قول في الهزل

مدة القراءة: 8 دقائق

اسطنبول

اسطنبول

الهزل ضد الجدّ. والهَزْل: الكلام غير المعقول الذي يغلب فيه التمني والمبالغة ومخالفة المألوف والمتوقع، والذي ينكره الآخر فيضحك من تناقضه وغرابته، وهو كل كلام لا تحصيل له، أو هو الذي لا يُراد باللفظ معناه، لا الحقيقي ولا المجازي، كما عند الجرجاني في “التعريفات”. 

وفي القرآن الكريم: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق: 14-15] أي: ليس بِهَذَيان، ولا هو باللَّعِب.

كتب الجاحظ (776- 868م)، وهو أول أديب عربي ساخر، رسالة “في فلسفة الجد والهزل” الغالب عليها أسلوب التهكم والهزل، بيد أنها تحمل وراءها رسائلاً وحكماً وإشارات لا تخلو من الجد الموجه للوزراء والملوك في كيفية إدارة الدولة أخلاقياً وسياسياً. هذا الأسلوب مثّل نموذجاً لكتابات الأدباء المتقدمين الساخرين.

في الكتابات الحديثة والمعاصرة غالباً ما يتم تناول الهزل بوصفه رديفاً للمزح والضحك والترويح عن النفس للهروب من واقع محمل بالآلام والانتكاسات. وقد عبّر محمد كرد علي (1876- 1950م) في وصف مصر عن هذا المعنى في قوله: “وفيها الهزل في غاية الإتقان” في مقالته “هزل مصر والشام” التي نُشرت في مذكراته، يصف فيها حال النخبة الفكرية عند انصرافهم إلى جلسات الترويح والخوض في لهو الحديث على حد تعبيره.

أما الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859- 1941م) صاحب كتاب “الضحك”، فيحلل ظاهرة الهزل في المسرحيات الكوميدية والتراجيدية ويقدم فلسفة للهزل المحيط بالإنسان، حيث يُرجع الضحك ‑الفعل المنعكس عن الهزل‑ إلى معنىً ومدلولٍ اجتماعي. فالهزل يعبر عن نوعٍ من اللاتكيف في الشخص تجاه المجتمع المحيط به. وتُعد بيئة الهزل الطبيعية خُلق “اللامبالاة” مع ما تحمله هذه اللفظة من أبعادٍ نفسية واجتماعية وخُلقية؛ اللامبالاة والتبلد الشعوري والسلوكي تجاه الحياة وحوادثها. يقول: “الهزل يقتضي لكي يُحدث كلَّ أثره، شيئاً ما يشبه التخدير المؤقت للقلب، ويتوجه إلى الذكاء الخالص”. فكل ما ارتبط بالقلب من وجدان وضمير وقيم وأخلاق، تتخدر ويُصيبها الشلل، والذكاء وحده بمعنى “الدهاء” آلة الهزل.

ويستطرد في التحليل بقوله إن الهزل أيضاً يتجلى في طغيان الشكل على العمق، وفيه الحرف يخاصم الفكر والوعي ويعاندهما. ولتقريب الفكرة نقول إن الهزل –مثلاً- يحمي القاضي والسياسي الفاسد وعلماء السلطان في حضرة قدسية المهنة. أما ما هو جوهر وقيمة كالعدالة والحق والقوة والعزة، فهي أمور ثانوية لا تهم المجتمع. وكأن الأساس هو وجود سياسيين وعلماء وقضاة من حولنا حتى ولو كان وجودهم شكلياً فقط لتجسيد هذه المهن؛ أيّ “أن نحترم الأشياء الخارجية في المهنة بدقة. وهكذا حلّت الوسيلة على الغاية، ولم تعد المهنة تُصنع من أجل الجمهور بل الجمهور من أجل المهنة”. فالمهم هنا أن تكون المهن محققة وفق الأصول. والأصول التي يقصد بها برغسون هي الالتزام بالشكل والقوانين أو القواعد الإجرائية المفروضة على الناس.

