الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟"

مدة القراءة: 5 دقائق

داكا

داكا

على هامش احتفالية إطلاق موقع "الأمة" ومجلتها في العاصمة البنغلاديشية داكا، دعيت إلى عدد من الندوات والنشاطات سواء المتعلقة بالتربية والتعليم أو تلك التي تناولت مواضيع اجتماعية سياسية.

وفي هذا السياق، شاركت في طاولة مستديرة تناولت بالنقاش قضية لاجئي الروهينغيا في بنغلاديش. الندوة من تنظيم مركز الحوار الحضاري (Centre for Civilizational Dialogue) ومؤسسة المعهد البنغلاديشي للفكر الإسلامي (BIIT Trust)، وكانت تحت عنوان: "الإبحار في أزمة الروهينغيا: هل أصبحت العودة حلماً بعيد المنال؟".

الحقيقة أن أزمة الروهينغيا أو مأساة الروهينغيا بالأحرى تكاد تقترب من مأساة الشعب الفلسطيني. وقد كانت لفترة من الزمن قريبة من مأساة الشعب السوري.

أنا، سأتحدث بصفتي سورياً قد خبر الظلم وخبر القتل والترحيل. نظام بشار الأسد الديكتاتوري الطائفي تسبب في هجرة نصف الشعب السوري تقريباً، أي ما يقارب 12 مليون إنسان. رقم ليس بالهين إطلاقاً.

عاش الملايين من السوريين في الخيام وقد فقد الكثيرون الأمل في العودة يوماً إلى بلادهم. بل إن واحداً من كبار ضباط النظام الساقط قد توعد المهجرين قسراً وهددهم علانية أمام الكاميرات بأنهم إن عادوا فلن يجدوا ما يسرهم.

كان السوري في قمة معاناته ومأساته، يسمع ويشاهد أخبار الروهينغيا، وكنا ندعو لهم بالفرج، ونحزن لحالهم الشبيه بحالنا. ومع ذلك، كان جلياً أن وضع شعب الروهينغا أصعب بكثير.

أفكر في مفهوم لعنة الجغرافيا. السوري أصابته هذه اللعنة بمجاورته لكيان إسرائيل المحتل وبمجاورته لإيران ربما. عانى السوري من الحصار والتجويع والقصف. لكن، من ناحية أخرى، كانت الجغرافيا "كريمة" معه، فاستطاع الهروب إلى البلدان المجاورة مثل الأردن ولبنان وتركيا، أو أبعد إلى أوروبا. صحيح أن كثيرين ماتوا في الطريق وأن البحر ابتلع آلاف الأحلام... لكنهم وصلوا في النهاية واستقروا، نسبياً بحسب بلد الوصول، واستطاع السوري الاندماج والتأقلم بل والنجاح في بلدان المهجر الجديد.

لكن الجغرافيا نفسها لم تكن كريمة مع شعب الروهينغيا، كما كانت مع السوري. فولاية أراكان محصورة بين ميانمار وبنغلاديش، وليس للهارب من التطهير العرقي الذي مارسه الجيش البورمي من مهرب إلا إلى بنغلاديش.

فتحت بنغلاديش ذراعيها للاجئين رغم التحديات الاقتصادية والديموغرافية التي تواجهها وسيذكر التاريخ موقف بنغلاديش هذا كما سيذكر موقف الشعوب التي وقفت مع اللاجئين السوريين.

بالعودة إلى المقارنة بين مأساة الشعبين، نرى أن الله قد فرَّج على سوريا وشعبها بأن تخلصوا من بشار الأسد ونظامه الديكتاتوري، وبدأ السوريون يعودون إلى بلادهم تدريجياً. لكن الروهينغيا بعيدون عن حلم العودة لبلادهم.

الواقع أن بنغلاديش اتبعت تجاه أزمة الروهينغيا سياسة متدرجة تحت حكم الشيخة حسينة (التي أطاح بها الشعب في ثورة شعبية سنة 2024). فقد واصلت الحكومة الدفاع عن القضية على المستوى الدولي، فيما ارتبطت إدارة الملف داخلياً بالاعتبارات الأمنية والتنظيمية. ومع استمرار النزوح وتقلص المساعدات الدولية وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، اتجهت السلطات إلى تشديد الإجراءات المنظمة لوجود اللاجئين (وهو ما حدث أيضاً مع اللاجئين السوريين).

