
رئيس المديرية العامة للاستخبارات الأفغاني مستقبلا رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية، كابول، 16 سبتمبر 2026
عن أهمية جولة رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية إلى كابل وإسلام آباد
بقلم
قام رئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية إبراهيم قالن بتحركات ذات دلالة كبيرة في الأيام الأخيرة. ولم يكن انتقاله من أفغانستان إلى باكستان مجرد ترتيب جغرافي لزيارة إقليمية، بل جاء في لحظة تتقاطع فيها عدة أزمات أمنية في جنوب آسيا والشرق الأوسط. فبعد أن أجرى قالن محادثات في كابل وقندهار مع مسؤولين كبار في حكومة طالبان، انتقل إلى إسلام آباد، حيث التقى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات عاصم مالك، ثم استقبله رئيس الوزراء شهباز شريف. وبحسب المصادر الأمنية التركية، تناولت المحادثات العلاقات الثنائية والتعاون الأمني، إلى جانب التطورات الإقليمية والدولية ومخاطر اتساع رقعة الصراعات.
لكن دلالة الجولة تظهر بصورة أوضح عند قراءة محطتيها معًا. ففي كابل، بحث قالن مع رئيس جهاز الاستخبارات الأفغاني عبد الحق وثيق ومسؤولين كبار، بينهم نائب رئيس الوزراء الملا عبد الغني برادر ووزيرا الدفاع والداخلية، تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بين تركيا وأفغانستان. كما تناولت المحادثات التطورات الإقليمية، والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إضافة إلى مكافحة الإرهاب وتهريب البشر والمخدرات.
وفي إسلام آباد، انتقل النقاش إلى الطرف الآخر من الأزمة الأفغانية. فباكستان تواجه منذ فترة توترًا متصاعدًا مع حكومة طالبان، وتتهمها بالسماح لجماعات مسلحة معادية لباكستان بالعمل من الأراضي الأفغانية. وفي اليوم السابق لوصول قالن، أكدت إسلام آباد في الأمم المتحدة أنها تحتفظ بحق الرد دفاعًا عن النفس على التهديدات الإرهابية المنطلقة من أفغانستان.
لهذا السبب، يبدو أن المحور الأوضح في تحرك قالن هو محاولة إبقاء قنوات الاتصال بين كابل وإسلام آباد مفتوحة. وقد أكدت المصادر التركية أن أنقرة ستواصل بذل الجهود للمساعدة في حل التوتر بين الطرفين عبر الحوار، بينما قالت الخارجية الباكستانية إنها منفتحة على جهود الوساطة الخارجية، لكنها اشترطت حصولها على ضمانات حول النشاطات المسلحة المنطلقة من الأراضي الأفغانية.
وتكتسب هذه الوساطة المحتملة أهمية إضافية لأن تركيا ليست طرفًا غريبًا عن هذا الملف. فقد شاركت الاستخبارات التركية سابقًا في جهود لخفض التصعيد بين باكستان وأفغانستان، واستضافت إسطنبول محادثات بينهما، وكذلك فعلت قطر. وتفيد تقارير أفغانية بأن التحرك التركي والقطري الأخير في كابل جاء بطلب باكستاني، وإن كانت هذه المعلومة لم تؤكدها رسميًا الحكومتان التركية والباكستانية.

غير أن أفغانستان ليست سوى طبقة واحدة من الحسابات الباكستانية. فإسلام آباد تتحرك في بيئة أمنية أوسع تشمل التوتر مع الهند، والتطورات المرتبطة بإيران وإسرائيل، والتصعيد في الشرق الأوسط. وفي 15 سبتمبر/أيلول وقع احتكاك بين سفينة تابعة للبحرية الهندية وسفينة باكستانية خلال تمرين بحري، أعقبه تبادل للاحتجاجات الدبلوماسية. وقالت الخارجية الباكستانية إن السفينة الهندية نفذت مناورات خطرة داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لباكستان، بينما قدمت الهند رواية مختلفة للحادث.
هذا التطور مهم لفهم توقيت زيارة قالن لأنه يكشف مقدار الضغط الأمني الذي تتحرك في ظله القيادة الباكستانية. فزيارة رئيس الاستخبارات التركية جاءت بعد يومين فقط من الحادث البحري، وفي وقت كانت فيه إسلام آباد تواجه أيضًا أزمة أمنية مع أفغانستان وتداعيات التصعيد في الشرق الأوسط.
أما إسرائيل، فتدخل في المشهد من زاوية أخرى. الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران هي أحد الملفات التي ناقشها قالن مع المسؤولين الأفغان والباكستانيين على حد سواء. وتقول المصادر التركية إن لقاءاته في إسلام آباد تناولت التوازنات الأمنية التي نشأت في الشرق الأوسط بعد الحرب، وانعكاساتها السياسية والأمنية والاقتصادية، إلى جانب مخاطر انتقال الصراع إلى مناطق أخرى.
