(Illustration by Erhan Yalvaç)
سكة حديد الحجاز... حلم قديم يتحقق
بقلم
لا شك أن السكك الحديدية من أبرز منجزات الثورة الصناعية وأكثرها أثراً في التاريخ الحديث، فقد أسهمت إسهاماً حاسماً في تسريع النمو الاقتصادي وانتشار العمران وترسيخ مظاهر المدنية الحديثة. ولم تقتصر أهميتها على الجانب الاقتصادي فحسب، بل كانت أيضاً تجسيداً لرؤى استراتيجية تبنتها الدول والشعوب لتعزيز وحدتها وتوسيع نفوذها وربط أطرافها بمراكزها الحيوية.
ونضرب مثلاً في هذا، الولايات المتحدة في النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث تمكن المستوطنون الأوائل والدولة الفيدرالية من تعزيز سيطرتهم على المناطق البعيدة، واستغلال الموارد الطبيعية على نطاق واسع، وإنشاء مدن وازدهار أخرى، كل ذلك بفضل «العملاق البخاري».
السعودية وتركيا تقودان مبادرة على شاكلة مبادرة الحزام والطريق
في التاسع من يونيو/حزيران 2026، وقّع وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو ونظيره السعودي صالح بن ناصر الجاسر مذكّرتَي تفاهم في الرياض؛ تتعلق الأولى بالتعاون في قطاع الخدمات اللوجستية وتشمل إنشاء مراكز اللوجستيات وتشغيلها وإدارتها، فيما تتعلق الثانية بتوسيع التعاون في جميع مجالات قطاع السكك الحديدية. وجاء التوقيع في أعقاب مباحثات ثنائية تناولت ملفات النقل البري والبحري والجوي والربط الإقليمي بين البلدين.
وكشف الوزير أورالوغلو أن حجم النقل البري بين البلدين بلغ نحو 20,000 رحلة سنوياً قبل عام 2012، قبل أن تتراجع هذه الأرقام تراجعاً حاداً بسبب التطورات الإقليمية المتلاحقة في سوريا والعراق وما أحدثته من قطع في شبكات الطرق التقليدية. وتستهدف الاتفاقيتان الجديدتان ليس استعادة تلك المستويات فحسب، بل تجاوزها نحو آفاق أوسع، مستفيدتين من مسارات بديلة تم اختبارها مؤخراً عبر العراق.

الرهان على السكك الحديدية
لم تقتصر المباحثات السعودية التركية على البنية التحتية الآنية؛ إذ أكد الوزير أورالوغلو أن إقامة ربط مباشر بالسكة الحديد بين تركيا والمملكة العربية السعودية ذو أهمية استراتيجية بالغة، مشيراً إلى إمكانية التعاون في أنظمة السكك الحديدية عالية السرعة. رغم أن الطريق نحو تحقيق هذا الهدف لا يزال طويلاً، إلا أن مجرد إدراجه ضمن مخرجات الاجتماع يُشير إلى أن الإرادة السياسية لدى الطرفين تتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية المعتادة.
وفي السياق ذاته، شدد الوزير على ضرورة إيجاد روابط طرق آمنة ومستقرة بين البلدين، داعياً إلى تنسيق مشترك مع شركاء إقليميين لرسم خارطة طريق نقل مستدامة. فالتوترات العالمية المستمرة، وإن كانت تُشكّل ضغطاً على الممرات القائمة، باتت في الوقت ذاته محرّكاً للبحث عن ممرات بديلة أكثر موثوقية واستدامة.
سكة الحجاز... صدى التاريخ
لا يمكن فهم حجم الزخم الذي أثارته هذه الاتفاقيات، لا سيما في الإعلام العربي والخليجي، دون العودة إلى الجذر التاريخي لهذا الملف وهو خط سكة حديد الحجاز، ذلك المشروع الذي لا يزال يسكن ذاكرة المنطقة بعد أكثر من قرن على تشييده.
