
من الخلاف إلى الفرقة: تحريش الشيطان بين الإخوة
بقلم
كيف يستطيع أناس جمعتهم العقيدة وربتهم الدعوة وربطتهم سنوات المحنة أن يصلوا إلى هذا القدر من التنازع والقطيعة وسوء الظن؟
لا يجوز أن نحمّل الشيطان مسؤولية أخطائنا ونعفي أنفسنا؛ فالإنسان مسؤول عن اختياره، والشيطان نفسه يقول يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: 22].
لكنه عدو أقسم أن يقعد للإنسان على طريق الهداية نفسه: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: 16].
فالشيطان قد لا يأتي أهل الدعوة قائلًا: فرّقوا جماعتكم، بل هو يدخل عليهم من أبواب تبدو مشروعة: الحق والشرعية والأمانة والخوف على الجماعة ثم يخلط ذلك بحظوظ النفس حتى يتحول الخلاف إلى خصومة والخصومة إلى فرقة.
أنا أحمي الحق
قد يبدأ الإنسان بالمناداة بحق حقيقي ثم يختلط الحق بالنفس، فلا يعود إظهار الحق شاغله الوحيد، بل إثبات أنه هو على الحق وأن رأيه الصواب. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأنفال: 48].
عندها، يُسمى العناد ثباتًا، والتمسك بالموقع أمانة، ورفض الصلح دفاعًا عن الشرعية، والانتصار للنفس انتصارًا للحق. وهنا يأتي امتحان النفس؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. والسؤال الصادق هو: هل أدافع عن الحق أم أصبحت أدافع عن نفسي باسم الحق؟
التراجع عن الرأي هزيمة؟
من مداخل الفتنة أن يصبح الاعتذار سقوطًا، والتراجع ضعفًا، والصلح انتصارًا للخصم، فينتظر كل فريق هزيمة الآخر حتى يثبت صحة موقفه.
لكن الحقيقة أن جمع الصف ليس هزيمة، والتراجع عن موقع أو رأي ليس بالضرورة تراجعًا عن الحق، وقد يكون ترك بعض ما يراه الإنسان حقًا دفعًا لمفسدة أكبر من تمام التجرد.
أنا أعرف ما في صدورهم!
قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: 53].
يبدأ النزغ بكلمة أو تفسير سيئ أو خبر غير متثبت، ثم يتحول الظن إلى رواية، والرواية إلى قناعة، والقناعة إلى خصومة. ولهذا قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:12].
فلا تجعلوا الشائعة دليلًا، ولا تفسروا كل فعل بأسوأ الاحتمالات، ولا تعيدوا كتابة تاريخ إخوانكم كله بعد الخصومة. ولننظر إلى سيدنا يوسف عليه السلام حين أدرك ذلك فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: 100].
وصلنا إلى نقطة لا رجوع منها
قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21].
فالانقسام لا يقع عادة دفعة واحدة؛ بل يحدث على دفعات ومراحل... تراه يبدأ بخلاف على قرار، ثم خلاف على الأشخاص ثم اصطفاف فلان ضد فلان، ثم طعن في النيات والذمم، ثم نبش في التاريخ والمال والعلاقات، حتى يصبح الأخ خصمًا والخصم عدوًا. هذه هي خطورة الخطوات؛ والكل لديه مبرر لموقفه ولأفعاله إلى أن تصحو العقول ويتساءل المختلفون: كيف وصلنا إلى هنا؟
ماذا أخسر إذا انتهت الأزمة؟
من مداخل الشيطان التخويف، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: 268].
وللخوف أنواع وألوان؛ الخوف على المال والخوف على المركز أو المكانة أو النفوذ أو المشروع أو شبكة العلاقات، والإنسان هلوعٌ بطبعه فيتساءل: ماذا سيحدث لي إذا انتهى الوضع القائم؟ والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. فالرزق من الله وعلى الله، والمنصب أو المال ليس قدرًا أبديًا، ولا ينبغي أن تصبح مصلحة فردية سببًا في بقاء جماعة كاملة في الانقسام.
تمني سقوط الطرف الآخر
قال تعالى عن الشيطان: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: 120].
قد ينتظر كل فريق أن تنهار شرعية الآخر أو ينفض الناس من حوله، وتمر السنوات بينما الذي يضعف في الحقيقة هو الصف كله. إن انتظار هزيمة أخيك حتى تثبت أنك كنت محقًا ليس انتصارًا للدعوة، بل هو إضعاف للأمة.
