
وزير خارجية بنغلاديش يفتتح رئاسة الجمعية العامة بالدعوة إلى استعادة الثقة وإحداث تحول في الأمم المتحدة
بقلم
العمل لصالح المستقبل
السيد خليل الرحمن، وزير خارجية بنغلاديش، يتولى مهامه رئيسًا جديدًا للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
تولى الدكتور خليل الرحمن، وزير خارجية بنغلاديش، رسميًا منصب رئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد أدى اليمين الدستورية في الجلسة العامة الختامية للدورة الثمانين في مقر الأمم المتحدة بنيويورك. ويمثل ذلك عودة ممثل عن بنغلاديش إلى رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد نحو أربعة عقود.
خلال مراسم أداء اليمين، تعهد خليل الرحمن بأداء مهامه بنزاهة وولاء وضمير صافٍ. وفي كلمته بعد توليه المنصب، أشار إلى أن منظومة الأمم المتحدة متعددة الأطراف تواجه اختبارات غير مسبوقة، إلا أن فرصًا جديدة آخذة في الظهور. وأكد أن المشكلات العالمية لا يمكن حلها بسرعة أو بسهولة، مشددًا على ضرورة البحث عن أرضيات مشتركة بين الدول الأعضاء حيثما يوجد توافق في الآراء.
انتصار تاريخي بـ99 صوتًا
في 2 يونيو/حزيران من هذا العام، هزم خليل الرحمن، في اقتراع سري أُجري في مقر الأمم المتحدة لانتخاب رئيس الجمعية العامة الجديد، مرشح قبرص أندرياس كاكوريس، وحصل على 99 صوتًا مقابل 91 لكاكوريس. وأُدلي بما مجموعه 190 صوتًا، من دون تسجيل أي أصوات باطلة أو امتناع عن التصويت. وقد أُسند المنصب إلى منطقة آسيا والمحيط الهادئ في إطار نظام التناوب الإقليمي المعتمد في الأمم المتحدة. وتحمل الدورة الحادية والثمانون عنوان «استعادة الثقة وإدارة التحول: أمم متحدة فعالة للجميع».
لماذا يكتسب ذلك أهمية؟
يتولى خليل الرحمن منصبه في وقت تواجه فيه الأمم المتحدة تحديات جسيمة ناجمة عن أزمات متعددة، من بينها الحرب في أوكرانيا، والنزاعات في الشرق الأوسط، وأزمات اللاجئين، وتغير المناخ، وعجز تمويل التنمية، وأوضاع حقوق الإنسان، فضلًا عن أزمة الثقة في منظومة التعددية. يضاف إلى ذلك أن عملية انتخاب أمين عام جديد للأمم المتحدة، المرتقبة في نهاية عام 2026، ستضفي مزيدًا من الأهمية على هذه المرحلة. لذلك، تكتسب سنة رئاسته أهمية سياسية بالغة بالنسبة إلى الأمم المتحدة.
الأولويات الست
حدد خليل الرحمن الأولويات الست التالية في رؤيته، التي تتمحور حول إعادة بناء الثقة العالمية في الأمم المتحدة:
1. السلام والأمن العالميان: يولي السيد خليل الرحمن أهمية للدبلوماسية الوقائية، والحلول السياسية، وبناء السلام. ويعتزم الاستفادة من الخبرة الواسعة لبنغلاديش في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مشيرًا في رؤيته إلى أن أكثر من 200 ألف من أفراد حفظ السلام البنغلاديشيين خدموا في بعثات الأمم المتحدة.
2. أهداف التنمية المستدامة: تسريع تنفيذ أهداف التنمية المستدامة.
3. تغير المناخ وحماية البيئة: نظرًا إلى تعرض بنغلاديش بدرجة كبيرة لتغير المناخ، يجعل خليل الرحمن من أولوياته تعزيز النقاش حول تمويل المناخ، والقدرة على الصمود في مواجهته، ومصالح الدول المتضررة منه في المحافل الدولية.
4. حقوق الإنسان واللاجئون والهجرة: يتعهد برفع أصوات المجتمعات المحرومة من الجنسية، مثل الروهينغا، داخل الأمم المتحدة، والدفاع عن حقوق السكان عديمي الجنسية.
5. ردم الفجوة التكنولوجية: يسعى إلى حشد الدعم العالمي لوضع أطر حوكمة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية والعلوم والتكنولوجيا، فضلًا عن ردم الفجوة التكنولوجية بين الدول المتقدمة والنامية.
6. إصلاح الأمم المتحدة: يرى أن الأمم المتحدة يجب أن تصبح أكثر ملاءمة للواقع وأكثر فعالية وشمولًا بما يتوافق مع الحقائق العالمية المعاصرة. ويدعو إلى إصلاحات ذات معنى تتجاوز الإجراءات الشكلية، بما يسهم في استعادة ثقة الجمهور بالمؤسسة.
