد اعتمد النقطة والألف والدائرة وحداتٍ معيارية لقياس أشكال الحروف، ومن خلال هذا الإطار قَعَّد قواعد ستة خطوط هي: المحقق والريحاني والثلث والنسخ والتوقيع والرقعة، وهي المعروفة مجتمعة باسم الأقلام الستة.

بعدها بقرن تقريبًا، واصل الخطاط العربي علي بن هلال (توفي سنة 1032)، الذي تعلم في بغداد، تهذيب هذه الخطوط وتطويرها. واستمر تطور فن الخط حتى بلغ درجة جديدة من الوضوح والرهافة في عهد الدولة العباسية على يد الخطاط الكبير ياقوت المستعصمي (توفي سنة 1298)، الذي صاغ قواعده بدقة أكبر وأسلوب أنقى.

بعد سقوط بغداد سنة 1258م، انتقلت ريادة الخط إلى أيدي الأساتذة الأتراك والإيرانيين. فقد أعاد الخطاطون الإيرانيون تفسير الأقلام الستة وفق ذائقتهم الفنية الخاصة، مع الحفاظ على وفائهم لأسلوب ياقوت. أما العثمانيون الأتراك، فقد أسسوا مدرسةً في الخط لا نظير لها. ففي القرن السادس عشر، أضفى الشيخ حمد الله (توفي سنة 1520)، الذي يُعد مؤسس الخط العثماني التركي، جمالًا ونضجًا غير مسبوقين على الأقلام الستة. وفي عهده انتشر خطا الثلث والنسخ وهما الأقرب إلى الذوق الجمالي التركي انتشارًا واسعًا، وأصبح خط النسخ الخط الحصري لنسخ المصاحف.

كان تأثير الشيخ حمد الله طاغيًا إلى درجة أن الخطاطين اللاحقين جعلوا معيار التفوق هو مدى الاقتراب من أسلوبه؛ فكان يُشاد بالمتقنين بعبارات مثل: "يكتب كأنه الشيخ" أو "الشيخ الثاني". وقد استمر هذا الإجلال لأكثر من قرن.

في النصف الثاني من القرن السابع عشر، استخلص حافظ عثمان (توفي سنة 1698) جوهر أسلوب الشيخ حمد الله، وبلور منه طريقة شخصية مميزة، فاتحًا بذلك أفقًا جديدًا في الفن. وبعد قرن من الزمن، استلهم إسماعيل زُهدي (توفي سنة 1806) وأخوه مصطفى راقم (توفي سنة 1826) أسلوب حافظ عثمان، وشكلا في الوقت نفسه أسلوبين خاصين بهما. وقد بلغ مصطفى راقم ذروة الإتقان في الثلث والنسخ، وكذلك في الثلث الجلي، محققًا كمالًا فريدًا في التركيب (istif)، ونجح بهذا في نقل أسلوب الخطاط حافظ عثمان من المقاييس الصغيرة إلى مقاييس أعلى وأعظم. ثم جاء سامي أفندي (توفي سنة 1912)، أحد كبار أساتذة نمط "الجلي" (celi)، فأغنى تقليد راقم بتطبيق أشكال حروف الثلث كما كتبها إسماعيل زُهدي على النقوش بالحجم الكبير.

وبعدما فتح العثمانيون إسطنبول، غدت هذه الأخيرة العاصمة الخالدة للخط، وهو أمر أقر به العالم الإسلامي قاطبة، وخلدته المقولة الشهيرة: "نزل القرآن في الحجاز وتُلي في مصر وكُتب وتُلي في إسطنبول". ثم توالى توافد طلاب الخط من شتى أنحاء العالم الإسلامي إلى إسطنبول لتعلم هذا الفن. ومن أبرز أعلام المدرسة العثمانية: الشيخ حمد الله وأحمد قره حصاري وحافظ عثمان ومصطفى راقم ومحمود جلال الدين أفندي ويَسَري زاده مصطفى عزت أفندي.

الخطوط والأنماط

الأقلام الستة

تُنظم الأقلام الستة تقليديًا في ثلاثة أزواج: الثلث–النسخ والمحقق–الريحاني والتوقيع–الرقعة. يُكتب الخط الأول في كل زوج بقلم قصب عرضه نحو 2 مم، بينما يُكتب الخط الثاني بقلم أدق يقارب 1 مم. ويشبه المحقق الريحاني في طابعه، كما يشبه التوقيع الرقعة، كأنهما شقيقان يختلفان في العمر. أما الفرق بين الثلث والنسخ، فلا يقتصر على الحجم فحسب، بل يشمل البنية الشكلية أيضًا.

