
من الأحياء الهمشة إلى قيادة نشاط طلابي وطني.. رياض راني
برز اسم رياض راني، البالغ من العمر 19 عاماً، في فرنسا في الأسابيع الأخيرة، بعدما أصبح أحد أبرز الوجوه التي تقود احتجاجات طلاب الثانويات، المطالبة بتحسين ظروف الدراسة ومعالجة أوجه القصور في المؤسسات التعليمية. ويتولى راني رئاسة الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات، وقد انتقل إلى واجهة المشهد العام حين أصبح متحدثاً باسم المحتجين ومشاركاً في المفاوضات مع الحكومة.
وبعد بروز دوره في الحراك الطلابي، سلطت الأضواء على أصوله الجزائرية ونشأته في الأحياء الشعبية، وكذلك على الانتقادات والتهديدات التي قال إنه تعرض لها منذ اتساع حضوره الإعلامي.

من الأحياء الشعبية إلى قيادة الحراك
رياض راني جزائري الأصل، وقد نشأ في بيئة اجتماعية متواضعة في شمال فرنسا. وتختلف بعض التقارير الصحافية حول تفاصيل مكان ميلاده ونشأته الأولى؛ إذ تشير تقارير إلى مدينة روان، بينما تذكر أخرى مدينة روبيه، المعروفة بأحيائها الشعبية. لكن المصادر تتفق على ارتباط تجربته الاجتماعية بأوساط محدودة الدخل، وعلى أن والده فرنسي من أصول جزائرية عمل في مهن يدوية، ووالدته فرنسية.
تحدث راني عن الصعوبات التي واجهها في طفولته ومراهقته، وعن ظروفه الصحية والاجتماعية، وهي تجارب يقول إنها جعلته قريباً من المشكلات التي تواجه الأسر ذات الدخل المحدود.
درس راني في مدينة واترلو، قرب ليل، وتابع تخصصات شملت الفنون التشكيلية والتاريخ والجغرافيا والجغرافيا السياسية والعلوم السياسية. وحصل على شهادة البكالوريا في سبتمبر/أيلول الماضي، بعد اجتياز دورة تكميلية.
في أبريل/نيسان 2026، تولى رئاسة الاتحاد النقابي لطلاب الثانويات، الذي تأسس عام 2023 وينتمي إلى اليسار الفرنسي. ويطرح الاتحاد قضايا تتصل بالعدالة الاجتماعية وحقوق المرأة والبيئة ومناهضة الفاشية، كما تربطه علاقات بالحركة النقابية الطلابية والكونفدرالية العامة للعمل.

احتجاجات تتجاوز حدود المدارس
اندلعت موجة الاحتجاجات الحالية في سبتمبر/أيلول، على خلفية شكاوى الطلاب من نقص المدرسين واكتظاظ الفصول وتدهور البنية التحتية للمدارس وطول الجداول الدراسية. واتسعت التحركات لتشمل مؤسسات تعليمية في باريس ومدن فرنسية أخرى، مع تنظيم مظاهرات وإغلاق مداخل عدد من المدارس والثانويات.
أصبحت منصة «باركورسوپ» (Parcoursup)، المستخدمة في تنظيم القبول بالتعليم العالي، من أبرز محاور الاعتراض أيضاً. ويرى المحتجون أن آليات الاختيار القائمة على السجلات الدراسية لا تأخذ بالقدر الكافي في الحسبان التفاوت في الظروف الاجتماعية والتعليمية بين الطلاب، ما قد يحد من تكافؤ الفرص.
مع اتساع الحراك، برز اسم راني متحدثاً باسم الاتحاد الذي يرأسه، وشارك في اللقاءات مع المسؤولين الحكوميين. وفي مطلع أكتوبر/تشرين الأول، اجتمع ممثلو التنظيمات الطلابية مع وزير التعليم إدوار جفراي، لكنهم أعلنوا استمرار التعبئة لعدم اقتناعهم بأن التعهدات المقدمة تلبي مطالبهم.
