فصل جديد في العلاقات البنغلاديشية–التركية: الأهمية الاستراتيجية لزيارة هاكان فيدان إلى دكا
بقلم
رغم أن العلاقات بين بنغلاديش وتركيا شهدت تطوراً مطرداً منذ سنوات، إلا أنه من الواضح أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دكا لمدة ثلاثة أيام إشارة واضحة إلى الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مستوى استراتيجي جديد. فهذه الزيارة، وهي الأولى لوزير خارجية تركي إلى بنغلاديش منذ ما يقرب من ست سنوات، لا تقتصر على كونها حدثاً دبلوماسياً اعتيادياً، بل تمثل جهداً استشرافياً لإعادة تحديد موقع البلدين في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في جنوب آسيا والشرق الأوسط ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ على نطاق أوسع.
في النظام الدولي الراهن، تزداد أهمية التعاون الاستراتيجي بين القوى المتوسطة. فمن جهة، تسعى بنغلاديش إلى تعزيز مكانتها من خلال النمو الاقتصادي السريع وتطوير الربط الإقليمي والانخراط الفاعل في الدبلوماسية العالمية. ومن جهة أخرى، ترسخ تركيا، بقيادة رجب طيب أردوغان، موقعها كقوة عالمية مستقلة ومؤثرة تربط بين أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا. وفي ظل هذا التقاطع في الطموحات، تفتح زيارة هاكان فيدان آفاقاً جديدة للمصالح المشتركة والتعاون متعدد الأبعاد بين البلدين.
فرص جديدة في التجارة والتعاون الاقتصادي
يبلغ حجم التبادل التجاري الحالي بين بنغلاديش وتركيا نحو 1.35 مليار دولار. وقد حدد البلدان هدفاً مشتركاً يتمثل في رفع هذا الرقم إلى ملياري دولار في المستقبل القريب. وفي حين تشكل الملابس الجاهزة والمنسوجات والمنتجات الجلدية والسلع الزراعية الركائز الأساسية للتجارة الثنائية لفترة طويلة، ركزت هذه الجولة من المحادثات على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية وتكنولوجيا المعلومات والصناعات الدوائية وتطوير البنية التحتية والطاقة المتجددة.
تستكمل بنغلاديش حالياً استعداداتها النهائية للخروج من خانة البلدان الأقل نمواً. ونتيجة لذلك، أصبحت الحاجة إلى إيجاد أسواق جديدة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإقامة شراكات تكنولوجية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وفي هذا السياق، يمكن لقطاع التصنيع المتقدم في تركيا وصناعاتها الدفاعية وخبراتها العالمية في مجال البنية التحتية، أن يؤدي دوراً مهماً في تسريع التحول الاقتصادي الذي تصبو إليه بنغلاديش.
علاوة على ذلك، قد توفر المناقشات الجارية حول إمكانية إبرام اتفاقية تجارة حرة أو اتفاقية تجارة تفضيلية إطاراً قانونياً ومؤسساتياً للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. وإذا ما نفذت هذه المبادرة بنجاح، فقد تشكل جسراً اقتصادياً قوياً يربط بين جنوب آسيا وغرب آسيا.
التعاون الدفاعي: البعد الأهم في العلاقة
يُعد التعاون الدفاعي الجانب الأكثر حيوية وإثارة للنقاش في العلاقات البنغلاديشية–التركية. في العقد الماضي، برزت تركيا واحدة من أبرز وأسرع الدول نمواً في إنتاج التكنولوجيا الدفاعية على مستوى العالم. وقد حظيت إنجازاتها، لا سيما في مجال الطائرات المسيّرة مثل بيرقدار تي بي 2 والمركبات المدرعة الحديثة والمنصات البحرية والمعدات العسكرية المتقدمة، باعتراف عالمي واسع.
من جانبها، تضع بنغلاديش، في إطار برنامجها لتحديث القوات المسلحة المعروف باسم "هدف القوات"، تعزيز القدرات الدفاعية والتقدم التكنولوجي في صدارة أولوياتها. وفي هذا السياق، لم يعد التعاون الدفاعي بين البلدين مقتصراً على صفقات السلاح التقليدية، بل أخذ يتطور تدريجياً نحو شراكة استراتيجية تشمل الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والتدريب المتقدم للكوادر العسكرية.
وبحسب خبراء عسكريين، تمثل تركيا شريكاً موثوقاً للغاية بالنسبة إلى بنغلاديش. فالتكنولوجيا الدفاعية التركية لا تتميز فقط بجدواها الاقتصادية وفعاليتها الميدانية المثبتة، بل إنها تخلو أيضاً، في الغالب، من الشروط الجيوسياسية التي ترتبط عادة بالموردين الغربيين. ومن ثم، يُرجح أن يشهد التعاون الدفاعي بين دكا وأنقرة توسعاً كبيراً خلال السنوات المقبلة.
