من يُرَبِّي أبناءَنا في عصر الشاشات؟

مدة القراءة: 6 دقائق

اسطنبول

اسطنبول

أصبحت التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية وباتت دعامةً أساسيةً لا يستغنى عنها في التعليم والعمل والتواصل وحتى في الترفيه. وقد فتحت التكنولوجيا بالفعل إمكانات كبيرة للوصول إلى المعرفة وتبادل المعلومات ولكن في المقابل، لم يعد هذا الحضور الكثيف للأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مجرد أداة مساعدة فقط، بل أصبح أقرب إلى مساحة موازية يعيش فيها الناس سواء البالغين أو الأطفال، وربما راحت تؤثر على تشكيل وعيهم من خلال التعامل معها بشكل يومي. وهنا يظهر السؤال الذي لا يمكن تجاهله: من يربي أبناءنا في هذا العصر المليء بالشاشات؟ هل هي الأسرة والمدرسة، أم الخوارزميات التي تختار لهم ما يشاهدونه وتدفعهم نحو ما ينجذبون إليه دون أن ينتبهوا؟ ومن يدير تلك الخوارزميات ومن يوجهها؟

من المعروف أن السنوات الأولى من عمر الطفل كانت في السابق تعتمد بشكل أساسي على الأسرة وعلى اللعب، وعلى التفاعل المباشر مع الآخرين. كان الطفل يتعلم من ملامح ووجوه المحيطين به ومن نبرات أصواتهم ومن حركات أجسادهم، ومن التجربة الحية التي يعيشها بنفسه خلال تدرجه في المراحل العمرية. هذه العوامل كلها هي التي تبني الأساس العاطفي والاجتماعي والمعرفي عند الإنسان. لكن هذا كله بدأ يتغير تدريجيًا مع دخول الشاشات إلى حياة أطفالنا، إذ أصبح تفاعلهم أقل حضورًا، وأقل إنسانية ربما، وأكثر اعتمادًا على حاستي البصر والسمع من خلال الصورة والصوت اللذين تقدمهما الشاشات، دون تواصل حقيقي أو حوار متبادل أو إنتاج لغوي عميق ذو معنى كما كان يحدث سابقًا.

مع الوقت، لم يعد أطفالنا مجرد مستخدمين لهذه الأجهزة، بل أصبحوا يعيشون داخل نظام رقمي كامل. فالتطبيقات ومنصات التواصل وحتى الألعاب الإلكترونية، ليست محايدة إطلاقًا بل تعمل وفق خوارزميات هدفها الأساسي إبقاؤهم أطول وقت ممكن أمام الشاشات سواء لغايات تسويقية أو آيديولوجية. ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ"المربي الخفي" ألا وهو الخوارزمية التي تختار ما يظهر للطفل وتعيد تشكيل اهتماماته شيئًا فشيئًا، دون أن يشعر هو بذلك أصلًا.

ومن المدهش حقاً أن معظم ما تعرضه الشاشات يعتمد بشكل كبير على آلية في الدماغ مرتبطة بالدوبامين، أي نظام المكافأة. فكل إشعار وكل إعجاب وكل فيديو جديد، وكل مرحلة من مراحل الألعاب الالكترونية شديدة التحفيز، يعطي شعورًا سريعًا بالمتعة. ومع التكرار، يبدأ الدماغ بالتعود على هذا النوع من المتعة السريعة، ويصبح أقل قدرة على الصبر تجاه أي نشاط يحتاج وقتًا أو تركيزًا، مثل القراءة أو الدراسة أو حتى الحوار العادي الطويل.

هذا التأثير يكون أوضح عند الأطفال والمراهقين لأن قشرة الدماغ لديهم لم تكتمل بعد، خصوصًا الجزء المسؤول عن ضبط النفس واتخاذ القرارات. لذلك نجدهم أكثر عرضة للاندفاع وأكثر انجذابًا للمحتوى السريع، خاصة في مرحلة يكون فيها القبول الاجتماعي مهمًا جدًا بالنسبة لهم.

وفي السياق نفسه، نجد أن الطفولة نفسها تغيرت بشكل واضح. فاللعب في الخارج الذي كان جزءًا أساسيًا من النمو الطبيعي لطفل، تراجع كثيرًا وحلت مكانه الساعات الطويلة أمام الشاشات. وبالتدريج، بدأنا نشهد انتقال الطفولة من الاعتماد على اللعب والتجربة المباشرة إلى طفولة مرتبطة أكثر بالهاتف والشاشة. هذا التغيير ليس بسيطًا كما يبدو لأنه لا يغير الوسيلة فقط، بل يغير شكل التجربة التربوية نفسها.

