
لماذا تطفو السفينة ويغرق المسمار في مجتمعاتنا؟
بقلم
تقول نظرية أرخميدس إن الجسم يطفو عندما تكون قوة الدفع التي يحصل عليها من الماء مساوية لوزنه. ولهذا يمكن لقطعة من الحديد أن تغرق، بينما تطفو سفينة ضخمة مصنوعة من الحديد نفسه. السر ليس في المادة وإنما في التصميم والتوزيع والأداء المتكامل ،فالسفينة مجوفة وواسعة، وتوزع وزنها بطريقة تجعلها تزيح من الماء ما يكفي لحملها. أما المسمار، فكتلته مركزة ولذلك يغرق.
قد تبدو هذه النظرية بعيدة عن السياسة والمجتمع، لكنها في الحقيقة تحمل درسًا بالغ الأهمية لنا نحن العرب الفلسطينيين. فنحن لسنا مجتمعًا قليل العدد أو قليل الإمكانات، ولدينا من الكفاءات والطاقات والمؤسسات والخبرات ما يمكن أن يجعلنا قوة اجتماعية مؤثرة تستطيع أن تعمل بشكل متوازن ومتكامل وبكامل الحكمة بعيداً عن التشنجات والمغامرات والمراهانات غير المحسوبة. لكن المشكلة ليست دائمًا في حجم ما نملك بل في كيفية تنظيمه وتحويله إلى قوة تأثير تعمل بشكل تكاملي وتراكمي.
قد يكون المجتمع كبيرًا لكنه يبقى ضعيفًا إذا تحرك أفراده وجماعاته متفرقين. وقد يكون المجتمع تحت ضغوط هائلة لكنه يستطيع الصمود إذا امتلك مؤسسات قوية وتنظيمًا وتوزيعاً جيدًا وتعاون أفراده وحولوا طاقاته إلى عمل جماعي دون المغامرة بوجوده ومستقبله وإنقاذ أنفسهم من الغرق في بحر الجهل والتجاهل أو في الوقوع في خانات الإفراط والتفريط.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نحن سفينة تعرف كيف تطفو أم مسمار يغرق رغم صلابته؟
لدينا أطباء ومهندسون ومحامون وأكاديميون ورجال أعمال ومربون وشباب ونساء ومؤسسات وأحزاب وجمعيات وطاقات كثيرة... لكن هذه الطاقات لا تتحول تلقائيًا إلى قوة. القوة تبدأ عندما تتكامل هذه الطاقات وعندما يدرك كل فرد أن تأثيره لا يتوقف عند حدود بيته أو عائلته أو مؤسسته أو حزبه.
المجتمع المؤثر ليس المجتمع الذي يكثر فيه الكلام بل المجتمع الذي يعرف متى يتكلم وماذا يريد ومتى يستثمر الفرص وكيف ينظم نفسه وكيف يحول مطالبه إلى ضغط مدني وسياسي واجتماعي مشروع يصب في الحفاظ على وجوده وأمن مستقبله.
والتأثير لا يعني الصدام ولا يعني الفوضى ولا يعني أن يرفع الإنسان صوته فقط. التأثير يعني أن يعرف المواطن قيمة صوته وقيمة مشاركته وقوة اختياره وقدرته على مساءلة المسؤول ودعم المؤسسات الجادة والمشاركة في العمل العام والتعاون مع الآخرين وإلزامهم بعدم تجاهله. التأثير هو عدم إفساح المجال لمن يقررون مصير المجتمع بأن يقرروا نيابة عنه أو أن يختفي وقت لزوم تواجده ورفع صوته وعدم التفريط بالمشاركة بكل ما يتعلق بوجوده ومصيره.
إذا أردنا مجتمعًا أكثر أمنًا، فعلينا أن نشارك في بنائه. وإذا أردنا تعليمًا أفضل، فعلينا أن نطالب به وندعم من يعمل من أجله. وإذا أردنا مواجهة الجريمة والعنف، فعلينا ألا نكتفي بإدانته بعد وقوعه بل أن نشارك في بناء منظومة اجتماعية تحاصر العنف وتحمي أبناءنا. وإذا أردنا تمثيلًا سياسيًا أقوى، فعلينا أن نستخدم قوتنا الانتخابية والمدنية بوعي وأن نحاسب من يمثلنا.
السفينة لا تطفو لأن البحر قرر مساعدتها؛ بل لأنها بُنيت بطريقة تجعلها قادرة على مواجهة البحر.
وهذه هي الرسالة التي نحتاج إلى فهمها: نحن لا نستطيع أن نختار البحر الذي نعيش فيه، لكننا نستطيع أن نختار كيف نبني سفينتنا التي تنقلنا إلى شط الأمان.
قد تكون الظروف من حولنا صعبة وقد تكون التحديات كبيرة، لكن الاستسلام للظروف ليس قدرًا. إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتصور أن المواطن فرد صغير لا يستطيع التأثير. فالمجتمعات لا تتغير دفعة واحدة؛ التغيير يبدأ عندما يقرر عدد متزايد من الناس أن ينتقلوا من موقع المتفرج أو المهرج أو المراقب أو الواعظ او المنظِّر أو الواصف للأحداث أو الراسم للمشهد إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل.
كل واحد منا يستطيع أن يكون جزءًا من قوة الدفع: بصوته، بعمله، بمشاركته، بكلمته، باختياره، وأحيانا بصمته، وبالتزامه تجاه مجتمعه.
فلا يكفي أن نسأل: لماذا لا يتغير واقعنا؟ علينا أن نسأل: ماذا أفعل أنا حتى يتغير؟ هذه هي نقطة التحول.
فإما أن نبقى مجموعة من الأفراد كل واحد يحمل نفسه وحده، فنكون مثل المسمار الذي يغرق منفردًا؛ وإما أن نبني سفينة مجتمع تتكامل فيها الطاقات وتتوزع فيها المسؤوليات وتتكامل فيها الأدوار وتتراكم بها التجارب، ويصبح لكل فرد فيها دور. عندها نستطيع أن نتحول من مجتمع يتلقى الأحداث إلى مجتمع يصنع تأثيره ويشارك في صناعة مستقبله.
السفينة تطفو لأنها تعرف كيف توزع وزنها وكيف تلزم البحر أن يحملها رغم أمواجه العاتية وطبيعة مياهه التي تُغرق ما فوقها. والمجتمع ينهض عندما يعرف كيف يوحد طاقاته ويعمل بشكل تراكمي وتكاملي ليطفو فوق سطح بحر الكراهيات والتمييز والظلم مهما كثرت أمواج التحديات واضطربت الدوامات.
شارك هذا المقال

