في مطلع القرن العشرين، وتحديداً عام 1900، أطلق السلطان عبد الحميد الثاني مشروعه الطموح لمدّ خط حديدي من إسطنبول حتى الحجاز، عابراً الأناضول وبلاد الشام (سوريا) والأردن. لم يخف السلطان عبد الحميد الثاني نيته في تيسير أداء فريضة الحج على الناس (وقد حصل بفعل ذلك على تبرعات ضخمة من المغرب ومصر والهند وجنوب إفريقيا وقازان، وشارك في الحملة خديوي مصر وشاه إيران ونظام حيدر آباد)، إضافة إلى بعد عسكري استراتيجي، فالخط الحديدي سيكون شريانًا عسكريًا ولوجستيًا يُمكّن الباب العالي من نقل قواته إلى الجناح الجنوبي بسرعة وكفاءة لم تكن ممكنة بالوسائل التقليدية.
بدأت أعمال إنشاء السكة من دمشق وانتهت عام 1908 في المدينة المنورة، وامتدت على طول 1,464كم. وبفضلها اختصرت رحلة الحج من دمشق إلى المدينة المنورة من نحو خمسين يوماً بالقافلة إلى ما بين ثلاثة أيام وأربعة فحسب. كان المخطط مدّها إلى مكة المكرمة، بيد أن الحرب العالمية الأولى اندلعت قبل اكتمال هذا استكمال المشروع. وكان من أبرز ما ميّز تشييدها اعتماد الإدارة العثمانية على الجنود بدلاً من العمالة الخارجية، مما وفّر الأموال والوقت. عام 1909، كان يجري تسيير رحلات يومية بين حيفا ودمشق، وثلاثة رحلات أسبوعيا بين دمشق والمدينة المنورة، لنقل الركاب والبضائع، وكان ثمة رحلات إضافية لنقل مواد البناء والإمدادات العسكرية والحجاج.
استمرت أعمال التشييد في الخط حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى وانهيار النظام الإقليمي القديم. لم تُستكمل السكة إلى مكة المكرمة، وتضررت أجزاء واسعة منها في الحرب وتعطلت وظل الخط أثراً يشهد على ما كان يمكن أن يكون لو أن الظروف انعطفت في اتجاه مغاير.
كانت بريطانيا في تلك الحقبة تُرسّخ نفوذها على امتداد الشريط الساحلي للجزيرة العربية، وتحرص كل الحرص على ضمان ممر آمن يصل مستعمرتها الهندية باستراتيجيتها البحرية في المحيط الهندي والبحر الأحمر. وكان من شأن إنشاء خط للسكة الحديد بهذا الامتداد كفيلاً بأن يثير حفيظتها، فحاربته وأصبح الخط الحديدي موضع تنافس دبلوماسي بالغ الحساسية، بل إن بريطانيا قد عملت جهارةً، باستخدام رجلها لورنس العرب، على تفجير الخط وتعطيل محطاته في الحرب العالمية الأولى.

تحوّل البنية التحتية التركية الملموس
لا تنفصل اتفاقيات في مجال النقل والإمدادات، عن سياق أوسع شهده الاقتصاد التركي على مدى العقود الماضية. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، وتركيا تستثمر وتبني منظومة نقل داخلية متكاملة: شبكة طرق سريعة تربط المدن الكبرى بالمناطق الداخلية وسكك حديدية فائقة السرعة تجاوزت في بعض مقاطعها سرعة 250 كيلومتراً في الساعة، إضافة إلى مطار إسطنبول الذي بات اليوم أحد أكبر مراكز العبور الجوي في العالم.
وقد أضافت منظومة الطاقة إلى هذا الصرح بُعداً استراتيجياً؛ إذ نجحت تركيا في تنويع مصادرها للطاقة توزيعاً جعلها أقل هشاشة في مواجهة الأزمات. وتتجلى ثمرة هذا التراكم في ثلاثة مسارات إقليمية تكتسب زخماً متصاعداً: مشروع طريق التنمية العراقي الممتد من الخليج العربي عبر جنوب شرق الأناضول نحو أوروبا، وممرات القوقاز التي تربطها بالعالم عبر جورجيا، ومسار الربط مع السعودية عبر سوريا والعراق الذي تُجسّده اتفاقيات هذا الأسبوع.