فاللعب في جوهره ليس مجرد تسلية بل هو طريقة يتعلم بها الطفل كيف يعيش وكيف يتعاون وكيف يختلف وكيف يحل المشاكل وكيف يضبط انفعالاته. وعندما يُستبدل هذا كله بالتفاعل الرقمي، يخسر الطفل جزءًا مهمًا من خبرته الإنسانية ويصبح أكثر عزلة أو أقل قدرة على التفاعل الواقعي مع الآخرين.

كذلك، يمتد التأثير السلبي للشاشات ليشمل انتباه الأطفال وتركيزهم. فالمحتوى الرقمي بطبيعته سريع ومتغير باستمرار، وهذا يجعل الطفل معتادًا على التنقل المتعجل بين الأشياء. ومع الوقت، يصبح من الصعب عليه أن يبقى مركزًا لفترة طويلة، ويبدأ يشعر بالملل بسرعة أكبر ويصبح عديم الرضا مهما قُدِّم له.

لكن الأهم من كل ذلك ربما هو الجانب العاطفي، خصوصًا التعاطف والشعور بالآخرين. فالتعاطف لا يتكوّن عبر الشاشة، بل من خلال التفاعل المباشر مع الناس، مثل رؤية وجوههم وسماع أصواتهم وفهم المواقف المتبادلة بينهم بشكل كامل. أما التواصل الرقمي، فيختصر كل ذلك إلى رموز ورسائل سريعة، لا تنقل المشاعر كما هي في الواقع. ومع هذا النقص المستمر، يضعف الجانب العاطفي والوجداني عند الطفل تدريجيًا.

ومما يزيد الأمر تعقيدًا أن بوسع الطفل اليوم الوصول بمنتهى السهولة إلى محتويات غير مناسبة، سواء كانت عنفًا أو كراهية أو غير ذلك، من دون رقابة حقيقية في كثير من الأحيان. والأسوأ أن الخوارزميات نفسها تستمر في اقتراح محتوى مشابه، ما يخلق دائرة مغلقة يصعب الخروج منها.

وهنا يعود السؤال بشكل أقوى: من الذي يربي أطفال عصر الشاشات فعلًا؟ هل هي الأسرة؟ أم المدرسة؟ أم هذه الخوارزميات التي يقضون معها وقتًا أطول من أي طرف آخر؟

بالرغم من كل ما سبق، تبقى الأسرة هي الأساس. فدور الأهل في مواجهة هذه المشكلة لم يعد مجرد توجيه فقط، بل أصبح مرافقة يومية، ووضع حدود واضحة لاستخدام الشاشات من حيث زمن الاستخدام أو محتواه، مع تقديم بدائل حقيقية كاللعب والقراءة والرياضة والتواصل داخل البيت مع بقية أفراد الأسرة. لأن الطفل في النهاية لا يترك الشاشة بسهولة إذا لم يجد ما يعوضها في الواقع.

والقدوة أيضًا عنصر لا يمكن تجاهله؛ فالطفل الذي يرى والديه مدمنين على هواتفهم الذكية طوال الوقت، لن يفهم حقيقةً لماذا يُطلب منه أن يقلل استخدامها.

وكذلك الأمر في المدرسة، التي يجب أن يكون لها دور مهم في رفع الوعي الرقمي، ليس فقط من ناحية الاستخدام بل من ناحية إيضاح كيف تعمل هذه المنصات؟ وكيف يتم جذب انتباه الطفل للبقاء محدقاً فيها زمناً أطول؟ ولماذا يتأثر بها أصلًا؟ إلى جانب ضرورة تعزيز الأنشطة غير الرقمية مثل الرياضة والفنون والعمل الجماعي.

في النهاية، يجدر بنا الاعتراف أن المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها؛ فهي ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. المشكلة تبدأ عندما تتحول التكنولوجيا إلى نظام يوجّه انتباه وسلوك أبنائنا دون وعيٍ ولا تدخلٍ منّا.

كما أن تربية الأبناء ليست عملية رقمية بل هي تجربة إنسانية حقيقية، ولا يمكن لأي شاشة أن تحل محلها. فلحظات محادثة بسيطة تجمعنا مع أطفالنا أو لعبة مشتركة أو وجبة عائلية أو أشياء صغيرة دافئة مماثلة هي التي تصنع الطفل فعليًا، أكثر بكثير مما تفعله أية شاشة.

ومن هنا يصبح السؤال "من يربي أبناءنا في عصر الشاشات" سؤالًا عن طبيعة العالم الذي نسمح لأطفالنا أن ينشأوا داخله. فإذا كانت الخوارزميات تربي أبناءنا بصمت، فإن مسؤولية الأسرة والمجتمع وحتى القوانين والتشريعات هي استعادة هذا الدور، ليس بإقصاء التكنولوجيا بل بإعادتها إلى حجمها الطبيعي داخل حياتنا، بحيث تبقى أداة في خدمة أطفالنا لا بديلاً عنّا.

 

 

 

 

 

عن المؤلف

كاتبة ومترجمة في صحيفى ديلي صباح سابقاً. تلفزيون A Haber