وفي الخطاب الأمني الباكستاني، يرتبط هذا الملف أحيانًا بالهند وإسرائيل معًا. فقد تحدث وزير الدفاع خواجة محمد آصف في الأشهر الماضية عن التعاون العسكري بين الهند وإسرائيل بوصفه عنصرًا في البيئة الاستراتيجية التي تواجهها بلاده. كما ذهب في تصريحات أخرى إلى الربط بين الهند وأفغانستان وإيران وإسرائيل في سياق ما وصفه بالمخاطر التي تحيط بباكستان. هذه مواقف سياسية وأمنية صادرة عن مسؤول باكستاني، وليست وقائع مستقلة مثبتة حول وجود تنسيق رباعي ضد إسلام آباد.
زيارة قالن إلى إسلام آباد لم تكن مخصصة لملف إسرائيل أو الهند؛ فالمصادر التركية التي تحدثت عن الاجتماعات لم تقل ذلك. لكنها في الوقت نفسه تتيح قراءة الزيارة ضمن بيئة أوسع بكثير من العلاقات التركية الباكستانية. فإسلام آباد تنظر إلى أمنها من خلال دوائر مترابطة: أفغانستان في الغرب، والهند في الشرق، وإيران والشرق الأوسط في الجنوب الغربي، بينما أصبح البحر العربي وممراته جزءًا من الحسابات الأمنية المرتبطة بالتوتر الإقليمي.
وهنا يأتي ملف السعودية واتفاق مكة ويدخل في المعادلة. فقد ناقش قالن مع المسؤولين الباكستانيين التوترات بين السعودية والحوثيين، ومخاطرها على الاستقرار الإقليمي. كما أكدت الخارجية الباكستانية أن اتفاق الدفاع مع السعودية أصبح إطارًا قائمًا للتعاون، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن معالجة أزمة البحر الأحمر وباب المندب ينبغي أن تقوم على الحوار والدبلوماسية.
تزامنت هذه التطورات مع تأكيد وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن بلاده ستقف إلى جانب السعودية إذا تصاعدت المواجهة، في حين قال مسؤولون باكستانيون إن اتفاق مكة هو إطار للتنسيق بين باكستان وتركيا والسعودية. فيما أفادت صحيفة «فايننشال تايمز» أن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير حثّ إيران على وقف الهجمات الحوثية على السعودية، محذرًا من أن إسلام آباد قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن المملكة إذا طلبت الرياض ذلك بموجب اتفاق الدفاع المشترك.
من هنا تبدو أهمية تحرك قالن في أنه يجمع بين مسارين مختلفين ظاهريًا: مسار جنوب آسيوي يبدأ من الخلاف الأفغاني–الباكستاني، ومسار شرق أوسطي يمتد من الحرب على إيران إلى أمن السعودية والبحر الأحمر. وبينهما تقف باكستان، التي تجد نفسها مضطرة إلى إدارة علاقات متزامنة مع طالبان والهند وإيران والسعودية وتركيا، في وقت يتسع فيه نطاق التوتر الإقليمي.
أما تركيا، فتملك ميزة الاتصال بأطراف متعددة في هذه المعادلة. علاقاتها مع طالبان تسمح لها بالتحدث مع كابل، وعلاقتها الأمنية الوثيقة بباكستان تتيح لها التواصل مع إسلام آباد، فيما يضعها اتفاق مكة في إطار تعاون دفاعي مع السعودية وباكستان. ولذلك فدور أنقرة في هذه المرحلة يبدو أقرب إلى إدارة قنوات الاتصال ومحاولة منع انتقال الأزمات من ساحة إلى أخرى، وليس إلى الانخراط المباشر في أي من هذه النزاعات.
بهذا المعنى، فإن تسلسل زيارة إبراهيم قالن من كابل إلى إسلام آباد هو أهم من كل محطة منفردة. فالمسألة لا تتعلق فقط بما دار في الاجتماعات، بل بمحاولة قراءة شبكة الأزمات التي تتقاطع عند باكستان: التوتر مع طالبان والاحتكاك مع الهند والحرب في الشرق الأوسط والعلاقات مع إيران وأمن السعودية وأخيراً اتفاق مكة. في هذه الشبكة المعقدة، تسعى تركيا إلى الاحتفاظ بدور الوسيط والقناة المفتوحة، فيما تبحث باكستان عن ترتيبات تمنع تحول تعدد الضغوط الأمنية إلى أزمات متزامنة على حدودها ومحيطها الإقليمي.
شارك هذا المقال

































