حتى لا نستمرئ عنف الحداثة وتوحشها

حتى لا نستمرئ عنف الحداثة وتوحشها

مدة القراءة: 6 دقائق

لا شك أن انتصار الثورة السورية المباركة وتحرير سوريا في اليوم الثامن من ديسمبر عام 2024 يُكتب بماءٍ من ذهب على صفحات التاريخ الإنساني.

اليوم ونحن في طريقنا لتحقيق وعود الثورة في إرساء قيم الحرية والعدل والاستقلال والكرامة تبرز ضرورة التنبه إلى شَرَك الاندفاع إلى الحداثة وأدواتها، وتغوُّل الدولة الحديثة بمفهومها المستنسخ من الغرب وما نتج عنها من ظواهر تهدد بنزع الإنسانية عن الإنسان، بله حيونته.

فمن أبرز خصائص الدولة الحديثة الظاهرة للعيان وفق التحليل السسيوسياسي هي ظاهرة العنف، ذلك أن أقلام ما بعد الحداثة الغربية ما فتأت تشخص الأخطار والأزمات التي نزلت بالإنسان وفق مقولة العنف المصاحب للدولة الحديثة وزمن الحداثة وتحذر منها.

وهنا أستعرض أهم ما يهم المسلم لمواجهة مظاهر الحداثة المتوحشة وقيمها عبر خواطر المفكرين الغربيين في ملف "العنف".

حيوانية العنف

تحول الإنسان في عصرنا إلى حيوان يقتل ليأكل ويقتل ليلبس ويتزين ويترفه، يقتل ليبقى، يحتل الأرض ويستحل الأعراض ويزهق الأرواح لأجل السلطة والمال، إلى أن غدا غاية القتل من أجل القتل. واُستبدلت كينونة الإنسان الخُلقية الرحيمة بالحيوانية المتوحشة. عالم الحيوان تحركه غريزته وهذا قانونها، إلا أن الحيوانات الأكثر توحشاً تتصرف وفق غريزة الحفاظ على حياتها، فهل هو قانون عالم الإنسان؟

فقد قتل الأقوياء دائماً الضعفاء كلما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. فهناك غرائز تختزنها جيناتنا ورثناها من أسلافنا البدائيين. إلا أن الإنسان الحديث أكثر توحشاً من "الإنسان البدائي". فنظرية "الصراع في سبيل البقاء" و"البقاء للأقوى" تعد الإنسان في جوهره مفترساً وعدوانياً.

اعتبر فرويد الاعتداء على الآخرين ميزة الإنسان في داخله إلى درجة كبيرة جداً. وينتج عن ذلك أن القريب أو الآخر القريب بالنسبة له ليس مساعدا له بل هو إغواء يتجلى في جعله موضوع إشباع لاعتدائه واستغلاله بدون أي تعويض بل واستباحة جسده وعرضه بدون موافقة، والاستحواذ على ما يملك وإهانته والتسبب له في الآلام وتعذيبه بشدة وقتله.

شرعنة العنف والحروب

لا تنظر البشر إلى الشر في داخلها بل في الآخرين، فالعدو هو الشر. هذا البحث عن الشر في الآخرين يصنع حاجزاً يمنعنا عن رؤية الشر الموجود فينا. إن من يمارس العنف على الآخرين بوصفهم أعداءً له ينفي في البدء أن يكون الآخر مثيلاً له، بل يبني علاقته معه بوضع ضد للإنسان. وتغدو العلاقة التناظرية بين الأنا والآخر سفسطة كلامية. وخير دليل علاقة التشيؤ التي نتعامل بها مع الآخر، وعلاقة النفعية والعلاقة الصراعية، هذا الضد للإنسان تجعل كل أنا مهددة من الآخر وكل آخر مهدد من الأنا، فالعلاقة ضدية.

ذلك أن إحدى الميزات الأساسية لكل حضارة هي الطريقة التي تُدرك بها العدوانية وتنظمها. يرسخ هذا الإدراك في ذهن كل فرد من أفراد المجتمع منذ الصغر. فالتربية تعمل على توجيه العدوانية، كل تربية تعلم كيف ومتى يجب أن نكبح جماح العدوانية أو على العكس متى نسمح لها بالانفلات.

الدولة الحديثة تستأثر بممارسة العنف. فمعيار الدولة السيدة في القانون الدولي هو سلطتها في كل حين في إطلاق العنف المنظم وفي مهاجمة من تشاء وحين تشاء. وبعد كل تجارب الدول الحديثة أصبحت مقولة "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان" مقبولة، هناك حالة كراهية أولية موجودة لدى الناس تجاه بعضهم بعضاً.