بين إسطنبول والرياض... جغرافيا تنتظر
ما يُميّز الاتفاقيات الموقّعة هذا الأسبوع عن سابقاتها من الإعلانات والتصريحات هو طابعها التشغيلي الملموس: فالأمر يتعلق بمذكرات تفاهم مُحدَّدة الموضوع وعمليات شحن تجريبية أثبتت جدواها الاقتصادية وأرقام مرجعية واضحة تُحدد نقطة الانطلاق وسقف الطموح. وهذا التحوّل من لغة الرؤى إلى لغة الإجراءات يُنبئ بأن الشراكة الاقتصادية التركية-السعودية دخلت مرحلة جديدة أكثر عملية وأعمق جذوراً.
الدور المحوري لكل من سوريا والأردن
كانت سوريا والأردن ترغبان في تعزيز النقل بينهما منذ سنوات. وفي اجتماع ثلاثي عقد في عمّان يوم 7 أكتوبر/تشرين أول 2025، أعلن وزير النقل والبنية التحتية التركي عبد القادر أورال أوغلو عن "الخطوة الملموسة الأولى" لإعادة تفعيل خط الحجاز التاريخي، بالاتفاق على استكمال 30 كيلومترا مفقودة داخل الأراضي السورية، بالتعاون مع الأردن وسوريا.
ويشمل الاتفاق التعاون الفني وإعادة تأهيل البنية التحتية القائمة وربطها بشبكات النقل الدولية عبر تركيا وميناء العقبة الأردني، في إطار مذكرة تفاهم شاملة تهدف أيضا إلى استئناف النقل البري بين تركيا والأردن عبر سوريا.
الوحدة الاقتصادية
وكما كان للخط الحجازي أهداف سياسية في وقته، فإن إعادة إحيائه اليوم لا تخلو بدورها من فوائد سياسية واستراتيجية، ففي كلمته في "قمة الأناضول لاقتصادات المدن" التي نظمتها وكالة الأناضول في ولاية غازي عنتاب يوم الثلاثاء 9 يونيو/حزيران، بمشاركة رفيعة المستوى من تركيا وسوريا، قال وزير التجارة التركي عمر بولات إن المشروع يمكن أن يساعد في الحد من نفوذ إسرائيل مع جلب المزيد من الازدهار والاستقرار إلى الشرق الأوسط: "إن تقليص نفوذ إسرائيل في المنطقة، إلى جانب زيادة التضامن السياسي والاقتصادي بيننا، سيجلب الازدهار الاقتصادي والسلام والاستقرار إلى الشرق الأوسط والخليج والحدود الجنوبية لتركيا".
وفي افتتاح القمة نفسها، دعت رئيسة بلدية غازي عنتاب التركية فاطمة شاهين، إلى إحياء سكة حديد خط الحجاز التاريخي وتعزيز التعاون مع سوريا في هذا الصدد. وقالت شاهين إن هناك فرصا مهمة جدا في العلاقات التجارية مع سوريا يجب الاستفادة منها. ومن شأن هذا أن يساهم في تحسين البنى التحتية في سوريا وفي إعادة إعمارها.
لقد تطلعت قلوب المسلمين منذ أكثر من 120 عاماً إلى فكرة مشروع الخط الحجازي وباركت رؤية السلطان عبد الحميد، واليوم أيضاً، يهلل العالم الإسلامي لجهود إعادة إحياء ذلك الخط. وإذا كانت الصين قد أعادت إحياء طرق الحرير التاريخية بإطلاقها مبادرة «الحزام والطريق»، مستثمرةً في شبكة هائلة من الموانئ والسكك الحديدية والممرات اللوجستية عبر عشرات الدول، فإن الشرق الأوسط يمتلك بدوره إرثاً تاريخياً لا يقل أهمية. لكن التحدي المطروح اليوم لا يتمثل في استعادة أمجاد الماضي، بل في تحويل الموقع الجغرافي الاستثنائي للمنطقة إلى شبكة حديثة من الممرات الاقتصادية القادرة على ربط الخليج وبلاد الشام والأناضول بالأسواق العالمية، بما يجعل المنطقة شريكاً فاعلاً في حركة التجارة الدولية بما يعود بالفائدة للمنطقة أولاً وللعالم ثانياً.



