اليمين الهندوسي يواصل حملة هدم المواقع الدينية الإسلامية
بقلم
لماذا يهدمون مسجداً عمره 200 عام في فاراناسي في منتصف الليل؟
يواصل متشددو حركة «الهندوتفا» في ظل حكومة رئيس الوزراء اليميني ناريندرا مودي حملة تستهدف هدم المنشآت الدينية الإسلامية. وخلال خمسة وأربعين يومًا فقط، هُدم ما لا يقل عن 23 مسجدًا ومدرسةً دينيةً ومصلّى للعيد Eidgahs وغيرها من المنشآت، وجميعها تقع في ولايات يحكمها حاليًا حزب بهاراتيا جاناتا (BJP) اليميني، وعلى رأسها دلهي وأوتار براديش وماهاراشترا وغوجارات وراجستان وهاريانا.
من بين المساجد التي طالها الهدم مسجد عجائب شهيد Ajgaib Shaheed Mosque، الذي يعود تاريخ بنائه إلى نحو مئتي عام في مدينة فاراناسي Varanasi، فيما يواجه مسجد غنج الشهيدة Masjid Ganj Shaheeda التاريخي، الذي يُقدَّر عمره بألف عام ويقع في المدينة نفسها، خطر الهدم أيضًا. ويُعد هذا المسجد من المواقع ذات القيمة التاريخية والدينية البارزة.
تُظهر عمليات الهدم نمطًا متكررًا يتمثل في الاستهداف الانتقائي للمواقع الدينية الإسلامية، مع تبرير ذلك بادعاء أنها شُيِّدت بصورة غير قانونية. غير أن أياً من الحالات المذكورة لم تُستوفَ فيها الإجراءات القانونية الواجبة، كما لم تُوجَّه أي إخطارات مسبقة قبل تنفيذ عمليات الهدم.
في الوقت الذي استهدفت فيه الإجراءات المنشآت الدينية الإسلامية، تُركت منشآت دينية هندوسية مجاورة، يُقال إنها شُيِّدت أيضًا من دون ترخيص، من دون أن تمسها السلطات.
وقد أثار تزايد عمليات الهدم نقاشًا واسعًا حول مبدأ المساواة أمام القانون وضرورة حماية التراث الديني، ووجوب التزام السلطات بالشفافية واحترام الإجراءات القانونية الواجبة في جميع هذه القضايا، بصرف النظر عن الطائفة أو المجتمع المعني.
العدالة للجميع تدعو إلى حماية الحرية الدينية
استقطبت موجة الهدم الأخيرة اهتمامًا دوليًا كذلك. ففي 17 يونيو/حزيران من هذا العام، أعربت منظمة "العدالة للجميع" (Justice For All) ومقرها الولايات المتحدة، عن قلقها مما وصفته بتسارع عمليات هدم المساجد في الهند، مشيرة إلى الإجراءات الأخيرة في سامبهال وفاراناسي وجايبور.
وقالت المنظمة في بيان إن ثلاثة مساجد هُدمت في غضون خمسة أيام فقط، معتبرةً أن هذا التوجه يثير مخاوف تتعلق بالحرية الدينية والمساواة في تطبيق القانون. وأشارت على وجه الخصوص إلى هدم مسجد مصطفى قادري Masjid Mustafa Qadri في سامبهال Sambhal، ومسجد الشهيد أزغيب Shaheed Azgaib في فاراناسي، ومسجد نوراني Noorani في جايبور.
واتهمت منظمة «العدالة للجميع» السلطات الهندية بتطبيق معايير مختلفة عند التعامل مع المنشآت الدينية، ودعت المثقفين ومنظمات المجتمع المدني في الهند إلى التكاتف لمواجهة ما وصفته بـ«سياسات الكراهية». كما شددت على ضرورة احترام الضمانات الدستورية التي تكفل حرية الدين، محذرة من أن تزايد عمليات الهدم قد يعمّق شعور الأقليات بعدم الأمان.
من منظور إسلامي وآثاري، لا تُقاس قيمة المساجد بعمرها الزمني فحسب، بل بما تمثله من هوية دينية وثقافية ووثائق مادية تحفظ تاريخ المجتمعات الإسلامية. فالمساجد التاريخية جزء من التراث الحضاري الإنساني بما تحمله من خصائص معمارية ونقوش وأوقاف، وارتباطها بالذاكرة الجماعية للسكان. لذلك، فإن إزالة هذه المعالم دون توفير بدائل للحفاظ على قيمتها التراثية تثير مخاوف بشأن مستقبل الموروث الإسلامي في الهند.
فيما يؤكد المختصون في التراث أن حماية الآثار الدينية لا ينبغي أن تخضع للاعتبارات السياسية أو الديموغرافية، بل تستند إلى المعايير الدولية الخاصة بحفظ التراث الثقافي، باعتباره إرثًا إنسانيًا مشتركًا. ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على المساجد التاريخية، ومنها مسجد عجائب شهيد، لا يمثل مطلبًا دينيًا للمسلمين وحدهم، بل يندرج ضمن مسؤولية أوسع تتمثل في صون التنوع الحضاري وحماية الشواهد التاريخية من الاندثار، بما يضمن بقاءها مصدرًا للمعرفة والذاكرة للأجيال القادمة.
في المقابل، تؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تُنفَّذ وفقًا للأطر القانونية والإدارية المعمول بها، بينما يرى منتقدون أن الشفافية واحترام الإجراءات القانونية الواجبة والتطبيق المتساوي للقانون، تظل عناصر أساسية للحفاظ على ثقة الجمهور وصون الحقوق الدستورية.
شارك هذا المقال


