الهيراقليطيون (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني هيراقليطس) مؤمنون بأن الصراع/ الحرب هو أب وملك الجميع يخوضه بعضهم كأنهم آلهة ويخوضه البعض الآخر باعتبارهم بشر، الصراع يجعل من البعض عبيداً ومن الآخر أحراراً.

فشنّ الحرب ضد الآخرين هو من التركيب البيولوجي للبشر، والسبب أن العنف هو تعبير ضروري عن الغضب، أو أنه دافع فطري للسيطرة على ما هو فطري أو تدميره بوصفه إرادة قوة. هذا القول بأن العنف من فطرة البشر يفضي إلى أنه لا بد من السيطرة عليهم ومن وجود بنى جماعية خارجية. من ثم يُسخَّر النظام الثقافي لتشريع العنف وعقلنته واستخدامه ضد الناس العنيفين كأداة سيطرة اجتماعية. وبذلك تتمكن الثقافة من إدراج العنف والصراع المدمر تحت عنوان الأمن الثقافي وحماية المواطنين أنفسهم.

نيتشه صاحب نظرية ضرورة وجود فيضانات تتدحرج في مجراها الحجارة والطين، بالرغم من تدميرها للمنتجات الزراعية الرقيقة إلا أن فائدتها في الانطلاق من جديد. فالحضارة بزعم مذهب نيتشه يستحيل أن تستغني عن الأهواء والرذائل والشرور. ومثالهم الرومان لما تعبوا من شنّ الحروب وتحولوا إلى امبراطورية عظيمة، حاولوا الحصول على قوة جديدة من صيد الحيوانات المتوحشة وابتداع مبارزات المصارعين واضطهاد المسيحيين. واليوم يستعمل البشر وسائل جديدة لإعادة خلق هذه القوى المتناقضة من رحلات استكشافية فيها خطورة ورحلات بحرية وتسلق الجبال والقمم التي قد تحمل أهدافاً علمية إلا أنها تمكّن البشر من العودة لاختبار كافة أنواع المخاطر. وفي كل عصر سيبحث البشر عن بدائل تحت أشكال متنوعة. لذلك أوربا بحاجة ليست فقط إلى الحروب بل إلى أفظع من الحروب، ابتداءً بالعودة إلى التوحش حسب نيتشه، حتى لا تستهلك حضارتها ووجوها نفسيهما في وسائل حضارية.

الحرب إذن ليست عنفاً بالمطلق، بل تستعمل كمرحلة. فهي امتداد للسياسة بوسائل أخرى. والعنف هو أحد الوسائل التي تمتلكها الدول من أجل الدفاع عن مصالحها. وكل سياسة هي سياسة حرب، لكل حرب بُعد سياسي. والعروض العسكرية التي تقام باحتفالية كبيرة، الهدف منها نشر الشعور بأن "جيشنا" أكثر شجاعة مما يعتقد. لقد غدا للعنف قداسة تندرج تحت لواء الأيديولوجية المهيمنة، وهي أيديولوجية العنف الضروري، المشروع والمشرِّف؛ والحق في اغتصاب الآخر وشخصيته وهويته دون استخدام أي سلاح ناري.

أنماط العنف هي مجموعة من المعتقدات التي تفصح عن المواقف تجاه العنف في الثقافة. هذه الأنماط تشمل أسطورة البطل، وديناميكية استغلال القاتل/ الضحية وثنائية العقل/ الجسد وأسطورة الكاوبوي والفردية التنافسية ونظرية العنف الفطري وأسطورة العدوان الفحولي والمجتمع الصناعي العسكري والحتمية التكنولوجية وخاصة الحربية وإخضاع المستضعفين وأسطورة تفوق العقلانية على العاطفة والإبداع وأسطورة نخبوية الجنس البشري والعرق الأبيض. إنه التوحش البارد، مصدره البنية الداخلية للتبرير العقلاني والذي لا يعترف سوى بما هو قابل للحساب والأرقام.

عنف العولمة

تسببت هيمنة الغرب الأوروبي على العالم في كوارث حضارية حسب إدغار موران، كما تسببت في تخريبات ثقافية غير قابلة للإصلاح، وفي أنواع رهيبة من العبودية. العصر تطور بفعل العنف والتخريب والعبودية والاستغلال الوحشي.

