
شباب من الصرب يرتدون أعلاماً عليها صور مجرم الحرم راتكو ملاديتش.
رماد السياسة وحراسة الذاكرة
لا يزال البلقان يثبت مع كل أزمة عابرة أن جغرافيته تحمل ذاكرة لا تنام، ففي مطلع أيلول 2026 أعادت جنازة الجنرال راتكو ملاديتش المحكوم دوليًا بالسجن المؤبد بسبب ارتكابه جرائم إبادة جماعية فتح جرح ظن أنه اندمل، فحين شيع الجنرال في بلغراد وجمهورية صربيا بمراسم شعبية ورسمية حاشدة لم يكن تنديد المجتمع الدولي وفي مقدمته تركيا ردًا عابرًا على ما حدث، بل تعبيرًا عن قلق أعمق بأن تمجيد مجرمي الحرب ليس مجرد إساءة للذاكرة، بل دليل على أن الاحتقان لم يُعالج يومًا بل جُمد فقط.
استندت يوغوسلافيا تيتو إلى شعار الأخوة والوحدة، وكان مبدأً سياسياً رسمياً فرض فرضاً لصهر ست جمهوريات وقوميات متعددة في هوية واحدة. ولم يكن بمقدور هذا الشعار أبداً أن يعادل أو أن يكون تجربة مصالحة حقيقية، بل كان إجراء إداريا جمد الجروح التاريخية قسرا وأوهم الناس بالسلام الظاهر الذي تحول إلى قنبلة موقوتة نائمة حتى جاءت ثمانينيات بانهيار اقتصادي حاد، وهنا ظهر إخفاق الدولة الذي حاولت النخب الحاكمة التغطية عليه بخطاب قومي متشدد بزعامة ميلوشيفيتش.
إن استدعاء معركة كوسوفو سنة 1389 وكأنها حدثت بالأمس، أعاد إنتاج مظلومية قديمة ليسقطها على مسلمي البوسنة المعاصرين في صورة التركي الغازي الذي يجب الانتقام منه. إنها الهندسة السياسية التي تستثمر الذاكرة الجمعية للهروب من الفشل في إدارة الدولة وانهيار اقتصادها وعجزها عن الوفاء بوعودها منح مواطنيها العيش الكريم.
صناعة التوحش وحدود المسؤولية
يمكن تفسير هذه الظاهرة بأمرين: الأول الصدمة العابرة للأجيال، حيث تتبنى الجماعة عقلية الضحية الأبدية، فتمنح نفسها حقا أخلاقيا مطلقا في العنف الاستباقي. والثاني تسييل المسؤولية، حيث يذوب الذنب الفردي في مفاهيم الواجب القومي والأوامر العليا. في هذا المناخ المشحون يصبح الجار جاسوسا والطفل تهديدا بيولوجيا يجب استئصاله.
كنا نأمل أن تنأى أجيال اليوم بنفسها عن أولئك الذين حملوا السلاح وارتكبوا الجرائم، أينما وقعت، في البلقان كما في سوريا، على سبيل المثال. كان ينبغي للدولة الصربية وعلى الكنيسة الصربية أيضاً أن تعمل على تنشئة جيل متصالح مع تاريخه، يدرك أن هذا الرجل ينتمي إلى تاريخ بلده وإلى بلده نفسه، لكنه يظل مجرم حرب لا يستحق التمجيد. إن إدانة الجرائم لا تعني إدانة شعب بأكمله، كما أن الانتماء إلى شعب ما لا يمكن أن يكون مبررًا لتبرئة مجرميه أو تمجيدهم. وتقع على عاتق الدولة مسؤولية الإسهام في بناء ذاكرة تعترف بالجريمة من دون أن تنقل وزرها إلى أجيال لم ترتكبها.
