المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

المرأة المسلمة من الهجرة الأولى إلى اللجوء المعاصر

مدة القراءة: 7 دقائق

هاجرت المرأة المسلمة منذ فجر الدعوة حاملة لواء دينها ومبادئها، لتساهم في نشر تعاليم الإسلام الحنيف جنباً إلى جنب مع الرجل، مدركةً جوهر التكليف الرباني لكافة المؤمنين أياً كان جنسهم. ومع تراجع قوة الأمة ونفوذها وانحدارها التدريجي نحو التمزق والتشتت والنزاعات، تحولت هجرتها السامية إلى لجوءٍ مذلٍّ ونزوحٍ جائر، مع وجود نماذج نسائية حاولن أن يثبتن ويعدن بناء حياتهن التي هي نواة حياة المجتمعات.

منذ فجر البعثة المحمدية، حملت المرأة المسلمة مبادئ راسخة في نفسها ومضت مهاجرةً في سبيل الله تاركةً وراءها مرابع نشأتها في مكة التي ضاقت بدينها الجديد ذرعاً، فانتفضت على أتباع محمد صلى الله عليه وسلم تنكل بهم قتلاً وتعذيباً. وكانت المرأة حينها تعي تماماً أنها لا بد أن تآزر الرجال في رفع لواء الحق وإعلاء كلمة الله ورسوله، ومن سواها وهي الأم والزوجة والابنة، تقدر على غرس بذور العقيدة في المهج والأفئدة والعقول بمكابدةٍ لا تهن ولا تلين.

وهاهي وقد حملتها القفار والبحار تطوي المسافات في هجرة الحبشة الأولى والثانية ومن بعدها هجرتها إلى المدينة المنورة كي تساهم في إقامة دولة الإسلام المنيعة، مستجيبةً لدعوة الله عز وجل، بتكليف عباده المؤمنين رجالهم ونسائهم على حد سواء، لنشر تعاليم الإسلام بين الناس.

وما من شك أن النساء اللواتي خرجن مهاجرات في ذلك العصر، قد تحمّلن من المشاق والأذى في سبيل عقيدتهن الكثير والكثير، بل إن منهن من ماتت في بلاد الغربة أو في الطريق إليها.

لكن المرأة المسلمة في عصر الهجرة المبكر، كانت مدركةً لأهمية الدور المنوط بها فكانت نعم السند ونعم الداعم في إعداد العدة للرحلة المجهولة، ومؤازرة الرجال ودفعهم للمضي دون خذلان أو تردد، مقتديةً بالسيدة هاجر التي ارتحلت إلى أرض ليست بذات ماء أو كلأ، متسلحةً بالصبر والتحمل والايمان.

ولم يغفل الذكر الحكيم عن تبيان حال المهاجرين والمهاجرات ساعة غادروا أرضهم وديارهم فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) سورة الأنفال﴾

وبالفعل أثمرت خطوات أولئك المشّاءات عبر الصحارى والمحيطات، نهارات مضنية وليالٍ طوال بمشيئة الله ومنته، فأضاء نور الاسلام جنبات العالم ووصل ريحه الطيب قاع الوديان وذرا الجبال الشامخات، وجاء نصر الله والفتح وصار الناس يدخلون في دين الله أفواجاً بفضل رقية وأم سلمة وسهلة وليلى وأسماء علمناها وأخرى جهلناها قد أحصاها المولى وعدها عدا.

وتمضي السنون محملة بكثير من الخيبات والانحدار والضعف بعد أفول شمس العصور الراشدة والأموية والعباسية والأندلسية والعثمانية، وغرق الأمة الاسلامية ببحور النزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والضعف والشتات، فيما تتسارع فيها التغيرات والتوترات، لتجد الكثيرات من النساء المسلمات أنفسهن مضطرات لترك أوطانهن بحثاً عن الأمان والعيش الكريم، ما خلق بوناً واسعاً بين دوافع وحيثيات الهجرة الأولى والهجرة المعاصرة التي يكابدنها، والتي ترتدي عباءة اللجوء والنزوح المتخمة بانتهاك الحقوق الإنسانية أو الاستغلال أو التمييز.

وتبدأ المرأة المسلمة بمعاينة ضروباً متنوعةً من التفرقة والدونية وانعدام شبكات الدعم الاجتماعي وصعوبة الاندماج مع المجتمعات الجديدة بسبب حواجز اللغة أحياناً والثقافة أحياناً أخرى.

فيما تنوء النساء اللاتي هاجرن أو نزحن بفعل الحرب تحديداً، تحت وطأة هموم ومشاق هائلة، ما يجعل مهماتهن في رعاية الأطفال وتأمين الاحتياجات الاساسية غاية في الصعوبة، ناهيك عن الخوف وإعادة الانتقال من بقعة إلى بقعة، محاطات بالموت والقصف وانعدام الأمان من كل حدب وصوب، ولنا في نساء اليمن والسودان وكشمير وميانمار وغزة وغيرهن، شواهد وافرة.

وتعتبر هجرة الفرار السريع الذي يضطر المرأة للنجاة بنفسها وأطفالها تحت وابل من الرصاص أو القصف الوحشي الذي لا يراعي حرمة أرواح المدنيين، هي الأسوأ على الإطلاق إذ لا يتسع الوقت لاصطحاب أية وثائق أو احتياجات ضرورية، فتجدها تنفر دون تفكير أو تخطيط، لتلتحف العراء أو تفترش خيمة ممزقة لا تقيها حراً ولا برداً، ولا تمنع استغلالها بشكل بشع ومهين، علاوةً على الجوع والاحتياجات الطبية أو الانسانية الأخرى.