مقاومة العولمة ليست رفضاً للبنية التكنولوجية المتعلقة بالعولمة بل رفض للبنية العقلية التي تعمل على الموازاة بين كل الثقافات. يذهب الفيلسوف الفرنسي بودريارد إلى أن القوة العالمية للعولمة تجرف أمامها كل مختلف، فإما أن تدخل عن طيب خاطر أو تدخل بالقوة في إطار النظام الدولي أو تنمحي من الوجود. فقانون الغرب إخضاع كل الثقافات المتعددة إلى قانون المعادلة الوحشي. حتى الحروب تستهدف تقنين التوحش وفرض نظام واحد على كل العالم. الهدف القضاء على كل منطقة صامدة، واحتلال وتدجين كل الفضاءات "المتوحشة" سواء تعلق الأمر بفضاءات جغرافية أو بعوالم ذهنية.

في مواجهة هذا العالم الذي يشرعن العنف باسم الحداثة والتقدم، تبرز الحاجة إلى استعادة الإنسان لقيمه الأخلاقية والروحية، وإلى بناء مشروع حضاري يوازن بين القوة والرحمة، وبين التقنية والكرامة الإنسانية. فليست المشكلة في الحداثة ذاتها، بل في تحوّلها إلى أداة هيمنة وتجريد للإنسان من معناه. ومن هنا، فإن مقاومة التوحش الحديث تبدأ بإحياء إنسانية الإنسان قبل أي شيء آخر.

