الأمة تحتفل بإطلاق منصتها رسمياً في داكا
بقلم
في زمنٍ تتزايد فيه تأثيرات التحولات الجيوسياسية والاستقطاب الرقمي والنقص الحاد في الخطاب الفكري الموثوق، تبرز مبادرة عالمية جديدة تسعى إلى ردم الفجوة بين العالم الإسلامي ودوائر صنع السياسات الدولية وتعزيز إنتاج المعرفة، والبحث العلمي، والحوار الفكري البنّاء على المستوى العالمي.
في الرابع من يوليو/تموز الجاري، أطلقت مؤسسة «الأمة» رسميًا مجلتها ومنصتها الرقمية متعددة اللغات «الأمة»، في حفل أكاديمي أُقيم في العاصمة البنغلاديشية دكا. المنصة الجديدة ستنشر موادها باللغات البنغالية والإنجليزية والعربية والتركية، وتطرح نفسها مركزًا دوليًا للفكر والبحوث، يهدف إلى تعزيز الحوار القائم على البحث العلمي، ومكافحة التضليل الرقمي، وتقديم حلول معرفية للتحديات العالمية المعاصرة.
يأتي هذا الإطلاق في وقت يشير فيه محللون إلى تزايد الحاجة إلى منصات فكرية بديلة في بلدان الجنوب العالمي، ولا سيما تلك القادرة على تحويل البحوث الأكاديمية إلى سياسات عملية في المجالات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية.
برزت «الأمة» بوصفها منصة دولية تجمع الباحثين والأكاديميين وصناع السياسات والصحفيين والمفكرين الشباب، لمناقشة القضايا العالمية الراهنة، والتحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وطرح حلول تستند إلى المعرفة.

حصن في مواجهة الفوضى الرقمية
في حفل الإطلاق الذي أقيم في فندق في داكا، أكد وزير الإعلام والإذاعة في بنغلاديش، ظاهر الدين سوبن Zahir Uddin Swapan، بصفته الضيف الرئيس، أن العصر الرقمي أتاح ديمقراطية غير مسبوقة في تداول المعلومات، لكنه جاء على حساب التماسك الاجتماعي.
وقال سوبن: «في العصر الرقمي الراهن، ورغم أن التدفق الحر للمعلومات أوجد إمكانات جديدة، لكنه زاد أيضًا من مخاطر الارتباك، والمعلومات المضللة، والانقسام المجتمعي. وفي ظل هذا الواقع، أصبحت الحاجة إلى مبادرات فكرية موثوقة، تقوم على المعرفة، والقيم الأخلاقية، والمشاركة المسؤولة، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى".
وأشار الوزير إلى أن العالم، رغم وفرة البيانات، يعاني نقصًا حادًا في التحليلات الموثوقة والمتعمقة، وقال إن بوسع مجلة «الأمة» أن تشكل منصة لإرساء حوار معرفي بين بنغلاديش والعالم، مؤكدًا أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق إلا بترسيخ ثقافة التعايش رغم اختلاف وجهات النظر.
وأضاف: «ستؤدي "الأمة" دورًا إيجابيًا في تحقيق هذا الهدف".
ربط التراث بصنع السياسات الحديثة
من جانبه، أكد ضيف الشرف في الافتتاح، البروفيسور ياسين أقطاي، الأكاديمي التركي والمستشار السابق للرئيس رجب طيب أردوغان، الأهمية الدولية لهذه المبادرة.
وأوضح أن أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم يتمثل في الانفصال القائم بين الإرث الفكري التاريخي للعالم الإسلامي وواقعه العالمي المعاصر، وقال: «إن من أكبر التحديات التي تواجه المجتمع المسلم في عالم اليوم إقامة جسر فعّال بين المعرفة، والبحث العلمي، وصنع السياسات العملية".
ورأى أقطاي أن المنصة قادرة على تعبئة جيل جديد من الباحثين والمفكرين الشباب لبناء مجتمع أكثر وعيًا ووحدة، من خلال تعاون استراتيجي قائم على الحقيقة.
وأضاف أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تقدم إسهامًا مهمًا في بناء مجتمع إسلامي واعٍ ومتحد وغني فكريًا، يقوم على إنتاج المعرفة الصحيحة، والحوار بين الثقافات، والتعاون.
وتابع: «لقد قدمت الحضارة الإسلامية، على مدى قرون، إسهامات كبيرة في المعرفة، والفلسفة، والعلوم، والفكر الإنساني. غير أن الواقع العالمي المعاصر يتطلب تعزيز الصلة بصورة أكبر بين ذلك الإرث وبين الأجيال الحالية".