وهذا ما حدث في غزة العزة، حيث استمرت رحى الابادة الجماعية لأكثر من عامين عانت خلالهما المرأة المسلمة الويلات، ونزحت مراراً وتكراراً من شمال القطاع إلى جنوبه ومن جنوبه إلى كل الاتجاهات، بحثاً عن مأوى ولقمة طعام، بعد أن أحال الاحتلال الاسرائيلي القطاع إلى أكوام من الدمار و الدماء. ومع وجع النزوح ذاقت المرأة الغزّاوية فقدان المعيل وانعدام الطعام والدواء وتلاشي الآمال بأبسط حقوق الحياة كالتعليم أو العمل أو الطبابة.

وبغض النظر عن الآثار المادية المدمرة للهجرة أو النزوح القسري، فإن الآثار النفسية الموجعة لا يمكن تجاوزها ولو بعد سنوات، إذ تبقى مسيطرةً على المرأة بصفتها كائناًعاطفياً يحتاج إلى الانتماء والشعور بالأمان، حيث يلازمها شعور الغربة والحنين كظلٍّ لروحها المنهكة، وتُستثار ذكرياتها في كل حين بسهولة وغزارة، بقطرة مطر أو ورقة خريف أو قوس قزح في الأفق.

وفي عالمهن الجديد الذي يختلف عن تقليدية الحياة وسيرها الهادئ الآمن، تتعاظم التحديات وتتسع وتتعمق أمام المسلمات المهاجرات، فنجدهن إما صامدات يكابدن الجوع والذل والعراء بكل صبر وعزيمة عندما يُسقط في أيديهن، فيقعن ضحية الاحتجاز أو الإغلاق أو الحصار كمسلمات غزة والروهينغا، وإما ساعيات إلى الانغراس في مجتمعاتهن الجديدة يحاولن مدّ جسورٍ واهيةٍ تربطهن بأي نوعٍ من الاندماج أو الإنتاج أو التواصل، كما فعلت بعض السوريات في تركيا ولبنان ودول أوروبا، حيث تعلمت الكثير منهن إعالة أنفسهن بمشاريع صغيرةٍ، كالطبخ المنزلي والأشغال اليدوية والعمالة، فيما انخرطت الشابات المهاجرات في الجامعات ومنظمات المجتمع المدني بعد إتقانهن لُغات البلدان المضيفة.

كذلك نجحت الكثيرات من النساء العراقيات بعد اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، بالوصول إلى بريطانيا، وبدأن العمل وتأسيس المشاريع الصغيرة في العاصمة لندن بالرغم من اشتداد وطأة الغربة عليهن بسبب تآلفهن مع مجتمعاتهن الأصلية، وحنينهن الدائم للوطن، إضافةً لصراعهن بين التشبث بأعرافهن وتقاليدهن، وضرورة اندماجهن بالبيئة الغربية ومحاولة الانطلاق منها لتأسيس حياة جديدة.

وفي أكبر مخيم للاجئين في العالم حيث يقبع أكثر من نصف مليون من مسلمي الروهينغا منزوعي الجنسية في بنغلاديش، تعيش النساء المسلمات اللاجئات حياةً صعبةً وسط إمكاناتٍ ضعيفة لا توفر أبسط شروط العيش المتواضع، هرباً من القمع والظلم والاضطهاد في ميانمار. ومع ذلك يحاول العديد منهن أن يجدن ولو شعاع أملٍ وسط الظلام، فنجد بينهن من تعمل كمعلمةٍ ومن تصنع أكشاكاً من الخيزران أو البلاستيك، وثالثةً تحيك الصوف وأخرى تمرّض.

وبالعودة إلى مفهوم الهجرة الأساسي بعيداً عن حيثياته ودوافعه وأسبابه وعصوره، نجد أن المرأة المسلمة كلما تسلحت بالمعرفة والوعي والإدراك السليم فضلاً عن عقيدتها الراسخة في معرفة سبب وجودها وهويتها الحقيقية التي فطرها الله عليها، كلما كانت قادرةً على مواجهة شظف العيش ومرارته، سواء في وطنها أو في بلاد الاغتراب واللجوء، ولعل من المفيد أن تتدخل حكومات الدول المسلمة ومنظماتها المدنية وخصوصاً الغنية منها، بتوظيف مواردها، لزيادة تمكين المرأة المسلمة بصفتها تمثل نصف المجتمع وهي المسؤولة عن تنشئة وتربية الأجيال، من خلال التعليم والتدريب المهني المناسب، لتكون قادرة على تحقيق العيش الكريم لنفسها ولعائلتها في وطنها، أو الوقوف بوجه المحن إذا ما هبت عواصف الحياة العاتية، واضطرت لمواجهة نكبات الهجرة أو النزوح.

ومن المفيد كذلك ألا تُترك مجتمعات اللاجئات المسلمات معزولةً، تتفاقم فيها الأزمات والمشكلات، أو مغيّبةً عن الإعلام ومواقع التواصل التي يجب أن تحفل بشرح أوضاعهم والتعريف باحتياجاتهم، دون أن تمد الدول المسلمة يد العون والتعليم والصحة والتمكين والدعم لتلك المجتمعات، وكيلا تقع فريسة جمعيات تبشيرية أو منظمات ذات أهداف خبيثة، انطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".