واليوم، يرغب الرأي العام في بنغلاديش أن تنتهج الإدارة الجديدة للبلاد مقاربة مختلفة، تُعلي من الاعتبارات الإنسانية وتستند إلى مبادئ الشفافية واحترام الحقوق. فالتعامل مع الروهينغيا بصفتهم عبئاً اقتصادياً أو تحدياً أمنياً لا يلامس جوهر القضية، لأنهم في الأصل ضحايا الاضطهاد والحرمان من الحقوق، وقد أُجبروا على مغادرة وطنهم هرباً من العنف. مع ذلك، فإن أي تغيير سياسي في دكا يظل محدود الأثر ما دام أصل الأزمة قائماً داخل ميانمار، حيث يكمن مفتاح الحل الحقيقي.

 

العودة ليست مجرد وصول إلى الوطن

طُرح خلال الندوة سؤال أساسي: هل ما تزال عودة اللاجئين الروهينغيا خياراً واقعياً، أم تحولت إلى حلم صعب التحقيق؟

لا خلاف على أن غالبية الروهينغيا تتطلع إلى العودة، لكن الإشكالية لا تكمن في مبدأ العودة نفسه، بل في طبيعتها والظروف التي ستتم في إطارها. فإعادة اللاجئين إلى الأراضي البورمية لا تعني تلقائياً انتهاء معاناتهم أو استعادة حقوقهم. إذ لا يمكن الحديث عن عودة حقيقية من دون الاعتراف بالمواطنة الكاملة وتأمين الوضع القانوني لذلك، وإعادة حقوق الملكية وبخاصة حماية الكرامة الإنسانية.

وهذه الشروط لا تزال غائبة حتى اليوم. فالروهينغيا ما زالوا محرومين من حقوق المواطنة الكاملة، بينما تستمر حالة الاضطراب في ولاية راخين، وتبقى الضمانات الأمنية غير كافية إن لم تكن معدومة. كما أن المشهد الأمني لم يعد يقتصر على الجيش البورمي، فقد برزت قوى مسلحة أخرى عززت حضورها في المنطقة، وتواجه بدورها اتهامات بارتكاب انتهاكات ضد الروهينغيا، الأمر الذي يزيد من تعقيد أي خطة لإعادتهم بصورة آمنة ومستدامة.

نادت أصوات كثيرة في الندوة بضرورة إعادة اللاجئين الروهينغيا إلى ما وراء الحدود، كما نادت أصوات أخرى بضرورة الالتفات إلى قضايا آنية لا تتحمل التأخير مثل التربية والتعليم في أوساط اللاجئين ومثل الرعاية الطبية وإيجاد فرص العمل.

لقد تقاسم عبء اللاجئين السوريين أربع دول على الأقل تفاوتت درجات معالجتها للمسألة وطريقتها، لكن القاسم المشترك بينها كان الشكوى من العبء الاقتصادي والمخاوف من أزمات اجتماعية لا سيما بعدما طالت الحرب (لن أخوض في مصداقية شكواهم ومستوياتها)؛ فما بالكم ببنغلاديش تتحمل عبء اللاجئين الروهينغيا بمفردها؟

لا شك في أن المساعدات الإنسانية لبنغلاديش لم تعد كافية وحدها وأنه لا بد من أن يتقاسم المجتمع الدولي أعباء قضية اللاجئين الروهينغيا. لا بد من ممارسة ضغط دبلوماسي فعّال على حكومة ميانمار لإعادة حقوق المواطنة والحقوق الأساسية للروهينغيا. ولا بد من بناء تنسيق دبلوماسي بين الأمم المتحدة ورابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ومنظمة التعاون الإسلامي وسائر الدول المؤثرة.

العالم يعاني من أزمات وقضايا ساخنة عديدة، ومع ذلك، يجب ألا تخرج قضية الروهينغيا من دائرة الاهتمام الدولي، لأن نسيانها أو تجاهل معاناة شعب كامل لن يفيد سوى في تفاقم الأزمة واستمرار المأساة.