
الحرية دون معنى وغاية حرية مبتورة
بقلم
تنبيه: أنا أقرأ القرآن في ضوء العلم والفلسفة والأخلاق والسياسات العامة. وهذه المقالة ليست مناقشة في العقيدة، بل بعض التفكير العقلاني في ضوء القرآن.
السياق
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (القرآن، 30:21).
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القرآن، 30:30).
تشير هذه الآيات إلى أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد ترتيبات اجتماعية تشكلها اختياراتنا وإرادتنا، بل هي جزء من واقع طبيعي منظم ومتعدد الطبقات، يمنح الحياة الإنسانية وجهتها وغايتها ومعناها.
الطبقة الأولى: البيولوجيا
يتطلب التكاثر البشري علاقات بيولوجية مختلفة من الذكور والإناث، وقد حدد علم الأحياء لكل من الجنسين أدوارًا تناسلية مختلفة.
الجهاز التناسلي الأنثوي دوري ومنفصل إلى حد كبير ولا إرادي. فالمرأة لا تملك سيطرة واعية على عملية الإباضة أو الحيض؛ فالدورة الشهرية عملية فسيولوجية. كما أن الحمل لا يعتمد على الرغبة الجنسية لدى المرأة. ويمكن أن يحدث الحمل بغض النظر عن وجود الانجذاب الجنسي.
والقدرة الإنجابية للمرأة محدودة بالعمر، وتتطلب انخراطاً بيولوجيًا طويل الأمد منالحمل والولادة ثم رعاية الأطفال. من منظور بيولوجي بحت، يرتبط النجاح الإنجابي للمرأة بدرجة أكبر بالانتقائية والاستثمار الأبوي.
أما الدور الإنجابي للذكر فهو مختلف. فالجهاز التناسلي الذكري يتميز بإنتاج مستمر للحيوانات المنوية وبالقذف الإرادي، إلى جانب حوافز ودوافع جنسية قوية.
من الناحية البيولوجية، عملية التكاثر لدى الذكور أقل تقييدًا. فمن الناحية النظرية، يمكن لرجل واحد أن ينجب أطفالًا من عدة نساء في الوقت نفسه. رغم أن خصوبة الرجل تتراجع أيضًا مع التقدم في العمر، لكنها ليست محدودة بالطريقة نفسها كما خصوبة المرأة. ولذلك النجاح الإنجابي للذكور مرتبطً بدرجة أكبر بعدد فرص التزاوج المتاحة لهم، إذ يستطيع الرجل، نظرياً، إنجاب أطفال من عدة نساء في الفترة نفسها.
يحتاج الأبناء البشريون إلى سنوات من الرعاية والحماية والإنفاق. يجعل علم الأحياء التكاثر ممكنًا، لكنه لا ينظم بمفرده المسؤوليات التي تترتب عليه. لذلك، فاستمرار الحياة يخلق احتياجات اجتماعية لا يستطيع علم الأحياء وحده تلبيتها بالكامل.

الطبقة الثانية: الاجتماع والاقتصاد
يبدو أن الأسرة التقليدية كانت شكلًا من أشكال التكيف الاجتماعي، أي ترتيبًا مؤسسيًا قائمًا على الزواج، يتوافق مع واقعنا الإنجابي ويسهم في استدامته. وفي صورتها التقليدية، أنشأت تقسيمًا للأدوار: النساء بوصفهن مقدمات الرعاية الأساسيات، والرجال بوصفهم المعيلين. فالنساء يحملن الأبناء ويرعينهم، في حين يضمن الرجال توفير الموارد والحماية. في جوهرها، كانت الأسرة علاقة تقوم على الاعتماد المتبادل والتكامل. فقد جعل علم الأحياء التكاثر ممكنًا، بينما ساعدت الأسرة على جعله مستدامًا.
مع ذلك، ليس من الدقيق القول إن النساء كنّ غائبات عن النشاط الاقتصادي. بل إن الحياة الاقتصادية نفسها كانت تتمحور إلى حد كبير حول المنزل، وهو ما بدأ يتغير مع الثورة الصناعية. فقد انتقل المركز الاقتصادي من المنزل إلى المصانع وأماكن العمل الخارجية. وبذلك فُصل الإنتاج عن الإنجاب على المستوى المادي والبنيوي، وأُعيد، في جوانب كثيرة، تعريف الأدوار التي كانت مندمجة سابقًا داخل الأسرة.
غير أن التعاون الاقتصادي وحده لا يستطيع تحقيق الاستقرار الكامل للحياة الأسرية. فمسائل الجنس والأبوة والميراث والوفاء والالتزام تظهر حتمًا. واستدامة الحياة لا تتطلب الموارد والتعاون فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى معايير وتوقعات.