أزمة الروهينغا: موقف إنساني مشترك
من أبرز محطات زيارة هاكان فيدان تفقده لمخيمات لاجئي الروهينغا في كوكس بازار. فمنذ اندلاع الأزمة، كانت تركيا من بين أكثر الدول ذات الأغلبية المسلمة نشاطاً ووضوحاً في الدفاع عن قضية الروهينغا على الساحة الدولية. وواصلت أنقرة عبر منابر مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي، دعم حماية حقوق الروهينغا والدعوة إلى عودتهم الآمنة والكريمة إلى ديارهم.
وتستضيف بنغلاديش حالياً أكثر من مليون لاجئ من الروهينغا المهجّرين قسراً، ما يفرض أعباء كبيرة على اقتصادها وبيئتها وأمنها الداخلي. وفي ظل هذه الظروف، يسهم الدعم السياسي والإنساني المباشر من دولة مؤثرة مثل تركيا في تعزيز الموقف الدبلوماسي لبنغلاديش على المستوى العالمي. ولم تكن زيارة فيدان للمخيمات مجرد خطوة رمزية، بل حملت رسالة سياسية قوية تهدف إلى تجديد الاهتمام الدولي بأزمة الروهينغا.
الدبلوماسية متعددة الأطراف والتنسيق الدولي
تولي كل من بنغلاديش وتركيا أهمية كبيرة للدبلوماسية متعددة الأطراف واحترام القانون الدولي. وقد أصبح تعاونهما وتوافقهما السياسي أكثر وضوحاً في أطر ومنصات متعددة، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي.
وعليه، يتشارك البلدان رؤى متقاربة حول قضايا التنمية المستدامة والتغير المناخي وأزمات اللاجئين والأمن الغذائي، وحقوق دول الجنوب العالمي. وفي عالم يشهد استقطاباً متزايداً وتنافساً متصاعداً بين القوى الكبرى، تسعى القوى المتوسطة الصاعدة، مثل بنغلاديش وتركيا، إلى تعزيز حضورها في عملية صنع القرار العالمي من خلال تنسيق أوثق لمواقفها.
السياق الجيوسياسي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ
لا تقتصر أهمية زيارة فيدان على العلاقات الثنائية فحسب، بل تنطوي أيضاً على أبعاد جيوسياسية إقليمية أوسع. فبنغلاديش تنتهج حالياً سياسة خارجية متوازنة ومحايدة، وتحافظ على علاقات بناءة مع الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط.
وبالمثل، تتبع تركيا سياسة خارجية استراتيجية مستقلة ومتعددة الأبعاد. فأنقرة العضو المهم في حلف شمال الأطلسي، تعمل في الوقت ذاته على توسيع نفوذها الاستراتيجي في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. ونتيجة لذلك، توفر الشراكة بين بنغلاديش وتركيا فرصة للبلدين لتنويع انخراطهما الدبلوماسي وتعزيز خياراتهما الاستراتيجية.
كما أن الأهمية الجيوسياسية المتنامية لخليج البنغال ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ الأوسع نطاقاً من المرجح أن تشجع على زيادة الانخراط التركي في المنطقة، بما يوسع شبكة الشراكات الدولية لبنغلاديش.
آفاق المستقبل
تُظهر زيارة وزير الخارجية هاكان فيدان إلى دكا أن العلاقات بين بنغلاديش وتركيا لم تعد محصورة في إطار الصداقة التاريخية والتقارب الثقافي فحسب، بل إن البلدين يتجهان نحو تأسيس شراكة استراتيجية واضحة المعالم ترتكز على التعاون الاقتصادي والدفاعي والتكنولوجي والدبلوماسية الإنسانية.
لكن تحقيق هذه الرؤية الواعدة يتطلب أكثر من مجرد النوايا الحسنة أو البيانات المشتركة. فثمة حاجة إلى إطلاق مشاريع ملموسة بسرعة، وتحسين مناخ الاستثمار بصورة أكبر، وإنشاء أطر مؤسساتية للتعاون الدفاعي وتنفيذ الاتفاقيات التجارية بكفاءة وفعالية.
فإذا ما جرى تنفيذ هذه الخريطة الاستراتيجية بنجاح، فقد تتطور العلاقات البنغلاديشية–التركية في العقد المقبل لتصبح واحدة من أكثر الشراكات الاستراتيجية تأثيراً ونموذجية في المشهد الجيوسياسي لكل من جنوب آسيا وغرب آسيا.


