
جيلٌ يحفظ القرآن... لكنه لا يعيش بهديه
بقلم
لم يشهد تاريخ الأمة الإسلامية عصرًا انتشرت فيه حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتيسرت فيه وسائل تعلمه كما هو الحال اليوم. ومع ذلك، فالمتأمل في واقع المسلمين يلحظ مفارقة تستحق الوقوف عندها، إذ يزداد عدد الحفاظ عامًا بعد عام، بينما لا ينعكس هذا الازدياد بالقدر نفسه على السلوك الفردي أو الحياة العامة.
ولما كان حل المشكلات والتحديات التي تواجه العالم الإسلامي يتطلب العودة إلى تعاليم القرآن الكريم السامية، فلا بد من التأكيد على أهمية تطبيق منهج هذا الكتاب العظيم والعمل به في تفاصيل حياتنا اليومية لأن القرآن نفسه بيَّن الغاية من إنزاله بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].
في مؤلفات السلف الصالح، يؤكد ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد" على أن العبرة من القرآن الكريم تتأتى من الفهم والعمل، معتبرًا أن تلاوة القرآن وحفظه وسيلتان لمعرفة معانيه. ويرى في الوقت ذاته أن أهل القرآن الحقيقيين هم العاملون به والعالمون بما فيه، وإن لم يحفظوه. وقد شبَّه من يحفظ القرآن دون أن يفهمه أو يعمل به بمن يصنع سهمًا بإتقان بالغ، ثم لا ينتفع به في الرمي. كما رجّح أن قراءة القرآن بترتيل وتدبر وتفقه، مع قلة الكمية المقروءة، أفضل من سرعة القراءة لمجرد الإكثار منها، لأن التدبر يزيد مرتبة الإيمان ويرفع قدر العبد عند الله.
لم يكن هذا الفهم غائبًا عن الجيل الأول من المسلمين، فقد كانوا يتلقون القرآن على أنه منهج للتغيير قبل أن يكون مادةً للحفظ. وقد روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا يتعلمون عشر آيات، فلا ينتقلون إلى غيرها حتى يفهموا ما فيها ويعملوا به، فكان العلم والعمل يسيران جنبًا إلى جنب. ولم يكن معيار التفاضل بينهم كثرة المحفوظ، بل مقدار ما أحدثه القرآن من أثر في النفوس والأخلاق والمعاملات. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذا المنهج التربوي الذي يجمع بين الحفظ والفهم والعمل.
بمقارنة سنن الأولين من الأصحاب الكرام رضي الله عنهم مع ما نراه في واقعنا اليوم يتكشف لنا سبب هذه المفارقة التي نعيشها اليوم، فالكثير من المسلمين يتعاملون مع القرآن كمادةً للحفظ وإتقان التلاوة، أكثر منه منهجًا لتزكية النفس وإصلاح السلوك. وقد أسهمت بعض أساليب التعليم، من حيث لا تقصد، في جعل النجاح يُقاس بعدد السور المحفوظة، لا بمقدار ما أحدثته الآيات من أثر في الأخلاق والمعاملات. ومع تسارع إيقاع الحياة وهيمنة الشاشات وضعف مجالس التدبر، أصبح كثير من الناس يقرؤون القرآن طلبًا للأجر، وهو مقصد عظيم، لكنهم لا يمنحون القدر نفسه من العناية للغاية التي أُنزل القرآن من أجلها، وهي الهداية والتغيير.

ولكن هل يمكن دمج القرآن في الحياة اليومية؟ وهل يمكنه أن يغيّر سلوك الإنسان وتصرفاته؟
الجواب: نعم، بكل تأكيد. فالقرآن الكريم قادر على أن ينير القلب والعقل والروح.
فهو البوصلة التي يهتدي بها الإنسان في رحلة بحثه عن هويته الحقيقية ومعرفة سبب وجوده، وما يطلبه الله منه من واجبات ومسؤوليات، وكيف ينبغي له أن يقضي حياته لينال رضاه.
بعد أن يتعرف المؤمن إلى حقيقة ذاته وعبوديته للمولى جل جلاله، يشعر بقلبه يفيض امتنانًا لهذا الكتاب المعجز الذي يملأ حياته بأجمل المعاني وأكثرها إشراقًا، ويجعلها تنبض بالسكينة الروحية بقدر ما تتشرب من الفهم المتبصر.
هناك وسائل عديدة يمكن للمسلم من خلالها أن يبني علاقة صحيحة مع القرآن الكريم، فيصبح البيان الرباني منارةً ترشده إلى الطريق المستقيم قولًا وعملًا، وتنقله من مجرد حافظ للكلمات إلى مؤمن واعٍ يدرك الغاية مما يقرأ.
أولى هذه الوسائل أن يفهم القارئ كيف يقرأ القرآن. فتلاوة القرآن الكريم وفق أحكام التجويد الصحيحة تملأ القلب بالطمأنينة، والنفس بالسكينة، والمكان بالبركة، وتجعل الإنسان يشعر بقرب الله وتخفف عنه الحزن والكرب، لما لها من أثر في تهدئة النفس وتثبيتها على طريق الحق.
لكن التلاوة وحدها لا تكفي، فلكي يتحقق الفهم الصحيح للقرآن الكريم، لا بد من التعرف إلى معاني كلماته وتفسيره على يد عالم متخصص، لأن التفسير يكشف أسرار القرآن ويلقي الضوء على المعاني الدقيقة للآيات والسور، فينتقل القارئ من مجرد التلاوة إلى الفهم، ومن الفهم إلى العمل.
