الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين
الإرث الإسلامي المخفي في الأمريكيتين
عندما انتهى حكم المسلمين الذي استمر ثمانية قرون في الأندلس سنة 1492، وجد الإسلام تعبيرًا جديدًا له فيجزر الهند الغربية عبر بحّارة مسلمين أندلسيين قاموا بتوجيه رحلات كولومبوس عبر المحيط الأطلسي.
كان هؤلاء البحّارة، الذين تلقّوا تدريبًا قرونًا طويلة في الملاحة عبر الأطلسي، ليسوا مجرد قادة سفن؛ بل كان كثيرمنهم يسعون إلى الحرية الدينية والسلام بعد أن غادروا الأندلس المدمَّرة. وفي الرحلة الثانية لكولومبوس سنة1494، وطئت أقدامهم جزيرة جامايكا أرض الجبال الغنية بالغابات، والشلالات، والشواطئ الرملية، والبحارالزرقاء الصافية. وعلى الرغم من أن كولومبوس ورفاقه المسيحيين لم يكونوا يعرفون ذلك، فإن هؤلاء البحّارة المسلمينالناطقين بالعربية كانوا بالفعل على دراية بالمنطقة وجزرها وسكانها.
فالاسم كاريب Carib وهو جذر كلمة الكاريبي Caribbean، كلمة عربية قرآنية: قريب (Qareeb) بمعنى المجاوروالقريب مكاناً، والجار أو القريب نسباً. أما صيغة الجمع أو الصفة قريبون (Qareebun)، فتقابل كلمة كاريبيانCaribbean أو Cariban. هذه المصطلحات هي جزء من اللغة العربية منذ ما يقارب ثلاثة آلاف سنة، وتَرِد كثيرًافي القرآن الكريم، غالبًا بوصفها صفة من صفات الله: القريب (Al-Qareeb).
هذا الاشتقاق اللغوي سابق لوصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأمريكية بقرون. أما أقدم استعمال أوروبيموثّق لكلمتي Carib وCaribbean، فلم يظهر إلا في منتصف القرن السادس عشر، وغالبًا ما ارتبط بدلالاتسلبية تتعلق باتهامات بأقوام تأكل لحوم البشر. في المقابل، الكلمتان قريب وقريبون في العربية مشتقتان منالجذر "قرب" الذي يدلّ على الدنوّ والاقتراب، سواء في المكان أو في العلاقة. وهذا الاشتقاق يمنحهما دلالةإيجابية، إذ يرتبط القرب في الثقافة اللغوية بالعلاقة الإنسانية والمودة والتواصل لا بالبعد أو القطيعة. كما أناستعمالهما لا يقتصر على المجال المكاني، بل يتسع ليشمل القرب الاجتماعي والعاطفي، بما يعكس فكرة الألفةوالاتصال بين الناس.
يُعتقد أن البحّارة المسلمين الأندلسيين، الذين كانوا ذوي خبرة في الملاحة عبر المحيط الأطلسي، أطلقوا اسمقريبون (Caribbean) على الجزء الغربي من شمال الأطلسي المحصور بين أمريكا الوسطى وشمال أمريكاالجنوبية والجزر القريبة، كما أطلقوا على سكانه اسم قريب (Caribs)، وذلك قبل وصول كريستوفر كولومبوسبوقت طويل. وتذكر بعض الروايات التاريخية، مثل ما أورده المؤرخ علي المسعودي في كتابه "مروج الذهب" فيالقرن العاشر، أن بحّارة مسلمين من الأندلس بقيادة خَشْخَاش بن سعيد بن أسود أبحروا في المحيط الأطلسيسنة 889م وعادوا محملاً بالغنائم والكنوز. كما تُنسب رحلات بحرية مماثلة قبل كولومبوس إلى ملاحين آخرين، منبينهم الأدميرال الصيني تشنغ خه Zheng He.
استمر الوجود الإسلامي في المنطقة مع وصول الأفارقة المسلمين الذين جُلبوا للعمل عبيداً في مزارع جامايكا. وقدقاوم كثير منهم العبودية وهربوا من أسيادهم إلى الجبال وهو شكل من أشكال الهجرة الأولى، وهناك أسسوامجتمعات المارون (Maroon) الحرة وهو ما يمكن أن نطلق عليه صفة الأمة أو الجماعة. وقد حافظت تلكالمجتمعات على عناصر من إيمانها وتراثها بالرغم من العزلة والقمع الذي عانت منه لاحقاً ومنعتها من الممارسةالعلنية لدينها الإسلامي.
إن هذه الأدلة اللغوية والتاريخية لتدعونا إلى إعادة النظر بجدية في كتابة تاريخ الأمريكيتين، والاعتراف بالإسهامالكبير للبحّارة المسلمين والمسلمين الأفارقة في التاريخ المبكر للمنطقة رغم المحاولات المستمرة لتهميشه وطمسه.