المبادئ الموجهة: الاستقلال عن أي إملاءات خارجية
قبل توليه المنصب، أوضح خليل الرحمن في أحاديثه مع وسائل الإعلام أنه لن يقبل توجيهات من خارج الأمم المتحدة في أداء مهامه الرئاسية. وشدد على العمل من خلال الحوار والتعاون والتوافق بين الدول الأعضاء. كما أكد أن التواصل المفتوح سيكون إحدى السمات المميزة لقيادته، معربًا عن عزمه الحفاظ على تواصل منتظم ومتبادل الاتجاه مع الصحفيين، والاضطلاع بدور الوسيط الذي يبني الجسور بين مختلف الدول.
هدف جعل الأمم المتحدة «صالحـة للمستقبل»
بعد توليه المنصب، أضاف خليل الرحمن بُعدًا جديدًا إلى مفهومه الذي سبق أن أعلنه، والمتمثل في «استعادة الثقة وإدارة التحول»، وهو جعل الأمم المتحدة مؤسسسة صالحة للمستقبل. ويرى أن حقائق العالم المعاصر تختلف اختلافًا كبيرًا عن السياق الذي أُنشئت فيه الأمم المتحدة عام 1945. لذلك، لا بد من جعل هياكل الأمم المتحدة وعملياتها أكثر فعالية بكثير، حتى تتمكن من التصدي للنزاعات المعاصرة، والتكنولوجيا، وتغير المناخ، والتفاوتات الاقتصادية، والأزمات الإنسانية.
التطلعات إلى بنغلاديش
من المنتظر أن تستثمر بنغلاديش خبرته الدبلوماسية وموقعه من أجل بلورة مواقف عادلة ومتوازنة إزاء مختلف الأزمات العالمية.
إلى جانب الأولويات الست المعلنة أعلاه، ستستغل دكا هذه المناسبة لتعزيز صوت الجنوب العالمي. فقد ركزت حملة بنغلاديش بدرجة كبيرة على مصالح الدول النامية والدول المعرضة لتغير المناخ، وعلى التعددية والتعاون الدولي. ومن ثم، يمكن للنقاشات المتعلقة بالمصالح المشتركة للدول النامية أن تكتسب زخمًا جديدًا خلال فترة رئاسته.
يضاف إلى ذلك تعزيز مكانة بنغلاديش في مجال حفظ السلام التابع للأمم المتحدة. فقد خدم عدد كبير من أفراد حفظ السلام البنغلاديشيين على مدى سنوات في مختلف بعثات الأمم المتحدة. وتمثل إصلاحات عمليات حفظ السلام، وسلامة أفرادها، وتعزيز مشاركة النساء في قوات حفظ السلام، والاعتراف بأدوار أفراد حفظ السلام، قضايا ذات أهمية حيوية بالنسبة إلى بنغلاديش.
التحديات المقبلة
سيتمثل الاختبار الأكبر أمام خليل الرحمن في بناء التوافق في عالم شديد الاستقطاب. فالحرب الروسية الأوكرانية، والنزاع في غزة والصراعات في الشرق الأوسط، والتوترات المتبادلة بين القوى الكبرى، والمنافسة في مجالي التجارة والتكنولوجيا، وأزمات الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف، كلها عوامل قد تعقد عمل الجمعية العامة للأمم المتحدة تعقيدًا شديدًا.
في هذا السياق، ستكون فعالية الدور الذي يتصوره خليل الرحمن في «بناء الجسور» الاختبار الحاسم لنجاحه. وبصفته رئيسًا للجمعية العامة، ستكمن قوته الأساسية في تهيئة بيئة مواتية للحوار، وجمع الأطراف المتنازعة حول طاولة واحدة، وفتح مسارات تفضي إلى حلول توافقية.
لذلك، فإن تعيين خليل الرحمن في مستهل الدورة الحادية والثمانين للأمم المتحدة لا يمثل مجرد مصدر فخر لبنغلاديش، بل يشكل اختبارًا كبيرًا لكل من حنكته الدبلوماسية الشخصية وقدرة الدبلوماسية البنغلاديشية متعددة الأطراف.
مع جلوس ممثل بنغلاديشي على مقعد رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد أربعة عقود، تتعاظم التطلعات الوطنية إلى ألا تبقى هذه الفرصة مجرد إنجاز رمزي، بل أن تفتح آفاقًا جديدة أمام العمل الدولي الفعال في ما يتعلق بأزمة الروهينغا، وتغير المناخ وحفظ السلام وتمويل التنمية ومصالح الجنوب العالمي. في الوقت نفسه، إذا نجحت الأمم المتحدة في ظل قيادة خليل الرحمن في إحراز أي تقدم، ولو محدودًا، نحو تعزيز الثقة والحوار والتعاون متعدد الأطراف، فسيكون ذلك أعظم نجاح تحققه بنغلاديش في الوفاء بهذه المسؤولية التاريخية.
تمثل الجمعية العامة للأمم المتحدة 193 دولة عضو حول العالم، ولكل دولة صوت واحد. وهي المنتدى الدولي الرئيسي لمناقشة القضايا واتخاذ القرارات المتعلقة بالسلام والأمن العالميين، والتنمية، وحقوق الإنسان، والقانون الدولي. ورغم أن معظم قرارات الجمعية العامة ليست ملزمة قانونًا، فإن أهميتها السياسية في تشكيل الرأي العام الدولي والدبلوماسية العالمية بالغة.
شارك هذا المقال

