البطانة والأصدقاء
من أخطر الفتن أن يعيش كل طرف داخل دائرة لا يسمع فيها إلا من يؤيده؛ فيعمد الإنسان إلى تضخيم أخطاء الخصوم وتصغير أخطاء النفس، ويصبح الناصح ثقيلًا والمصفق قريبًا. والله تعالى يقول: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135].
فالبطانة التي تخدمك وتصدُقك حقًا ليست التي تؤكد صوابك دائمًا، وإنما هي التي تمنعك من الظلم، وتضع أمامك ما لا تحب أن تسمعه حين يكون حقًا؛ كما في الحديث الشريف: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". والواقع أن نصرته وهو "ظالم" أولى منها وهو مظلوم.
التحريش بين المؤمنين
قال النبي ﷺ: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» رواه مسلم.
وهذا من أخطر ما ينبغي التوقف عنده: قد يعجز الشيطان عن إخراج المؤمن من أصل دينه، لكنه يجد بابًا في الخصومة والتحريش بين المؤمنين أي إيقاع الخصومة والشحناء بينهم والحروب والفتن. وجاء في صحيح مسلم أن إبليس يبعث سراياه، فيقرّب من نجح في التفريق بين الرجل وزوجه.
لا يعني هذا أن كل خلاف سببه الشيطان وحده ولا أن واقعًا بعينه سببه سحر أو أمر غيبي نجزم به؛ بل المعنى أن التحريش والتفريق من الأعمال التي يحبها الشيطان ويسعى إليها. فإذا كان التفريق بين اثنين مما يفرحه، فكيف بتمزيق صف الأمة؟
النفس شريكة في المسؤولية
لا تقولوا الشيطان فعل بنا ذلك وانتهى الأمر؛ الشيطان إنما يوسوس ويزين ويخوف، لكنه لا يجبر أحدًا على اتباعه. الإنسان هو الذي يختار، والنفس هي التي قد تستجيب لحب المنصب ويستهويها الغرور والغضب والانتقام ورفض الاعتذار. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
فليبدأ كل إنسان بنفسه وليراجع نفسه وأعماله كل يوم وكل ليلة: هل استطاع الاعتراف بخطئه، هل استمع إلى نصيحة أخيه، هل طاوعته نفسه على قبول حكم عادل ولو جاء ضده، وهل فرح بالصلح مع فلان ولو لم ينتصر رأيه، وهل ترك موقع يحبه منعاً لاستمرار الأزمة؟ هنا يظهر التجرد الحقيقي ومجاهدة النفس.
راجعوا أنفسكم قبل أن تذهب ريحكم
الخطر الأكبر أن يطول النزاع حتى يتحول من حادث عارض إلى هوية دائمة، فينشأ جيل لا يعرف الجماعة إلا من خلال جناحين وروايتين وقيادتين وذاكرتين مختلفتين. حينها يكون الخلاف قد تجاوز أصحابه وانتقل إلى الأبناء وتلك طامة كبرى وعلاجها عسير. لكن يبقى لدى الإنسان خطوات بسيطة تساهم مساهمة كبيرة في منع حدوث هذا كالعودة بالتوبة من الغيبة ومن سوء الظن بأخيه ومن التعصب، والاعتذار عن الخطأ وقبول المراجعة، وفتح أبواب الشورى والعدل والإصلاح.
قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10]. وقال النبي ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ إصلاح ذات البين وفساد ذات البين الحالقة» رواه أبو داود والترمذي.
أيها الصف المسلم، لا تسمحوا لنزغ الشيطان أن يجد في خلافكم بابًا ولا تجعلوا التمسك بالرأي عبادة والصلح هزيمة والتراجع عارًا. المعركة الحقيقية داخل كل نفس: بين التجرد وحظ النفس، وبين الأخوة والخصومة، وبين الإصلاح ونزغ الشيطان.
وقبل أن نسأل من المنتصر؟ فلنسأل ماذا سنخسر إذا استمر النزاع؟ وماذا سنربح إذا ما أُغلق باب التحريش وعاد الإخوة إلى الإصلاح؟ لقد نالت الفرقة من الأمة ما يكفي ومن مسؤولتنا ألا نورثها لأبنائنا.
شارك هذا المقال


