عن المؤلف

ماجستير فلسفة، دبلوم دراسات إسلامية. سوريا

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

مدة القراءة: 3 دقائق

أنقرة وباريس تعززان التعاون الدفاعي الثنائي بموجب خارطة طريق جديدة

أنقرة وباريس تعززان التعاون الدفاعي الثنائي بموجب خارطة طريق جديدة

مدة القراءة: 4 دقائق

اليهود يستغلون توترات المنطقة لتثبيت مشاريعهم على أرض المسجد الأقصى

اليهود يستغلون توترات المنطقة لتثبيت مشاريعهم على أرض المسجد الأقصى

مدة القراءة: 7 دقائق

الحرية دون معنى وغاية حرية مبتورة

الحرية دون معنى وغاية حرية مبتورة

مدة القراءة: 8 دقائق

السعودية تفوز بلقب كأس خليجي 27 للمرة الرابعة

السعودية تفوز بلقب كأس خليجي 27 للمرة الرابعة

مدة القراءة: 3 دقائق

تقرير: خسائر الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران

تقرير: خسائر الجيش الأمريكي في الحرب مع إيران

مدة القراءة: دقيقتان

من الخلاف إلى الفرقة: تحريش الشيطان بين الإخوة

من الخلاف إلى الفرقة: تحريش الشيطان بين الإخوة

مدة القراءة: 6 دقائق

سامي يوسف: الموسيقى هبة إلهية من السماء

سامي يوسف: الموسيقى هبة إلهية من السماء

مدة القراءة: 6 دقائق

تقييم سري منسوب إلى CIA يحذر من خطر حرب أهلية وانهيار الدولة في إسرائيل

تقييم سري منسوب إلى CIA يحذر من خطر حرب أهلية وانهيار الدولة في إسرائيل

مدة القراءة: 3 دقائق

رئيس بلدية ثالث أكبر مدينة في تركيا ينضم لحزب العدالة والتنمية

رئيس بلدية ثالث أكبر مدينة في تركيا ينضم لحزب العدالة والتنمية

مدة القراءة: دقيقة واحدة

بوابة توب قابي تحمل تاريخ إسطنبول منذ 1500 عام

بوابة توب قابي تحمل تاريخ إسطنبول منذ 1500 عام

مدة القراءة: 7 دقائق

حتى لا تبقى الثروة حكراً على الأغنياء

حتى لا تبقى الثروة حكراً على الأغنياء

مدة القراءة: 10 دقائق

وقف تركي يقدم منحاً لدراسة علوم القرآن لسبع نساء بنغلاديشيات

وقف تركي يقدم منحاً لدراسة علوم القرآن لسبع نساء بنغلاديشيات

مدة القراءة: دقيقتان

الجيش اليمني يستعيد نقاطاً حيوية بالقرب من باب المندب

الجيش اليمني يستعيد نقاطاً حيوية بالقرب من باب المندب

مدة القراءة: 3 دقائق

حلف مكة يعلن التفعيل الفوري لاتفاقية الردع المشترك

حلف مكة يعلن التفعيل الفوري لاتفاقية الردع المشترك

مدة القراءة: دقيقتان

فرنسا ترفض منح فتاة تركية تأشيرة دخول بسبب حجابها

فرنسا ترفض منح فتاة تركية تأشيرة دخول بسبب حجابها

مدة القراءة: 3 دقائق

بيشيروفيتش يتصدر سباق المقعد المخصص للمسلمين في مجلس الرئاسة بالبوسنة والهرسك

بيشيروفيتش يتصدر سباق المقعد المخصص للمسلمين في مجلس الرئاسة بالبوسنة والهرسك

مدة القراءة: 3 دقائق

من بلد الحرمين إلى بلد الياسمين.. الرالي السعودي السوري للدراجات النارية

من بلد الحرمين إلى بلد الياسمين.. الرالي السعودي السوري للدراجات النارية

مدة القراءة: 3 دقائق

الرياض تستضيف الاجتماع الثاني للجنة السياسية والاستراتيجية ‏والدفاعية المنبثقة عن اتفاق مكة

الرياض تستضيف الاجتماع الثاني للجنة السياسية والاستراتيجية ‏والدفاعية المنبثقة عن اتفاق مكة

مدة القراءة: دقيقتان

هاكرز يصنعون نموذجاً مزيفاً عن تشات جي بي تي يحتوي برمجيات خبيثة

هاكرز يصنعون نموذجاً مزيفاً عن تشات جي بي تي يحتوي برمجيات خبيثة

مدة القراءة: 4 دقائق

باكستان: تزايد الاهتمام بالانضمام إلى "حلف مكة"

باكستان: تزايد الاهتمام بالانضمام إلى "حلف مكة"

مدة القراءة: دقيقة واحدة

4 شهيدات في قصف إسرائيلي على غزة

4 شهيدات في قصف إسرائيلي على غزة

مدة القراءة: 4 دقائق

البنك الإسلامي للتنمية يمنح تونس 335.49 مليون يورو لتوسعة شبكة الطرق السريعة

البنك الإسلامي للتنمية يمنح تونس 335.49 مليون يورو لتوسعة شبكة الطرق السريعة

مدة القراءة: دقيقة واحدة

الأزهر يدين الاعتداء على المدينة المنورة: استفزاز لمشاعر المسلمين

الأزهر يدين الاعتداء على المدينة المنورة: استفزاز لمشاعر المسلمين

مدة القراءة: دقيقة واحدة

الحزن والفرح في القرآن الكريم… حين تصبح المشاعر طريقاً إلى الله

الحزن والفرح في القرآن الكريم… حين تصبح المشاعر طريقاً إلى الله

مدة القراءة: 7 دقائق

منظمات أوروبية ترشح الطبيب الفلسطيني أبو صفية لجائزة في حقوق الإنسان

منظمات أوروبية ترشح الطبيب الفلسطيني أبو صفية لجائزة في حقوق الإنسان

مدة القراءة: دقيقتان

إدانة عالمية لهجمات الحوثيين على البنية التحتية المدنية في السعودية

إدانة عالمية لهجمات الحوثيين على البنية التحتية المدنية في السعودية

مدة القراءة: دقيقة واحدة

كرة القدم تكتسب دلالة أعمق مع تعادل فريقي قونيا سبور وفلسطين

كرة القدم تكتسب دلالة أعمق مع تعادل فريقي قونيا سبور وفلسطين

مدة القراءة: 4 دقائق

قاضٍ أمريكي يأمر بترحيل إمام لدعمه فلسطين

قاضٍ أمريكي يأمر بترحيل إمام لدعمه فلسطين

مدة القراءة: دقيقتان

تضامناً مع فلسطين.. حملة أيرلندية تطالب المنتخب بمقاطعة اللعب مع إسرائيل

تضامناً مع فلسطين.. حملة أيرلندية تطالب المنتخب بمقاطعة اللعب مع إسرائيل

مدة القراءة: 3 دقائق

العراق يعلن بدء معالجة السلاح خارج سيطرة الدولة

العراق يعلن بدء معالجة السلاح خارج سيطرة الدولة

مدة القراءة: 3 دقائق

إنذار أمني خطير وهبوط حاد... ماذا جرى على رحلة فلاي دبي المتجهة إلى تل أبيب

إنذار أمني خطير وهبوط حاد... ماذا جرى على رحلة فلاي دبي المتجهة إلى تل أبيب

مدة القراءة: 3 دقائق

باحثون يجرون أول عملية حفر لبّي في موقع سفينة نوح في تركيا

باحثون يجرون أول عملية حفر لبّي في موقع سفينة نوح في تركيا

مدة القراءة: 4 دقائق

بعد ولاية واشنطن.. كاليفورنيا تعترف بأعياد المسلمين

بعد ولاية واشنطن.. كاليفورنيا تعترف بأعياد المسلمين

مدة القراءة: 3 دقائق