
حتى لا تبقى الثروة حكراً على الأغنياء
بقلم
ملاحظة: أنا أقرأ القرآن في ضوء العلم والفلسفة والأخلاق والسياسات العامة. هذه ليست مناقشة لاهوتية، لكنها بعض الأفكار العقلانية التي راودتني في ضوء قراءتي للقرآن.
﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، كي لا يكون المال متداولًا بين أغنيائكم﴾ (الأعراف: 59)
حين تتوقف الاشتراكية عن كونها تهمة سياسية
تقترب الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة من نهايتها، بالتزامن مع صعود مفاجئ للاشتراكية الديمقراطية. وهذا أمر غير مسبوق من نواحٍ عديدة.
فعلى خلاف أوروبا، حيث الأحزاب الاشتراكية جزء من التيار السياسي السائد منذ زمن طويل، كادت كلمة «الاشتراكية» في الولايات المتحدة أن تكون تهمة سياسية. فقد ارتبطت خلال الحرب الباردة بالاتحاد السوفييتي والإلحاد وفقدان الحرية الفردية.
لكن يبدو أن شيئًا ما بدأ يتغير.
ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لعام 2026، تمكّن عدد من المرشحين التقدميين والاشتراكيين الديمقراطيين من هزيمة سياسيين مخضرمين. وليس جميع هؤلاء المرشحين أعضاء في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA). فالمرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبدول السيد، على سبيل المثال، ينتمي إلى الحركة التقدمية الأوسع، وليس إلى الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا. مع ذلك، فإن في دعمه للرعاية الصحية الشاملة تحدٍ لنوع آخر من المحرمات الراسخة في السياسية الأمريكية: فهو يقول إن الرعاية الصحية ينبغي أن تُعامل كمنفعة عامة شاملة، لا سلعةً متاحةً بحسب قدرة الفرد على الدفع.
يدعم كثير من هؤلاء المرشحين حقوق الفلسطينيين، وينتقدون الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، ويرفضون استخدام أموال الشركات في السياسة. وقد خاض بعضهم الانتخابات في مواجهة مبالغ فلكية من أموال لجان العمل السياسي الكبرى (Super PACs)، بما في ذلك أموال لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)؛ ومع ذلك، لا يبدو أن كثيرًا من الناخبين العاديين، لا سيما الديمقراطيين الأصغر سنًا، يهتمون بذلك. فاهتمامهم الأكبر ينصب على السكن والرعاية الصحية والتعليم وتكاليف المعيشة.
لا ينبغي اعتبار هذا بمثابة حملة ضد اليهود. فرائد الحركة الاشتراكية الديمقراطية المعاصرة في الولايات المتحدة هو بيرني ساندرز Bernie Sanders، وهو أمريكي يهودي. لكنه ينتقد الحكومة الإسرائيلية بشدة ويدافع عن حقوق الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
وهناك شخصيات يهودية بارزة أخرى ضمن هذه الحركة الأوسع. براد لاندر Brad Lander، على سبيل المثال، يهودي ويعرّف نفسه بأنه صهيوني ليبرالي. ومع ذلك، وقف إلى جانب زهران ممداني في معارضة الاحتلال ودعم حقوق الفلسطينيين.
فلماذا، إذن، أصبح كثير من الأمريكيين الشباب مستعدين للتصويت لأفكار سياسية كان آباؤهم يعتبرونها خطيرة؟
الجواب ليس الأيديولوجيا، بل القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة. فعندما يعمل الناس بدوام كامل ومع ذلك يعجزون عن تحمل تكاليف حياة عادية، يبدأون في التشكيك في النظام الاقتصادي نفسه.
وأستطيع أن أرى هذا التغير في حياتي المهنية.
عندما وصلت إلى أستراليا عام 2007، جئت ومعي وظيفة. وكان راتبي عند بدء العمل نحو 69 ألف دولار. أما اليوم، فالراتب الابتدائي للوظيفة نفسها يبلغ نحو 100 ألف دولار. للوهلة الأولى، يبدو أن الراتب قد ارتفع 31 ألف دولار. لكن للمال قيمة اسمية وقيمة حقيقية.
فبين عامي 2007 و2026، ارتفعت أسعار المستهلكين في أستراليا بنحو 69 في المئة. وعليه، فالراتب الذي كان قدره 69 ألف دولار في ذلك الوقت يعادل نحو 116600 دولار اليوم. وبحساب القوة الشرائية الحقيقية، الراتب الابتدائي الحالي أقل من الراتب القديم بنحو 17 ألف دولار.
