حق العودة في ذكرى النكبة
حق العودة في ذكرى النكبة
بقلم
يُعيد يوم النكبة، في كل شهر أيار/مايو، فتح جرحٍ قديم في ضمير كل المؤمنين بالعدالة حول العالم. ففي الخامس عشر من أيار/مايو 1948، أُقيمت على أرض فلسطين دولةٌ صهيونية غير شرعية. دُمِّرت مئات القرى، وطُرد ملايين الفلسطينيين من بيوتهم ومزارعهم ومدنهم، وأُلقي بشعبٍ بأكمله في أتون المنفى وحرموا من الجنسية.
النكبة بالنسبة إلى الفلسطينيين ليست فصلًا تاريخيًا انقضى، بل ظلمًا مستمرًا إلى يومنا هذا.
تصف الوثائق التاريخية كيف قامت القوات الصهيونية، في حرب عام 1948، بقتل آلاف الفلسطينيين، كما تحدثت تقارير عن تسميم مصادر المياه وعن عمليات تدمير واسعة لم يسلم منها البشر ولا المواشي. وقد أُجبر ما بين 750 ألفًا و1.5 مليون فلسطيني -بحسب اختلاف المصادر- على مغادرة وطنهم فيما عُرف لاحقًا باسم النكبة.
لم يأت إنشاء إسرائيل بسبب نزاع إقليمي فقط، بل كان جزءًا لا يتجزأ من مشروعٍ إمبريالي غربي أوسع بكثير، بدأ بالرعاية البريطانية عبر وعد بلفور، وتطور من خلال قرار التقسيم رقم 181 الصادر عن الأمم المتحدة، ثم اكتمل بالقوة العسكرية والهيمنة الاستيطانية. وقد حظيت الدولة الجديدة، منذ نشأتها، بدعمٍ استثنائي من دول الغرب، وهو ما يفسّر مكانتها الفريدة ضمن المنظومة السياسية للغرب.
أدّى هذا الوضع الاستثنائي إلى استمرار دعم الحكومات الغربية لإسرائيل والحرص على "أمنها" وحمايتها من أي مساءلة. يشير باحثون إلى أنّ القوى الغربية تجنّبت عمدًا إقامة مثل هذه الدولة داخل أوروبا، إدراكًا منها أنّ ذلك سيزعزع استقرار مجتمعاتها. وبدلًا من ذلك، سهّلت إنشاء ذلك الكيان في فلسطين لتحقيق هدفين في آن واحد: تقويض السلام في المنطقة ومنح إسرائيل امتيازات دون غيرها.
لا تزال إسرائيل الدولة الوحيدة التي يعدها قسم كبير من المجتمع الدولي كيانًا مغتصِباً وغير شرعي، تُعطَّل من أجله قواعد القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان مرات ومرات. فرغم أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست ملزمة قانونيًا، لكن القوى الغربية سارعت إلى الاستناد إلى وعد بلفور وقرار التقسيم 181 لإضفاء الشرعية على قيام إسرائيل. وفي حين أنّ الاحتلالات والتوسع الاستيطاني والتمييز العنصري والعقاب الجماعي المستمر على الملىء منذ عقود، كانت كفيلة عادةً بفرض عقوبات صارمة ورادعة على أي دولة أخرى، تبقى إسرائيل خارج المعايير وأفعالها فوق القانون.
وأكثر ما يظهر ذلك بوضوح في علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة. فإسرائيل ليست مجرد حليف لواشنطن، بل تحتل موقعًا مميزًا في صناعة القرار الأمريكي. فالإجراءات والقوانين المؤيدة لإسرائيل تمر في الكونغرس بسهولة، وتتدفق المساعدات العسكرية عليها بالمليارات دون انقطاع، فيما يؤكد رؤساء الولايات المتحدة من الحزبين منذ عقود أنّ أمن إسرائيل مصلحة قومية أمريكية.
كما يُلزم القانون الأمريكي بالحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل (QME). وتحصل إسرائيل على مساعدات عسكرية ثابتة وطويلة الأمد وغير مشروطة، لا تحظى بها أي دولة أخرى. وإسرائيل هي أول دولة من خارج حلف الناتو تحصل على حق الانتفاع من مشاريع دفاعية مشتركة حساسة، بما في ذلك عناصر متقدمة من تكنولوجيا طائرات إف-35. وفي مجالي الأمن السيبراني والاستخبارات، تتعامل الولايات المتحدة مع إسرائيل بصفتها شريكًا يكاد يكون ندًّا لها. كما أنّ دمج إسرائيل ضمن القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، والتخزين الاحتياطي للأسلحة الأمريكية على الأراضي الإسرائيلية (WRSA-I)، وإدراج أمن إسرائيل ضمن الوثائق الاستراتيجية الأساسية للولايات المتحدة (NSS وNDS)؛ كل هذا يؤكد طبيعة العلاقة التي لا نظير لها بين الدول.
أما في الكونغرس الأمريكي، فليس هناك أي دولة تحظى بمستوى مماثل من دعم كافة الأحزاب، وبالحماية الدبلوماسية، وباستخدام حق النقض المتكرر في مجلس الأمن الدولي. وهكذا، لا تعمل إسرائيل بوصفها مجرد دولة، بل بصفتها قاعدةً عسكرية وسياسية متقدمة للنفوذ الغربي في غرب آسيا.
فمن يدفع ثمن هذا الوضع الاستثنائي؟ إنه الشعب الفلسطيني وأطفال غزة المحاصرون، ومدن الضفة الغربية الممزقة، والقدس، والأجيال التي نشأت في مخيمات اللاجئين، والملايين المشتتة في منافي الأرض بعد أن صودرت أراضيهم ودُمِّرت منازلهم واستُهدفت هويتهم؛ ومع ذلك ارتباطهم بوطنهم راسخ لا ينكسر.
وفي صميم النضال الفلسطيني يبرز "حق العودة". فقد أكّد قرار الأمم المتحدة رقم 194 أنّ للاجئين الفلسطينيين الحق في العودة إلى ديارهم والحصول على تعويضات. وإنّ في رفض إسرائيل الاعتراف بهذا الحق ما يكشف التحدي الجوهري: فمن شأن العودة الجماعية للفلسطينيين أن تقوّض الأساس الديمغرافي والسردية السياسية التي يقوم عليها الاحتلال.
واليوم، الخامس عشر من أيار/مايو، يحيي الفلسطينيون يوم النكبة ويوم العودة معًا. فالقضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي مطلب جماعي لشعبٍ مُقتلع من أرضه يسعى إلى استعادة وطنه. وبالرغم من عقود الاحتلال والحصار والقمع وما يصفه كثيرون بالإبادة الجماعية، هناك التشبث الفلسطيني بالحقوق وبالذاكرة التاريخية.
يشهد العالم تحولات متسارعة؛ فالأجيال الشابة باتت تتحدى السردية الغربية المهيمنة أكثر من أي وقت مضى. كما كشفت الحروب في غزة ولبنان الهوّة بين الصورة التي تسعى إسرائيل إلى تقديمها عن نفسها وبين واقع الاحتلال وحقيقته، وفضحت ازدواجية المعايير الغربية في قضايا حقوق الإنسان.
يوم النكبة ليس يوم حداد فحسب، بل يوم تمسكٍ لا يتزعزع بالمبادئ: التمسك بحق العودة، وبتحرير القدس، وبالإيمان بأنّ الظلم لا يدوم إلى الأبد.
ومع مرور كل عام، يعلو صوت الجماهير أعلى وأعلى: عودتنا قريبة وسنحرر فلسطين.