ومن أفضل وسائل التدبر أيضًا الإنصات إلى القرآن الكريم بتمعن، سواء بالاستماع إلى تلاوته، أو إلى محاضرة علمية تشرح معانيه، عبر الإنترنت أو في مسجد أو معهد. ويشهد كل طالب علم على الأثر الروحي العميق الذي تتركه مجالس القرآن في القلب، وما تعقبه من سكينة وطمأنينة.
وهناك ممارسات يسيرة تعين على تحويل التدبر إلى سلوك، كأن يخصص المسلم بعد كل وردٍ قرآني دقائق معدودة يسأل فيها نفسه: ما الرسالة التي تحملها هذه الآيات لي اليوم؟ وما الخُلُق الذي تدعوني إليه؟ وما السلوك الذي ينبغي أن أغيره؟ فمثل هذه المحاسبة اليومية تجعل العلاقة مع القرآن علاقةً متجددة، وتحوّل القراءة من عادة متكررة إلى رحلة مستمرة في تزكية النفس وإصلاحها. ومع مرور الأيام تصبح هذه المحاسبة عادةً يومية، فيقرأ المسلم القرآن وهو ينتظر أن يخاطبه، لا أن يضيف إلى محفوظاته فحسب. وهنا يبدأ القرآن بأداء دوره الحقيقي في بناء الشخصية.
ولكن ما دور حفظ القرآن وأهميته؟
إن حفظ كلام الله في القلب نعمة عظيمة، فهو يعين صاحبه على ترديد الآيات عند الشدائد وعلى قيام الليل الذي يمثل أصدق صلة بين العبد وربه.
كما أن الحفظ يجعل المؤمن يعيش مع القرآن في تفاصيل حياته اليومية، فما أكثر المواقف التي يستحضر فيها آيةً تناسب ما يمر به، فتكون له عزاءً أو توجيهًا أو تثبيتًا، فيزداد فهمًا لحقيقة الحياة الدنيا. وهنا تتجلى الثمرة الحقيقية للحفظ، حين تتحول الآيات من محفوظات في الذاكرة إلى نور يهدي السلوك ويقود المواقف.
ويبقى السؤال الأهم: كيف نعمل بأحكام القرآن الكريم ونطبقها في حياتنا؟
ينبغي أن يكون القرآن حاضرًا في تفاصيل حياتنا اليومية، فهو كتاب أنزله الله هدىً للبشرية جمعاء. ولذلك فإن القراءة والحفظ والتجويد وسائر العبادات المتعلقة بالقرآن، لا تؤتي ثمارها كاملة إذا لم تقترن بالعمل بأوامره واجتناب نواهيه، بل قد تكون حجة على صاحبها إذا علم ولم يعمل، أو تعلم ولم ينوِ الامتثال.

فالقرآن الكريم لا يقتصر على تزكية الروح وبناء الجانب الإيماني، بل يقدم للمسلم منهجًا متكاملًا للحياة، يبدأ بالوفاء بالعهود وأحكام المعاملات والاقتراض والمواريث ورد الإساءة بالإحسان ويمتد إلى بناء الأسرة وعقود النكاح وفقه الزكاة والدعوة إلى الله وتربية الأبناء وسائر العلاقات التي تنظم حياة الفرد والمجتمع.
ولا ينبغي أن نكتفي بتعلم القرآن الكريم وفهمه وحفظه والعمل به بل لا بد من تعليمه للآخرين أيضًا.
قد يبدو قول الإنسان: "أنا أعلّم القرآن" أمرًا كبيرًا، بينما يمكن أن يبدأ بصورة يسيرة، كدعوة بعض الأصدقاء أو أفراد الأسرة إلى لقاء أسبوعي تُقرأ فيه آيات من القرآن الكريم، ثم تُترجم معانيها أو تُفسَّر، ويتحاور الجميع حول كيفية تطبيقها في واقعهم. فمثل هذه المجالس الصغيرة قد تكون من أعظم أسباب إحياء الصلة بالقرآن، لأنها تربط العلم بالعمل، وتحوّل التدبر إلى ممارسة عملية.
ما من شك أن الرابطة التي تجمع المسلمين على أساس تدارس القرآن معًا رابطة لا توصف، إنها محبة صادقة وروحانية خالصة لله تعالى، تسمو فوق كل الدوافع والمكاسب الدنيوية.
وربما كان من أكبر التحديات التي تواجه المسلمين اليوم أن القرآن أصبح حاضرًا بقوة في المناسبات، بينما يغيب عن كثير من القرارات اليومية. فنحن نستمع إليه في المساجد ونحفظه في الحلقات ونزين به بيوتنا، لكننا قد نغفل عن استحضاره عند الخصومة أو في المعاملات المالية أو في تربية الأبناء أو عند التعامل مع الجار والزميل والمخالف. والقرآن لا يريد من المسلم أن يعيش معه ساعات محدودة، بل أن يصاحبه في كل المواقف، حتى يصبح ميزانًا يزن به أقواله وأفعاله.
أخيراً، يحمل القرآن الكريم من المعاني السامية والهدايات العظيمة ما يغذي الروح بالعلم النافع، ويملأ القلب سكينة، ويقود الإنسان إلى حياة يرضى عنها الله. ولن تستعيد الأمة أثر القرآن في واقعها بكثرة الحفاظ مهما بلغوا، وإنما عندما يخرج من بين هؤلاء الحفاظ جيلٌ يتدبر القرآن كما يحفظه، ويعمل به كما يتلوه ويجعله مرجعًا في أخلاقه وسلوكه وقراراته. فحينئذٍ يتحقق المقصود من نزول القرآن، ويغدو كتاب الله منهجًا للحياة، لا مجرد نصوص تُتلى أو تُحفظ.
شارك هذا المقال


