الطبقة الثالثة: الدين
يبدو الدين طبقة إضافية تعزز البنى الأسرية وتنظمها بطرق تتوافق مع النتائج الإنجابية. فهو يبني على الحقائق البيولوجية والترتيبات الاجتماعية والاقتصادية، من خلال إضفاء الطابع الرسمي على الحدود والمعايير المتعلقة بالعلاقات والجنس والحياة الأسرية.
على سبيل المثال، تحظر الأديان السماوية العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وتحصر العلاقات الجنسية المشروعة في مؤسسة الزواج. ويقوم هذا الإطار على العلاقة بين الرجل والمرأة، كما يعترف صراحة ببعض الشروط البيولوجية، مثل تحريم الجماع أثناء الحيض. وداخل الزواج، تُنظَّم العلاقات الجنسية وتُضبط بدلًا من أن تُترك بالكامل للتقدير الفردي.
بهذا المعنى، يفرض الدين قيودًا تشكل السلوك الإنجابي. فهو يقلل من عدم اليقين وينظم الوصول ويوجه العلاقات الجنسية نحو وحدات أسرية مستقرة. كما يمكن لتعدد الزوجات، حيثما وحينما يكون مسموحًا به، أن يؤدي دورًا في مضاعفة القدرة الإنجابية ضمن سياقات اجتماعية معينة، لا سيما عندما تسمح الظروف الديموغرافية والاقتصادية بذلك.
وهكذا يحول الدين الترتيبات العملية إلى التزامات ومحظورات، ويوفر إطارًا يمكن من خلاله استقرار الحياة الأسرية عبر الأجيال.
لكن البشر لا يسعون إلى الاستقرار والنظام وحدهما، بل يسعون أيضًا إلى المعنى.
الطبقة الرابعة: الروحانية
يقول الله تعالى في القرآن إن الأزواج لباس لبعضهم بعضًا. واللباس وسيلة للحماية والكرامة والزينة والراحة. وأفضل لباس هو لباس التقوى. وتحمل الكلمة العربية «الحياء» دلالتين: الحياة والإحساس بالاحتشام والكرامة والخجل. ويصف القرآن العري بأنه قبيح كالجثث الميتة، كما يرتبط انكشاف العورة بالتعرض والانكشاف والهشاشة.
اللباس شكل أساسي من أشكال الحماية؛ فمن دونه نحن عراة ومكشوفون في آن واحد. وتجسد استعارة القرآن للأزواج لباسًا بعضهم لبعض العلاقة المعقدة بين القوة والهشاشة. فالزوجان يتجردان من ثيابهما أمام بعضهما بعضًا، ويرى كل منهما هشاشة صاحبه وهما في الوقت نفسه يعتمدان على بعضهما داخل العلاقة. إنهما لباس أحدهما للآخر. معًا يمنحان بعضهما بعضًا الأمان والسكينة والكرامة والجمال، ويجسدان هذه القيم في حياة المجتمع أيضًا.
الغاية الروحية من الزواج هي العثور على السكينة من خلال المودة والمحبة والرحمة المتبادلة. وبهذا تصبح الأسرة أكثر من مجرد آلية بيولوجية أو مؤسسة اجتماعية أو التزام ديني؛ إذ تصبح المكان الذي تتحقق فيه هذه الحقائق مجتمعة.
الطبقة الخامسة: التحول التكنولوجي
عنصران اثنان كان لهما أثر بالغ على العلاقة الزوجية: الثورة الصناعية واختراع حبوب منع الحمل.
سرّعت الثورة الصناعية عملية سبق تناولها في الطبقة الاجتماعية والاقتصادية. فقد أصبحت الحياة الاقتصادية منفصلة أكثر عن الحياة الأسرية. في الوقت نفسه، أدت المكننة إلى تقليص أهمية القوة البدنية في كثير من أشكال العمل. وحلّت الآلات محل القوة العضلية، مما أتاح للنساء المشاركة في الحياة الاقتصادية بطرق لم تكن متاحة في السابق.
ثم جاءت حبوب منع الحمل وأحدثت تحولًا آخر. فللمرة الأولى في التاريخ، اكتسبت النساء درجة غير مسبوقة من السيطرة على دوراتهن الإنجابية وتوقيت الحمل. وهكذا ساهمت التكنولوجيا في التخفيف أو تغيير أو إرجاء العديد من القيود البيولوجية التي كانت تاريخيًا تشكل بنية الأسرة.