القيادة القائمة على المعرفة
ترأس الحفل الدكتور عبد الفتاح محمد خالد حسين، المستشار السابق للشؤون الدينية في الحكومة الانتقالية في بنغلاديش، الذي أكد أن مواجهة التحولات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية، بما فيها تلك التي يقودها الذكاء الاصطناعي، تتطلب «قيادة قائمة على المعرفة".
وقال: «لا بديل عن القيادة القائمة على المعرفة والبحث المسؤول لتجاوز هذه التحديات".
أجندة عملية تتجاوز الشعارات
محمد ذاكر حسين، رئيس مؤسسة «الأمة» ورئيس تحريرها، أكد في خطابه الافتتاحي أن المشروع لا يهدف إلى إحداث تحولات أيديولوجية سريعة، بقدر ما يسعى إلى إرساء تأثير فكري طويل الأمد.
وقال: «أُطلقت هذه المبادرة بهدف تعزيز الصوت الفكري للأمة الإسلامية. ونحن لا نزعم أننا سنغير العالم بين ليلة وضحاها، بل نؤمن بأن التغيير الدائم والإيجابي يبدأ بالمعرفة، والحوار البنّاء، والصحافة المسؤولة".
وأضاف: «لا ندّعي أننا سنغير العالم بين عشية وضحاها. إننا نؤمن بأن التغيير الإيجابي المستدام يبدأ بالمعرفة، والحوار البنّاء، والصحافة المسؤولة. ويتمثل هدفنا في إلهام جيل جديد من المفكرين ليسهم في إحداث تحول إيجابي في المجتمع".
وتابع: «الأمة منصة ستعزز الصوت الفكري للأمة الإسلامية من خلال البحث العلمي، والنقاش الهادف، وتبادل المعرفة. ونطمح إلى إلهام جيل جديد من المفكرين والكتّاب والباحثين، ليشاركوا في إحداث تحول إيجابي في المجتمع، مسترشدين بالحكمة، والنزاهة، والقيم الإنسانية".

وقد شهد حفل الإطلاق مشاركة واسعة من خبراء السياسات الدولية والأكاديميين ورواد الابتكار الرقمي، بما يعكس اتساع نطاق عمل المنصة. وتناولت جلسات النقاش مجموعة من أبرز القضايا الراهنة، من بينها:
· القيادة الفكرية للعالم الإسلامي.
· موثوقية المعلومات في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
· تحديث النظم التعليمية في بلدان الجنوب العالمي.
· تنامي دور التمويل الإسلامي وإنتاج المعرفة المدفوع بالتكنولوجيا.
· التعاون الاستراتيجي بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.
وشارك في تقديم المداخلات عدد من الشخصيات الدولية، من بينهم المهندس منير سعيد، ممثل المنتدى الإسلامي العالمي للفكر والحضارة، والدكتور أيمن زيدان، ممثل مؤسسة القدس الدولية، والدكتور فتحي عبد القادر، ممثل أكاديمية الرواد في إسطنبول، إلى جانب شخصيات أكاديمية وإدارية من بنغلاديش، من بينها عضو لجنة إصلاح الإدارة العامة الدكتور محمد أيوب ميا، والرئيس السابق لجامعة داكا البروفيسور نياز أحمد خان. كما استعرض كل من عصام الشحادات ورحمي عثمان قاچماز خارطة الطريق الخاصة بالتحول الرقمي للمنصة.
ويرى محللون أن النقاشات البحثية في مجالات الجغرافيا السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا والتمويل الإسلامي والتعليم، والثقافة، باتت تؤدي دورًا متزايد الأهمية في عمليات صنع السياسات الدولية، وأن مجلة وموقع «الأمة» يمكن أن يشكلا منصة فعالة للتواصل وتبادل المعرفة بين الباحثين والصحفيين وصناع القرار في العالم الإسلامي.
أعرب المتحدثون عن أملهم في أن تسهم هذه المبادرة في بناء شبكة عالمية شاملة، تتسم بالمسؤولية والثراء الفكري، وقادرة مستقبلًا على أن تصبح منبرًا رئيسًا يمثل الفكر والبحث العلمي في العالم الإسلامي على الساحة الدولية.
كما أكد المشاركون في الفعالية أهمية بناء مجتمع قائم على المعرفة، وتحقيق نهضة فكرية في العالم الإسلامي، وتعزيز التعاون البحثي، وترسيخ الإعلام المسؤول، وتوسيع الحوار العالمي، مشددين على أن التنمية المستدامة، والسلام، والريادة الفكرية، لا يمكن أن تتحقق في عالم اليوم إلا من خلال التكامل بين المعرفة، والتكنولوجيا، والتعاون الاستراتيجي.
وأوضح المنظمون أن مجلة «الأمة» انطلقت استجابةً للحاجة إلى توسيع مساحة النقاشات الفكرية والبحثية القائمة على المعرفة، بدلًا من الخطابات العاطفية، لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية التي يواجهها العالم الإسلامي في النظام الدولي الراهن. وتهدف المجلة إلى فتح آفاق جديدة للحوار المعرفي، من خلال نشر البحوث العلمية، والدراسات التحليلية، وأوراق السياسات، والمقالات الفكرية، والتقارير الخاصة بالشؤون الدولية.
وتصدر «الأمة» حاليًا بأربع لغات هي: البنغالية، والإنجليزية، والعربية، والتركية. وأكد المنظمون أنهم يعتزمون إضافة لغات أخرى مستقبلًا، بما يسهم في توسيع نطاق تبادل المعرفة والتعاون الفكري بين الباحثين والمفكرين في مختلف أنحاء العالم. كما ستعمل المنصة على تعزيز الروابط الاستراتيجية والتعاون المعرفي بين الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

الآفاق المستقبلية
في وقت يتزايد فيه تأثير مراكز الفكر الإقليمية في صياغة السياسات الدولية، تدخل «الأمة» ساحة تنافسية، ذات أهمية بالغة. وأكد القائمون عليها عزمهم توسيع المنصة لتشمل لغات إضافية، بهدف بناء شبكة عالمية جامعة، تنقل الخطاب المتعلق بالعالم الإسلامي من ردود الفعل العاطفية إلى تحليلات علمية رصينة، تستند إلى البحث الأكاديمي والتحكيم العلمي.



