عشر سنوات على المحاولة الانقلابية.. كيف انتصرت تركيا على تنظيم غولن وأعادت بناء الدولة؟

مدة القراءة: 4 دقائق

اسطنبول

اسطنبول

تحلّ اليوم 15 يوليو/تموز 2026 الذكرى العاشرة للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفذها تنظيم فتح الله غولن الإرهابي (FETÖ) ضد الدولة التركية عام 2016، في محاولة للإطاحة بالحكومة المنتخبة والاستيلاء على السلطة بالقوة. وتمثل تلك الليلة محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية التركية، إذ لم تقتصر نتائجها على إفشال الانقلاب، بل أطلقت مرحلة واسعة من إعادة بناء مؤسسات الدولة وتطهيرها من عناصر التنظيم.

في مساء 15 يوليو/تموز 2016، شرعت عناصر التنظيم المتغلغلة داخل القوات المسلحة في تنفيذ مخططها الانقلابي، فسيطرت على عدد من المواقع العسكرية والاستراتيجية في أنقرة وإسطنبول، وأغلقت جسري البوسفور والسلطان محمد الفاتح، فيما حلقت الطائرات الحربية والمروحيات فوق المدينتين. كما اقتحم الانقلابيون مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون التركية الرسمية وأجبروا إحدى المذيعات على تلاوة بيان أعلنوا فيه استيلاءهم على السلطة.

وشهدت تلك الليلة اعتداءات غير مسبوقة على مؤسسات الدولة، إذ قصفت طائرات الانقلابيين مبنى البرلمان التركي، واستهدفت المجمع الرئاسي ومقرات الشرطة والاستخبارات، في مشهد وصفته السلطات بأنه أخطر اعتداء على الديمقراطية التركية منذ تأسيس الجمهورية.

ومع تصاعد الأحداث، وجّه الرئيس رجب طيب أردوغان نداءً تاريخيًا إلى المواطنين عبر اتصال مرئي بثته القنوات التلفزيونية، دعاهم فيه إلى النزول إلى الساحات والمطارات والميادين للدفاع عن الديمقراطية والإرادة الوطنية. واستجاب ملايين الأتراك للدعوة، ووقفوا إلى جانب قوات الشرطة والجنود الرافضين للانقلاب، ليحولوا دون نجاح المخطط الانقلابي رغم استخدام الانقلابيين الطائرات والدبابات والأسلحة الثقيلة ضد المدنيين.

بحلول صباح 16 يوليو/تموز، كانت السلطات قد استعادت السيطرة الكاملة على البلاد، وأُلقي القبض على آلاف المشاركين في المحاولة، بينما قُتل نحو 250 شخصًا وأصيب أكثر من ألفي آخرين، بعد أن قدموا أرواحهم دفاعًا عن الدولة والنظام الدستوري.

تؤكد تركيا أن المحاولة الانقلابية كانت من تخطيط وتنفيذ تنظيم فتح الله غولن الإرهابي، الذي تمكن على مدى سنوات من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، لا سيما الجيش والقضاء والأجهزة الأمنية والتعليمية، مستغلًا شبكات سرية وهيكلًا تنظيميًا موازٍ للدولة. ومنذ ذلك الحين، تبنت الحكومة سياسة شاملة لتفكيك هذا التنظيم وإنهاء نفوذه داخل مؤسسات الدولة.

وفي إطار هذه الجهود، أعلنت السلطات حالة الطوارئ وأطلقت عمليات أمنية وقضائية واسعة استهدفت أعضاء التنظيم وأنصاره. كما شهدت القوات المسلحة والقضاء والشرطة والجامعات والإدارة العامة عمليات إعادة هيكلة غير مسبوقة، هدفت إلى حماية مؤسسات الدولة من أي اختراق مستقبلي وترسيخ مبدأ خضوعها الكامل للسلطة المدنية المنتخبة.

شكلت السنوات التالية مرحلة إصلاح مؤسسي واسعة، كان أبرز محطاتها الاستفتاء الدستوري عام 2017، الذي أقر الانتقال إلى النظام الرئاسي. وترى الدولة التركية أن هذا النظام عزز الاستقرار السياسي، ورفع كفاءة مؤسسات الحكم، وسرّع عملية اتخاذ القرار في مواجهة التحديات الأمنية والإقليمية.

على الصعيد العسكري، أعادت تركيا تنظيم مؤسساتها الدفاعية، وعززت الرقابة المدنية على القوات المسلحة، ووسعت استثماراتها في الصناعات الدفاعية المحلية. وخلال السنوات العشر الماضية، حققت الصناعات العسكرية التركية تقدمًا ملحوظًا في إنتاج الطائرات المسيّرة والمنظومات الدفاعية والأسلحة الوطنية، بما أسهم في تعزيز استقلال القرار الدفاعي التركي.

كما انعكست دروس المحاولة الانقلابية على العقيدة الأمنية للدولة، إذ توسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات، وجرى تطوير آليات التنسيق بين المؤسسات الأمنية والعسكرية، بما يضمن سرعة الاستجابة لأي تهديد يستهدف الأمن القومي أو النظام الدستوري.

واليوم، تستحضر تركيا تلك الأحداث لا بوصفها صفحة مؤلمة من الماضي فحسب، بل باعتبارها نقطة انطلاق نحو المستقبل. فمن رحم تلك المحنة، برزت إرادة وطنية تؤمن بأن بناء الجمهورية في مئويتها الثانية يتطلب التمسك بالوحدة الوطنية، وتعزيز التنمية، ومواصلة الاستثمار في العلم والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، بما يرسخ مكانة البلاد إقليميًا ودوليًا.

تؤكد القيادة التركية أن ذكرى 15 يوليو ستبقى عهدًا متجددًا بحماية إرادة الشعب وصون مؤسسات الدولة، وأن تركيا ستواصل مسيرتها بثقة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا، مستندة إلى الدروس التي صنعتها تلك الليلة، وإلى تصميم شعبها على بناء تركيا الحديثة والقوية التي لا مكان فيها للوصاية أو الانقلابات.

الرئيس رجب طيب أردوغان أكد في كلمة بهذه المناسبة، أن الشعب التركي أفشل واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت الدولة، مشددًا على أن بلاده ستواصل ملاحقة تنظيم غولن داخل تركيا وخارجها، ولن تسمح مطلقًا بإعادة بناء شبكاته أو تهديد أمنها القومي.

وبعد مرور عشر سنوات، لا تزال ليلة 15 يوليو/تموز تُعد في الذاكرة التركية رمزًا لانتصار الإرادة الشعبية على الانقلاب، وعلامة فارقة في مسيرة الجمهورية. وترى أنقرة أن تلك الليلة لم تُفشل محاولة للاستيلاء على السلطة فحسب، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من بناء دولة أكثر تماسكًا، وجيش أكثر احترافية، ومؤسسات أكثر قدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.