المحقق

يعني اسمه المحكم أو المتقن. يتميز بحروف أكبر من حروف الثلث وبوضوح الامتدادات العمودية وبطون الحروف الممتدة إلى اليسار، مثل السين والفاء والكاف والنون. وتغلب على انعطافاته الزوايا الحادة بدل الانحناءات العميقة، ويُكتب في أسطر مستقيمة، بعيداً عن التعقيد. ويكتسي بفضل صفاء حروفه وكلماته اتساعًا ووقارًا.

الريحاني

هو نسخة أصغر من المحقق، ويلتزم كاتبه بالقواعد نفسها. وقد استُخدم الخطان على نطاق واسع، لا سيما في نسخ المصاحف، حتى القرن السادس عشر، ثم أُهملا في معظم أنحاء العالم الإسلامي، على الأرجح بسبب المساحة الكبيرة التي يتطلبانها.

الثلث

أصغر قليلًا من المحقق، ويتميز ببطون أقصر وأعمق، وبمظهر أكثر ليونة ورشاقة. استُخدم منذ زمن بعيد في عناوين الكتب واللوحات والقطَع الخطية، ولا يزال شائع الاستعمال في أرجاء العالم الإسلامي إلى اليوم.

النسخ

يدل اسمه لغويًا على الإزالة أو الإحلال، وهو النظير الأصغر للثلث. وقد سُمي كذلك لأن انتشاره الواسع في نسخ الكتب أدى إلى إزاحة غيره من الخطوط. ولا يزال النسخ يُستخدم اليوم جنبًا إلى جنب مع الثلث في العالم الإسلامي.

التوقيع

مشتق من الثلث، لكنه يُكتب بحجم أصغر قليلًا، ويتميز بالسماح بوصل بعض الحروف التي لا تتصل عادةً. استُخدم تاريخيًا في مراسلات الخلفاء والوزراء، وفي التوقيعات السلطانية المثبتة على الفرمانات، وكذلك في وثائق الأوقاف.

الرقعة

قريب الصلة بالتوقيع، ويُكتب بحجم أصغر. ويعني اسمه الصحيفة الصغيرة أو الرسالة. يظهر في وثائق الأوقاف، وكذلك في الصفحات الختامية للمصاحف، حيث يدون الخطاط اسمه وتاريخ النسخ ودعاء الانتهاء.

وإلى جانب الأقلام الستة، تطورت خطوط أخرى مستقلة ذات أهمية بالغة، مثل التعليق والديواني والديواني الجلي والرقعة. فالرقعة العثمانية –وهي ابتكار تركي– نشأت من تبسيط الديواني، حيث قُصرت الامتدادات العمودية وخُففت الانحناءات وأضحت الكتابة أكثر اعتدالًا. وقد نشأ خط الرقعة في القصور واستُخدم في المراسلات اليومية والرسائل. وظهر أول مرة في أوائل القرن الثامن عشر، ثم تطور ونضج في بلاط باب العالي في القرن التاسع عشر، وعُرف باسم "رقعة الباب العالي" (Babıali riqa) أو "رقعة ممتاز أفندي". لاحقًا، طور محمد عزت أفندي (توفي سنة 1903) عن هذا الخط نمطاً أكثر صرامة، نال لاحقاً شهرة كبيرة في العالم العربي، لا سيما بصيغة "الجلي" .

التعليق

ظهر في إيران في القرن الرابع عشر كخط محور عن التوقيع، واستُخدم أساسًا في المكاتبات الرسمية. ويعني اسمه المعلق، نسبةً إلى هيئة الحروف التي تبدو كأنها معلقة بعضها ببعض. يأسر هذا الخط الناظر، قبل كل شيء، بتناسق نِسَب حروفه والإيقاع الموسيقي لأسطره. وقد تطور إلى أسلوبين رئيسين: الإيراني والعثماني. وفي حين اتبع الخطاطون في الأناضول النموذج الإيراني في البداية، فرض الأساتذة الأتراك لاحقًا رؤيتهم الفنية؛ وتبلور أسلوب تعليقي عثماني متميز على يد وإشراف يساري، وبجهود ابنه يساري زاده مصطفى عزت، اتسم بالرقة والانحناء والغنائية، في مقابل فخامة الثلث. واستُخدمت أنواعه الدقيقة في المؤلفات الأدبية ودواوين الشعر، كما أصبح الخط الرسمي لدار الإفتاء.

الديواني

دخل هذا الخط إلى مكاتب الخطاطين العثمانيين عبر أسرة آق قويونلو في القرن الخامس عشر، ثم خضع لتحول سريع حتى يتكيف مع معايير دواوين الدولة، لا سيما الديوان الهمايوني، ومن هنا جاءت تسميته. أما صيغته الضخمة، الديواني الجلي (celi)، فقد خُصصت للمراسلات العليا للدولة. ويُعد كل من الديواني والديواني الجلي ابتكارين أصيلين من ابتكارات المدرسة العثمانية في فن الخط.