الحركة النسوية السعودية بعين مراقب خارجي
بقلم
ينظر المغترب بعين المراقب الخارجي إلى التطورات والأحداث التي تطرأ على بلد الاغتراب بعين مختلفة حتى بعد مرور سنوات على إقامته فيها، إذ يملك ترف المسافة وإمكانية عدم الانحياز العاطفي التي تسمح له بمراقبة المشهد دون الانخراط الكليّ به.
وغالبا ما تميل وجهة نظر المغترب، مهما كانت صفة إقامته ومشروعيتها، إما للمقارنة ببلده الأصلي أو بالصورة النمطية التي كوّنها مسبقاً عن البلد، وأحياناً للمقارنة بما يحلم أن تكون الحال عليه في مدينة فاضلة ما.
في حالة السعودية، التي تأتي في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عدد المقيمين الذين يمثلون حوالي 41% من الهيكل الديموغرافي في المملكة، لن يفوت أي مراقب خارجي التغير المتسارع لمكانة المرأة واستعادتها بعضاً من حقوقها، وتفعيل دورها في سوق العمل.
حين وصلت إلى العاصمة السعودية الرياض، كان أول ما لفت نظري، إلى جانب القيظ والحر الذي يمثل الصدمة الأولى لكثير من الناس ولا يمكن تجاهل مفعوله على أهل الرياض، أن تواجد المرأة في المشهد اليومي أمر طبيعي ومألوف، وأن الشوارع والحياة لا تعكس إطلاقاً الصورة النمطية القديمة عن المملكة التي نقلته لنا قنوات الأخبار والمسلسلات والتي سمعناها من غيرنا ممن عاش هنا.
تبدل الحال في السعودية بعد عام 2018 وتغير عما كانه من سنين، بالنسبة للنساء المغتربات أيضاً، ممن تعودن ربما في بلادهن على حيز حرية أكبر بكثير؛ إذ يتكرر على مسمع الوافدات الجدد، من نساء لا يجمعهن رابط سوى رابط الجغرافيا عبارات مثل: "احمدي الله أنك انتقلت إلى الرياض بهذا الزمن لا قبله".
احتفاء مستمر بحرية الحركة
كانت حرية التنقل من أبرز التغييرات التي طرأت على حياة النساء السعوديات والنساء المقيمات في السعودية بضرورة الحال، لا سميا أن السيارات الخاصة هي وسيلة النقل الأكثر اعتماداً في المملكة للتنقل نظراً للطبيعة الجغرافية والمناخ والتخطيط العمراني للشوارع والمدن. وبعد مرور قرابة ثماني سنوات على إصدار الأمر الملَكي بالسماح للنساء بقيادة السيارة الذي دخل حيز التنفيذ عام 2018 لا يزال الاحتفاء بذاك اليوم وذكره وذكراه فعلٌ مستمر إلى اليوم، فما من جلسة نسائية إلا وتعرِّج نساء فيها للحديث عن الغبطة والامتنان لعدم اضطرارها لانتظار السائق أو التنسيق المسبق مع أحد رجال العائلة وجدولة تحركاتها وفقاً لظروفه ومواعيده وأحياناً رغبته لاصطحابها من النقطة ألف إلى النقطة باء ثم تاء، واحتمال كبير أن تواجه من ذلك الرجل تململاً أو أن يرفض الذهاب إلى النقطة ثاء، وأن حرية التنقل هذه انعكست إيجاباً على نفسيتها وبالتالي على دورها في المجتمع الصغير والكبير.

مع التنويه إلى أن بعض النساء لم يلمسن بعد مفعول مثل هذه الحريات فور أن صدر الأمر الملك بالسماح ونُشر، إذ تبقى السلطة الأبوية للأب والأخ، والعم والخال أحياناً، صاحبة قرار وتحكم في المجتمع، ولم تقبل جميع العائلات هذا الانقلاب الكلي الذي غير من هيكلية الأسرة وحدّ من التحكم بنساء العائلة وفقاً للعرف السائد.
النسوية كحركة فردية
من النقاط التي تستدعي الانتباه في المجتمع السعودي عامةً والمجتمع النسوي خاصة، هو غياب النسوية بمفهومها الحركي أو التنظيمي التقليدي، كجمعيات مستقلة أو مظاهرات أو حملات مطالِبة بحقوق أو مناهضة لتصرفات. لكن هذا الغياب قد خلق حراكاً صامتاً يستمد قوته من كفاءة الفرد وحده وليس التنظيم الجماعي، فتجد المرأة السعودية تخوض معاركها بمفردها وتتحول كل امرأة إلى مركز ثقل بذاتها، الأمر الذي حمى الحراك النسائي من التنميط والشيطنة، وسط ضغوطات اجتماعية وبيئة أبوية خصبة.
تسعى المرأة للتفاوض على مساحات حريتها والسعي للاستقلال المادي سعياً جاهداً يجبر المراقب على تقديرها واحترامها، خصوصاً لما تواجهه من تقييمات أخلاقية بالخفاء والعلن لكل ما تنجزه أو تطمح لإنجازه. إذ ت
عد كل معركة صغيرة تكسبها امراة واحدة في عائلة ما، مفتاحاً لفتح باب مغلق أمام قريباتها سواء أخواتها أو بناتها أو من محيطها، وبذلك تصبح قدوة لهن بهدوء ودون ضجيج.
شهد قانون ولاية الرجل على المرأة في السعودية تفككاً وتغيرات جذرية ومحورية وفقاً لمراسيم وقرارات ملَكية صدرت بين عامي 2017 و2019، أبرزها قرار منح المرأة السعودية حقها بالسفر دون الحاجة للحصول على تصريح سفر من الولي.
ساعدت هذه القرارات العديد من النساء على أداء نشاطاتهن دون تقييدات بيروقراطية، ووضعت نساء أخريات في خانة النضال الفردي أمام رب الأسرة أو ولي الأمر للمطالبة بحقوقها التي كفلها لها القانون كفرد مستقل، بعضهن ينلن ما يطلبن بشق الأنفس وبعضهن يخسرن النزال أمام تصلب الرجل والمجتمع.

تجاهد المرأة السعودية مثل سائر نساء العالم لإثبات وجودها وقدرتها على الفعل وحقها بالتفاعل، تطالب بالعدالة وتسعى لكسر قيد هنا وبناء حصن هناك، ساندةً ظهرها على قوانين حديثة، خائفةٌ من فجأة زوالها كما فجأة إصدارها.
وبالعودة للجلسات النسائية، تردد سيدةٌ أن "بارك الله بالملك وولي عهده"، وتخاف أخرى من أن يكون كل شيء حلماً ستفيق منه رغم مرور سنوات عليه.
في نهاية المطاف، تبدل مشهد الاغتراب في السعودية وتغيرت معالم المدن في عين مراقبيها، يعيش المجتمع السعودي واحدة من أكثر التجارب الانتقالية جرأة، والفجوة التي نلاحظها بين الفضاء العام الذي ينفتح ويتسع بسرعة وبين خلفيات أسرية لا تزال تحاول استيعاب هذا التحول، هي ظاهرة طبيعية في مجتمعات تحاول جاهدة السعي للحداثة مع المحافظة على أساسيات مجتمعية لتفادي تشكل شرخ كبير بين الأجيال وبين الجنسين.
عن المؤلف
مهندسة وكاتبة سورية



