
من طفلة مهاجرة إلى كابتن في البحرية الأسترالية.. قصة المصرية الأسترالية منى شندي
بقلم
من طفلة مصرية مهاجرة وصلت إلى أستراليا في السبعينيات إلى واحدة من أوائل النساء اللواتي خَدمن على متن سفينة حربية أسترالية، ثم إلى كابتن في البحرية الأسترالية ومستشارة لرئيس البحرية للشؤون الثقافية الإسلامية؛ تمتد مسيرة منى شندي لأكثر من ثلاثة عقود في قوات الدفاع الأسترالية، وتجمع بين الهندسة والخدمة العسكرية والعمل على تغيير بيئة مؤسسة ظلت لفترة طويلة يغلب عليها الطابع الذكوري.
استعادت شندي جوانب من هذه المسيرة في حلقة حديثة من برنامج «Uncommon Ground» الذي يقدمه طلال ياسين، نُشرت في 11 أغسطس/آب 2026، كما سبق أن تحدثت عن تجربتها في مقابلة مع «SBS عربي» عام 2022 بمناسبة صدور مذكراتها Shattering Identity Bias.
ولدت شندي في مصر ووصلت إلى أستراليا مع أسرتها وهي في الثالثة من عمرها تقريبًا، في أواخر سبعينيات القرن الماضي، برفقة والديها وشقيقيها. كان والدها محاميًا، فيما عملت والدتها أخصائية اجتماعية، ونشأت الأسرة في سيدني وسط مجتمع متعدد الثقافات.
تروي شندي أن طفولتها لم تكن خالية من الاحتكاك بسبب خلفيتها المهاجرة؛ ففي إحدى ذكرياتها، كانت تلعب مع شقيقيها وأطفال آخرين في أحد شوارع منطقة ماسكوت في سيدني، عندما تعرّضت أسرتها لتعليقات تتعلق بلون بشرتها وضعف اللغة الإنجليزية لدى أفرادها واختلاف عاداتهم. بدلًا من الانسحاب، تقدمت الطفلة للدفاع عن أسرتها إلى جانب شقيقيها، وهي تجربة تقول إن روحها بقيت حاضرة في شخصيتها طوال حياتها المهنية.
فقدان الأب وتغيير المسار
فقدت منى والدها عندما كانت في الرابعة عشرة من عمرها، وهو ما حمّلها في سن مبكرة مسؤوليات تجاه أسرتها. بدأت العمل في وظائف جزئية لمساعدة والدتها، وبعد إنهاء المرحلة الثانوية التحقت بدراسة طب الأسنان، إذ كانت ترى في هذا التخصص وسيلة للمساعدة في إعالة الأسرة.
لكن مسارها تغير عندما أخبرها أحد شقيقيها عن دراسته الهندسة الكهربائية. سرعان ما قررت ترك طب الأسنان والالتحاق بمجال الهندسة، قبل أن تتجه حياتها مرة أخرى نحو البحرية الأسترالية بعد أن انضم شقيقها إلى القوات البحرية وبدأ يرسل إلى العائلة بطاقات بريدية من الموانئ التي كان يزورها.
قالت شندي إنها تحمست لخوض التجربة نفسها، فاختارت التقدم إلى برنامج تدريب في البحرية. والتحقت بالبحرية الملكية الأسترالية عام 1989 مهندسةً متدربة، وفق السيرة الرسمية الصادرة عن وزارة الدفاع الأسترالية.
حصلت لاحقًا على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية مع مرتبة الشرف من جامعة نيو ساوث ويلز، ثم ماجستير في التجارة، إضافة إلى ماجستير في السياسة والسياسات العامة من جامعة ديكين ودبلوم في إدارة التصدير.
من قاعات الهندسة إلى السفن الحربية
كان دخول شندي إلى عالم الهندسة والبحرية يعني العمل في بيئة يهيمن عليها الرجال بصورة شبه كاملة. وعندما دخلت أول محاضرة لها في الهندسة، وجدت نفسها واحدة من خمس نساء فقط بين أكثر من 400 طالب، في تجربة شكلت صورة مبكرة عن طبيعة البيئة التي ستعمل فيها لاحقًا.
في سن العشرين، أصبحت أول امرأة مسلمة تخدم في البحرية الملكية الأسترالية، وفق سيرتها المنشورة عنها، ثم كانت عام 1992 واحدة من أول ثلاث نساء يخدمن على متن سفينة حربية أسترالية، عندما خدمت على متن HMAS Canberra.
لم تكن السفن آنذاك مجهزة لاستقبال النساء. تروي شندي أن السفينة لم تكن تحتوي على أماكن مخصصة لنوم النساء أو للاستحمام، كما كانت الزيّات العسكرية غير ملائمة لأجسادهن، واضطرت البحرية إلى إجراء تعديلات حتى تتمكن النساء من الخدمة في البحر.
عملت شندي في البحر فترات طويلة، وكانت تغيب عن منزلها نحو ثلاثة أشهر في كل مهمة. وبحسب روايتها، أمضت 32 عامًا في البحرية، بينها نحو ست سنوات في البحر.
وتقول إن وجودها وزميلاتها في تلك المرحلة لم يكن سهلًا، إذ واجهن ثقافة يغلب عليها الطابع الذكوري، فضلًا عن التمييز والسخرية وغياب فرص الإرشاد والتوجيه التي كانت متاحة لزملائهن الرجال. لكنها تعاملت مع هذه الصعوبات باعتبارها فرصة لتغيير الأنظمة لمن سيأتي بعدها، مؤكدة أن مواجهة كل تحدٍّ كانت تتيح التعلم والتكيف وتقديم الملاحظات والمساهمة في تحسين المؤسسات.