من هذا الباب نقول إنه حتى الموت بات محققاً وفق الأصول أي وفق مواثيق القوانين الدولية المنحازة لشعوب على حساب أخرى و"الهازئة" بشعوب والمبجلة لأخرى؛ موت بالقصف وبالأسلحة المُراد تجريبها، وبأساليب التعذيب في المعتقلات، وموت ببلاد الشتات والتهجير… كلها أشكال لموتٍ وفق الأصول. أما الموت بالأسلحة الكيماوية أو النووية أو ما يحلو للمجتمعات الدولية الوقوف عليه فهو محرمٌ، والمواقف –إن وجدت- لا تتجاوز بيانات لمنظمات حقوق الإنسان أو خطب سياسية وتواقيع مناهضة. فالموتُ وفق الأصول أفضل من النجاة مع مخالفة الأصول كما يقول برغسون، ومهما حصل فإن “الإنسان الميت ليس إلا إنساناً ميتاً، ولكن الأصول المهملة تُضر ضرراً أكيداً بكل الجسم الطبي”.

في السياق نفسه، سياق جدلية الشكل والجوهر، نستحضر ظاهرة عالمية وما يسمى بعيد المرأة العالمي، فبأية امرأة يحتفلون؟ وكيف نحتفل معهم بيوم المرأة وهي لا زالت في القرن الحادي والعشرين تُستخدم أداة للحرب للنيل من كرامة أنوثتها وشرف إنسانيتها، وهي المفجوعة في زوجها وولدها وأخيها وأبيها والقابعة في سجون الطواغيت، وهم يتفرجون. وهي المُستهلكة والمُستعبدة من منظومة قيم أبعد ما تكون حافظة لأنوثتها وحامية لإنسانيتها! أم أن المهم الاحتفال بيومٍ للتذكير بالمرأة وننساها أو نغض الطرف عن حقوقها باقي الأيام، ما لكم كيف تحكمون.

نعود لكتاب “الضحك”، فإذا كانت غاية الكتاب إثبات أن للضحك والهزل وظيفة اجتماعية ما، وأنه “شيءٌ من التآمر/ التواطؤ الخفيف، وشيءٌ من الاعتدائية الخاصة على الحياة الاجتماعية”؛ فربما يحق لنا القول في هذا المعنى إننا حتى بهزلنا لا نهزل على طريقة الهزل البرغسوني، أي لا نسمو بهزلنا نحو مجتمعنا تأثراً وانعكاساً، فالمجتمع لا يردّ على ذلك الهزل “بحركة تبدو وكأنها ردّ فعل دفاعية تخيف قليلاً، حتى ولو بدا أن المجتمع مجبرٌ على التظاهر”. بل لا يعدو هزلنا إلا لهو الأحاديث وخوض في المجالس ولعبها. وربما مواقع التواصل الاجتماعي وما يُتداول فيها للقضايا المصيرية في أمتنا خير انعكاس لهذا اللهو. وإن شئتم القول هي تخاييل كاذبة منافقة؛ كالمشعوذ تماماً الذي يتحايل بحركات هُزَيْلى، كلها هَزْل في هزل لا جِدَّ فيها ولا انعكاس سمو، وتنتهي بانقضاء العرض وذهاب الموقف. وللرافعي عبارة بليغة تصف الهزل الممارس اجتماعياً وسياسياً في مجتمعاتنا، فهو: “الذي يمارسه اليوم أغلبنا في تهوين كل ما هو صعب بأن نختصر هذا الصعب، فإذا هزؤوا بالعدو في كلمة فكأنما هزموه في معركة… فاللهو واللعب والهزل قد خفّ بنا حتى ثقلت علينا حياة الجد”.

من صور الهزل المقيتة احتفال قادة العالم “الكبار” سنوياً بانتهاء الحرب العالمية ونارها ما تزال مشتعلة في بلادنا، بلادنا التي لا زالت منذ انتهاء حروبهم على أراضيهم في خضم حروبهم الاستعمارية والاحتلالية بالأصل وبالوكالة على أرضنا وعواصف التمزق والتفرق والتجهيل لم تستثن نفساً ولا حجراً بسببها.

سُئل رجل لماذا لا يبكي عند سماع موعظة يبكي فيها الناس؟ فقال: “لستُ من هذه الأبرشية”. لا بد أن نكون من الأبرشية نفسها حتى تتألم المجتمعات الأخرى على هزل مجتمعاتنا!