طالب راني، إلى جانب ممثلي التنظيمات الأخرى، باتخاذ إجراءات ملموسة، ودعا إلى عقد لقاء مع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو لعرض مقترحات محددة. وفي 8 أكتوبر/تشرين الأول، انتقد ما اعتبره غياب استجابة حكومية كافية، مؤكداً استمرار التحركات ما لم تُقدَّم حلول تستجيب للمطالب الأساسية.
وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الحكومة خطة طارئة تقضي بتوفير ثلاثة آلاف مدرس مؤهل للعمل في المؤسسات الأكثر تضرراً من النقص في الكوادر التعليمية. واعتبرت النقابات الطلابية الخطوة مكسباً أولياً، لكنها تعهدت بمواصلة الضغط من أجل معالجة أوسع للمشكلات التي يعانيها التعليم العام.
جدل سياسي حول أصول رياض الجزائرية
لم يكن صعود راني إلى الواجهة منفصلاً عن الاستقطاب السياسي في فرنسا. فقد أثار انتماؤه إلى اليسار ونشاطه النقابي وأصوله الجزائرية سجالاً واسعاً، خصوصاً مع تصاعد الخطاب المعادي للهجرة في أوساط اليمين المتطرف.
وتحدث راني عن تعرضه لتهديدات بالقتل وإهانات ذات طابع عنصري، وفقاً لما نقلته وسائل إعلام فرنسية وعربية. وقد أعادت هذه الوقائع طرح أسئلة تتعلق بحدود المشاركة السياسية للشباب من أصول مهاجرة، وبكيفية التعامل مع القيادات النقابية التي تتصدر الاحتجاجات الاجتماعية.
سياسياً، يعرّف راني نفسه بأنه من اليسار، لكنه لا يختزل نشاطه في الانتماء الحزبي. وقد شارك في انتخابات بلدية ضمن قائمة توصف بأنها منضوية في إطار اتحاد لليسار، فيما أثار ارتباطه بأوساط قريبة من حزب «فرنسا الأبية» جدلاً حول العلاقة بين الحركة الطلابية والأحزاب السياسية. ودافع عن استقلالية العمل النقابي، مؤكداً أن جوهر مهمته يتمثل في نقل مطالب الطلاب والدفاع عنها.
اختبار للحكومة وللتعليم العام
تكشف الاحتجاجات التي يتصدرها راني عن أزمة تتجاوز المطالب اليومية داخل المدارس. فالنقص في الكوادر التعليمية، وتفاوت جودة المؤسسات بين المناطق، والاعتراضات على آليات الالتحاق بالتعليم العالي، تعكس مخاوف أوسع بشأن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
وبحسب وكالة رويترز، أعلنت وزارة التعليم الفرنسية بقاء 141 مدرسة مغلقة في 9 أكتوبر/تشرين الأول، فيما شارك نحو 71,500 شخص في مظاهرات الخميس السابق، وفق أرقام وزارة الداخلية. كما امتدت التحركات إلى بعض الجامعات، بما فيها مؤسسات مرموقة في باريس، في مؤشر إلى اتساع نطاق الحراك.
تضع هذه التطورات الحكومة أمام معادلة صعبة: الاستجابة لمطالب زيادة الإنفاق على التعليم وتحسين الخدمات العامة، مع السعي في الوقت نفسه إلى ضبط عجز الموازنة والدين العام. ولا تزال النقابات الطلابية تطالب بإجراءات تتجاوز الحلول العاجلة، فيما أعلن ممثلوها عزمهم مواصلة التعبئة.
بالنسبة إلى راني، لا يبدو التفاوض بديلاً من الاحتجاج، بل مساراً موازياً له. وبين خلفيته الاجتماعية وأصوله الجزائرية ودوره النقابي، تحول الشاب إلى أحد أبرز وجوه حركة تعبر عن استياء جيل من الطلاب من واقع التعليم العام في فرنسا. ويبقى مدى قدرة هذه الحركة على انتزاع إصلاحات مستدامة، والحفاظ على زخمها بعد الاستجابة الحكومية الأولى، السؤال الأهم في المرحلة المقبلة.
شارك هذا المقال

