الخدمة في العراق واختبار الهوية
شهدت مسيرة شندي أيضًا خدمة عسكرية في العراق عام 2003 خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، بحسب السيرة الرسمية لوزارة الدفاع الأسترالية.
حينها، كانت متزوجة ولديها طفلان، وكانت مشاركتها في مهمة عسكرية خارج البلاد تضعها أمام أسئلة شخصية ومهنية معقدة. كما واجهت شكوكًا مرتبطة بكونها مسلمة من أصول مصرية، إذ تروي أنها شعرت في إحدى جلسات التدريب على الأسلحة بأن بعض زملائها ينظرون إليها باعتبارها مصدر تهديد محتمل.
وقالت في حديثها مع طلال ياسين إنها كانت تغادر عائلتها لأداء واجبها العسكري، لكنها وجدت نفسها في الوقت ذاته أمام تساؤلات من قبيل: هل يمكن أن تكون "عميلة" أو تشكل تهديدًا للآخرين؟ وهي تجربة جعلتها تدرك بصورة مباشرة حجم التحديات المرتبطة بالهوية والانتماء داخل المؤسسة العسكرية.
مستشارة للشؤون الثقافية الإسلامية
لاحقًا، عُيّنت شندي مستشارة استراتيجية لرئيس البحرية للشؤون الثقافية الإسلامية، وهو منصب الهدف منه تعزيز فهم أفراد قوات الدفاع للدين الإسلامي والعادات والحساسيات الثقافية المرتبطة به.
وأوضحت وزارة الدفاع الأسترالية أن دورها شمل مساعدة أفراد القوات على فهم الإسلام وتقاليده، لا سيما في ظل العلاقات الوثيقة مع القوات البحرية في دول إسلامية مجاورة مثل إندونيسيا وماليزيا، فضلًا عن تشجيع مزيد من المسلمين الأستراليين على التفكير في العمل داخل قوات الدفاع.
وفي هذا الدور عملت شندي على شرح قضايا مثل الصيام والصلاة، وساهمت في إدخال ترتيبات تساعد المسلمين في البحرية، بما في ذلك توفير الطعام الحلال، وأماكن للصلاة، وخيارات في الزي العسكري، من بينها الحجاب.
وقالت لـ«SBS عربي» إن التعرف إلى الآخر يجعل البحرية «أقوى وأفضل»، مشيرة إلى أهمية فهم المسلمين وطريقة تفكيرهم وأولوياتهم، خصوصًا في ضوء علاقات أستراليا مع الدول الإسلامية في المنطقة.
أول كابتن في البحرية الأسترالية ترتدي الحجاب
أصبحت شندي لاحقًا أول امرأة برتبة كابتن في البحرية الأسترالية ترتدي الحجاب، في خطوة أثارت اهتمامًا واسعًا داخل المؤسسة وخارجها. وتشير مصادر أسترالية إلى أن قرار ارتداء الحجاب جعلها هدفًا لحملة انتقادات علنية من بعض قدامى العسكريين، فيما دارت نقاشات إعلامية وسياسية حول التنوع داخل قوات الدفاع.
وبحسب رواية شندي، أثرت هذه الحملة في مسارها المهني، قبل أن تنهي بعد أكثر من ثلاثة عقود خدمتها في البحرية وتتجه إلى العمل خارج الخدمة العسكرية. وتُعرّفها المصادر الحالية بوصفها كابتن متقاعدة من البحرية الملكية الأسترالية.
خلال مسيرتها، شغلت شندي عددًا من المناصب الهندسية والقيادية، من بينها إدارة برامج وأنظمة قتالية، كما تولت منصب مديرة وكالة ضمان صلاحية المواد البحرية عام 2018. وفي عام 2015 حصلت على وسام Conspicuous Service Cross تقديرًا لخدمتها، واختيرت في العام نفسه امرأة العام الوطنية من Telstra.
تجربة في مواجهة الصور النمطية
نشرت شندي مذكراتها بعنوان Shattering Identity Bias، وهي تستعرض فيها تجربتها منذ طفولتها كمهاجرة مصرية في أستراليا، مرورًا بالخدمة في البحرية والاحتكاك بالتمييز القائم على النوع الاجتماعي والخلفية الثقافية والدينية، وصولًا إلى عملها في مجال التنوع والشمول.
وقالت في مقابلة «SBS عربي» إن الكتاب يتناول النظرة المتحيزة والصور النمطية التي تُلصق أحيانًا بفئات مجتمعية مثل المسلمين والعرب، وإنها أرادت من خلاله أن تساعد القارئ على فهم ما تواجهه الأقليات وتأثير الكلمات القاسية والمعاملة غير العادلة فيها، وأن تشجع أفراد هذه الأقليات على التمسك بأهدافهم ومواصلة طريقهم.
وفي حديثها مع طلال ياسين، عادت شندي إلى المحطات الأساسية في حياتها، من الهجرة وفقدان والدها، إلى دخول البحرية والخدمة على متن السفن الحربية والمشاركة في عملية العراق، ثم العمل مستشارة للشؤون الثقافية الإسلامية، وصولًا إلى الجدل الذي رافق ارتداءها الحجاب وخروجها من الخدمة.
اليوم، تواصل شندي نشاطها من خارج المؤسسة العسكرية، وتعمل في مجالات القيادة والاستشارات والتنوع والشمول، كما أسست «مؤسسة منى شندي» التي تركز على دعم الأشخاص من خلفيات متنوعة من خلال برامج القيادة والإرشاد والدعم العملي. وتقول المؤسسة إن هدفها يتمثل في جعل الطريق أكثر سهولة أمام الأجيال القادمة، بحيث لا تجد فتيات مثل منى أنفسهن وحيدات أو أقلية في الغرف التي يدخلنها.
شارك هذا المقال

