لكن التقدم التكنولوجي لا يحل المشكلات فحسب، بل يخلق أيضًا مقايضات. نعم، أتاح هذا التحول فرصًا استثنائية، ولا سيما على صعيد الاستقلالية الشخصية لكنه في الوقت نفسه أوجد تحديات جديدة. وتواجه مجتمعات كثيرة اليوم انخفاضًا في معدلات الخصوبة وتزايدًا في العزلة الاجتماعية، وتناميًا في حالة عدم اليقين حوا العلاقات والحياة الأسرية.

الطبقة السادسة: من الاستقلالية الرومانسية إلى الخيارات الليبرالية
الزواج تاريخيًا مؤسسة اجتماعية واقتصادية في المقام الأول. وكان يقوم على الضرورة، من خلال تنظيم الإنجاب والميراث والعمل والبقاء. وكان مجال الاختيار محدودًا. وكانت الحياة الأسرية متجذرة في الالتزام والقرابة والترابط الاقتصادي.
الزواج الرومانسي ظهر في مرحلة لاحقة، مع بدء تخفيف القيود البيولوجية والاقتصادية تدريجيًا. وأصبح الود والانجذاب والتوافق الشخصي عوامل مهمة في اختيار الشريك أكثر من ذي قبل.
ويتوازى هذا التحول في الحياة الشخصية مع توسع في الاستقلالية الفردية داخل المجتمع. فمع تحرر الناس من الأدوار التقليدية، أصبح بإمكانهم بسهولة أكبر اختيار مكان إقامتهم، وما يعملون فيه، وكيفية تنظيم حياتهم اليومية، بل وحتى اختيار عدم اعتناق أي دين.
في المجتمعات القديمة، كان عامة الناس رعايا لا مشاركين في اختيار السلطة. ففي معظم الحقب التاريخية، لم يكن السؤال المتعلق بمن سيحكمهم مطروحًا أصلًا أمامهم كخيار مفتوح. كان الحكم وراثة والسلطة تُؤخذ بالحروب أو بالتسويات السياسية التي تبرمها النخب.
أما في الأنظمة الليبرالية الحديثة، فقد تغير هذا الوضع تغيراً جوهرياً. فأصبح الفرد مشاركًا أيضًا في اختيار السلطة نفسها واستبدالها. وهذا يثير سؤالًا: إذا امتد الاختيار حتى إلى اختيار السلطة ذاتها، فما الذي يمكن طلبه بعد ذلك باسم الحرية؟
مع ذلك، هناك شعور متزايد بعدم الرضا عن الليبرالية في الغرب. فالخيارات لم تعد تجد من البدائل ما يكفي لتلبية التوقعات.
ملاحظة ختامية
غالبًا ما تعتبر اليابان وكوريا الجنوبية نموذجين بارزين للتنمية والتقدم الاقتصادي في أواخر القرن العشرين. لكن البلدين يواجهان الآن معدلات مواليد منخفضة، كما يشهد عدد سكانهما انخفاضًا منذ فترة.
واستجابة لذلك، أصبحت الهجرة جزءًا من النقاش حول الحفاظ على قوة العمل وتحقيق التوازن الديموغرافي. وهذا يخلق توترًا جديدًا. فما يبدو ضروريًا من منظور العمالة والإنتاجية قد يبدو أكثر تعقيدًا عند النظر إليه من زاوية الاستمرارية الثقافية والهوية الوطنية. وتظهر نقاشات مماثلة في جميع المجتمعات الغربية.
وهكذا يعود السؤال في صورة أكثر جوهرية: إذا كان علم الأحياء يجعل استمرارية الحياة أمراً ممكنًا، والمجتمع يجعلها قابلة للتطبيق، والدين يجعلها مستقرة، والروحانية تمنحها المعنى، فماذا يحدث عندما تبدأ البنى التي كانت تضطلع بهذه الوظائف في التراخي؟ وما الذي يبقى عندما لا تعود الحياة منظمة أساسًا وفق الضرورة، بل وفق الاختيار؟
يبدو أن أمرًا واحدًا مؤكد: من دون فهم مشترك للمعنى والغاية، تظل حريتنا البيولوجية والاقتصادية والسياسية ناقصة وقاصرة ومبتورة. فطريق الله الفطري ليس قيدًا على الحرية، بل هو التوجه الذي يمنح الحرية وجهتها ومعناها وغايتها، بما يتيح للحياة الإنسانية والأسرة والمجتمع الازدهار والتقدم والسكينة.
شارك هذا المقال


