الهزل في ميزان الإسلام:

في ميزان الإسلام هناك تلازم بين الكذب والهزل. الهزل فيه نوع من تزييف الحقيقة والتمادي في التخيل حدّ الكذب، وكل كاذب هازل، “إن شر الروايا روايا الكذب، ولا يصلح من الكذب جد ولا هزل…”، كما جاء في رواية عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المزاح والدعابة واللهو لا تكون إلا بالحق والجد اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. عن أبي هريرة قال: قالوا: “يا رسول الله إنك تداعبنا”، قال: “إني لا أقول إلا حقاً” (سنن الترمذي 1990 وأحمد 8366). وأمة لا تتحرى الصدق والجد في كلامها وأفعالها ومواقفها وإن كان في سياق اللهو، لن تخرج من دائرة الهزل.

في القرآن المجيد قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ* وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ} [الطارق: 11-17]، انظر أين أتى سياق آية وصف القرآن “وما هو بالهزل”، بعد قسم بالسماء والأرض.

القرآن الحكيم كله جدٌّ وحق. وخلق الكون لم يكن بالعبث ولا باللهو {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 16-17]، السماء والأرض وما بينهما خلقهم الله تعالى على حق وجد لا على باطل وهزل {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا} [ص: 27].

وكذا في خلق الإنسان لا هزل فيه ولا لهو، قال الله تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4].الكَبَد مصطلح لم يرد في القرآن سوى مرة واحدة، ومن بين الروايات عن معنى هذه الآية أن الإنسان “يكابد الشكر على السَّرَّاء، والصبر على الضَّرَّاء، لأنه لا يخلو من أحدهما، ويكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة”، وهو ما اختاره ابن جرير الطبري أي: لقد خلقنا ابن آدم في شدة ونصب وعناء من مكابدة الدنيا.

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6]، أيّ أيها الإنسان أنك جاهدٌ جهاداً شديداً في عملك إلى لقاء ربك يوم الحساب، والكدح فيه من المشقة والتعب والنصب ما يعبر عن ماهية الحياة الدنيا التي كُلفنا للسعي فيها حتى نقيم دين القيمة ليس إلا.

المؤمن هو الذي يعيش في حذر ويقظة من أن يحيد عن جادة الحق، أما الذي يعيش حياة غفلة وتغافل يملأه الغرور والاعتداد بنفسه وطول الأمل كأنه خالد مخلد، فهو إنسان هازل بامتياز. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: 1-2].

فحمل الرسالة التي أوكلها الله سبحانه للإنسان في هذا الكون وأبتْ السماوات والأرض والجبال حملها، لا يمكن حملها باللهو والهزل والتراخي والفتور، بل بالجدية في حفظ الأمانات وأدائها على تمامها سواء في حق الله أم في حقوق العباد، {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8].

نحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، إلى قتل الهزل لنُحيي العزة والصرامة فينا ونبعث الجدّ والاجتهاد في أمور حياتنا، وعلى قدر عظمة هذا الكون المخلوق على قدر عظم وظيفة الإنسان؛ القادر وحده على حمل هذه الرسالة الجادة ومن كان من أولي الألباب/العقلاء الذين يأخذون الوجود على محمل الجد والحكمة والرشد. نحتاج إلى قلوب حيّة يقظة لا تتسرب الغفلة والتغافل إليها، تستشعر كل لحظة نفوذ الشيطان وتزيينه الذي أقسم على غواية البشر أجمعين {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص: 82-83]. فالغفلة واللعب صفة الكافرين {الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ} [الطور: 12]. ما عند الله جدّ واجتهاد وعمل وما الحياة الدنيا وما فيها إلا لعب ولهو للخائضين الهازلين.

قال تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140]. “آيات الله” في الآية الكريمة تشمل كل ما يتجلى في الكون والأنفس التي يكفر بها المنافقون والمستهزئون، ويعملون على صرفها عن جوهر وجودها وقوامها في إقامة دين الله وتوحيده لا شريك له سواء أكان الشريك نفوذاً سياسياً وسلطوياً أم كان مالاً حراماً واغتصاباً لحقوق المستضعفين في جنوب الأرض وأقاصيها، أم كان تفريطاً وتهزيلاً في إعمار الأرض على أسس العدل والكرامة.

 

عن المؤلف

ماجستير فلسفة، دبلوم دراسات إسلامية. سوريا