الإبادة كاستراتيجية محو ممنهج
لم تكن عمليات جيش صرب البوسنة بقيادة ميلاديتش مجرد عمليات حربية بل مشروعًا مزدوجًا تمثل بالمحو الثقافي بحرق المكتبات وهدم المساجد والجسور والمحو البيولوجي البشري بإعدام الرجال والفتيان لمنع استمرار النسل. فحصار سراييفو دام 44 شهرًا استهدف الشجر والبشر. أما ما شهدته سربرينيتسا فيي تموز 1995، فتتمثل الصورة الأكثر قتامة بأن الأمم المتحدة قد وعدت السكان بحماية المنطقة الآمنة، لكن ما حدث أن أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي من المدنيين قتلوا على أيدي الصرب في غضون أيام. هذا تغيير في الهندسة الديموغرافية بمعناها الأقصى، تغيير تركيبة الأرض بدم أهلها. ولم يكن القوس الكرواتي بعيدًا عن هذا المنطق، فبين عامي 1993 و1994 وبعد تحالف أولي مع المسلمين تحول كروات البوسنة إلى خصوم، فدمروا قرية أحمدجي وقصفوا جسر موستار القديم ودمروه، لم يكن الجسر هدفًا عسكريًا بل رمزًا ثقافيًا أرادوا محوه ومحو اي أثر للعثمانيين من ذاكرة المدينة.
القائد المسلم الذي رفض الانحدار إلى مستوى الجلاد
في مواجهة هذا الانهيار برز علي عزت بيغوفيتش قائدا فكريا وسياسيا نادرا. انطلق من مبدأ القتال دون التخلي عن الهوية الحضارية، فلم يسمح بهدم دور العبادة أو استهداف المدنيين من الصرب والكروات رداً على المجازر التي ترتكب بحق شعبه المسلم. وحين أُجبر على توقيع اتفاقية دايتون سنة 1995 لإنقاذ شعبه من الإبادة الكاملة، قبل السلام المر كخيار عقلاني أوقف النزيف وأخذ معركة العدالة إلى ساحته.
البعد الدولي وتوازنات النفوذ في البلقان.
لا يمكن قراءة البوسنة بمعزل عن محركاتها الإقليمية، ويأتي الدور التركي في هذا السياق بمنطقيته الخاصة، لا كعاطفة بل كسياسة منظمة تستند إلى ثلاث روافد، رافد تاريخي من باب الحكم العثماني المسلم الذي ترك في البلقان إرثًا معماريًا ودينيًا وثقافيًا؛ ورافد ديموغرافيًا، حيث يتقاطع البوشناق مع هوية تركية الإسلامية المعاصرة؛ والرافد الأخير استراتيجي من حيث أن البوسنة مدخل للتوازن الإقليمي في البلقان الغربي. في المقابل تتشكل توازنات جديدة تجعل من جمهورية صربيا نقطة ارتكاز لنفوذ خارجي يتقاطع مع مشاريع الانفصال، وهو استقطاب لا يخدم الاستقرار بل يحول البلقان إلى ساحة تنافس تبقي الجرح مفتوحًا.
المصالحة المشروطة، نسامح ولا ننسى
من منظور علي عزت بيغوفيتش، الإبادة ليست مجرد جريمة سياسية، بل هي خطيئة وجودية تنتهك الكرامة التي أكرم الله بها الإنسان. وفي كتابه "هروبي إلى الحرية"، يرفض بيغوفيتش الحياد إزاء الظلم رفضًا قاطعًا. ومن هذا المنظور، يرى أن تمجيد مجرم حرب ما لا يمكن اختزاله في مجرد موقف سياسي، بل هو انحياز إلى الشر وتنكر أخلاقي. إنها خطيئة مزدوجة: خطيئة في حق الضحايا، بإنكار كرامتهم والاستخفاف بدمائهم، وخطيئة في حق الأجيال الجديدة، بزرع بذور الانتقام في وعي من وُلدوا بعد انتهاء الحرب.
عن المؤلف
مدير التحرير
شارك هذا المقال

