حتى هذا لا يقدم الصورة كاملة. فمقاييس التضخم العام تقيس متوسط سلة من السلع والخدمات. أما السكن، وهو أكبر النفقات بالنسبة إلى كثير من العمال الشباب، فقد ارتفعت تكلفته بوتيرة أسرع بكثير. لقد ارتفع الرقم المكتوب في عقد العمل، لكن ما يمكن شراءها بذلك الرقم أصبح أقل.
يصف جوزيف ستيغليتز Joseph Stiglitz هذه العملية في كتابه «ثمن عدم المساواة». منذ نحو عام 1980، لم يتوقف الاقتصاد الأمريكي عن النمو، لكن ثمار هذا النمو انتقلت بصورة متزايدة إلى القمة. ولم تختفِ الطبقة الوسطى، لكن أمنها الاقتصادي أصبح أجوف من الداخل.
لم يكن الحلم الأمريكي يومًا وعدًا بأن يصبح الجميع متساوين في الثروة. كان وعدًا بأن العمل العادي يمكن أن يوفر حياة عادية، إنما آمنة ومستقرة. اليوم، تحطم ذلك الوعد بسبب أزمة القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة.
وتذهب كلارا ماتّي Clara Mattei بالحجة إلى أبعد من ذلك في كتابها «الهروب من الرأسمالية»؛ إذ ترى أن الرأسمالية تقوم على ركيزتين: الاستثمار الخاص والعمل المأجور.
فمالكو رأس المال يحصلون على الأرباح وتوزيعات الأرباح والإيجارات والمكاسب الرأسمالية. أما معظم الناس الآخرين، فعليهم بيع قوة عملهم لقاء أجر. يستطيع رأس المال أن يعيد إنتاج نفسه. فالشخص الذي يملك منازل أو أسهمًا أو شركات تزداد ثروته مع نمو قيمة هذه الأصول. أما من لا يملك رأس مال، فعليه العودة إلى العمل كل يوم كي يكسب أجرًا جديدًا.
ينشأ عن ذلك دورانٌ متعاضد يعزز نفسه بنفسه. فالثروة تدر دخلًا، والدخل يتيح شراء مزيد من الثروة. أما الذين لا يملكون رأس مال، فينفقون معظم أجورهم على الضروريات، ولا يتبقى لهم إلا القليل للاستثمار.
فبالنسبة إلى مالك منزل، يؤدي ارتفاع أسعار المساكن إلى تكوين الثروة. أما بالنسبة إلى عامل شاب يحاول شراء منزله الأول، فالارتفاع نفسه في السعر يخلق لديه أزمة في تحمّل تكاليف السكن. فالحدث الاقتصادي نفسه يجعل شخصًا أكثر ثراءً، ويُبعد شخصًا آخر أكثر عن إمكانية التملك.
حين ينبغي للثروة أن تتداول
كيف يمكننا حل هذه المشكلة؟
الجواب الصادق هو أن الأمر ليس سهلًا لا سيما في عصر العولمة. فالحكومات والعمال ما زالوا مقيدين بالحدود الوطنية، بينما يستطيع رأس المال وقطاع التصنيع الانتقال إلى الخارج بحثًا عن أجور وضرائب أقل. ومن ثم، فإن اتباع سياسة تسعى لحماية حقوق العمال قد تشجع الشركات على نقل نشاطها إلى مكان آخر.
أحد الحلول المقترحة هو فرض ضريبة على الثروة. فبدلًا من فرض الضرائب على ما يكسبه الناس أو ينفقونه فحسب، تفرض هذه الضريبة التزامًا دوريًا على جزء من الثروة التي راكموها. لكن هذا يثير مخاوف أخرى: إلى أي مدى علينا منح الدولة السلطة علينا؟
لقد ركزت الدول الشيوعية ذات الاقتصاد المخطط مركزيًا قدرًا هائلًا من القوة الاقتصادية في يد الحكومة. فأصبحت الدولة المالك ورب العمل والمخطط والموزع. وغالبًا ما كان التركيز الاقتصادي في يد واحدة طريقاً إلى تعزيز السلطوية السياسية.
لكن السلطوية ليست حكرًا على الاشتراكية. فقد تصبح الشركات أيضًا قوية إلى درجة تمكنها من التأثير في الحكومات والعمليات الديمقراطية.
السؤال الحقيقي ليس ببساطة لمن ينبغي أن تكون السلطة: للدولة أم للسوق، بل كيف يمكن الحد من القوة الاقتصادية وإخضاعها للمساءلة.
وقد ذكّرني هذا السؤال بالزكاة، الركن الثالث من أركان الإسلام.
فالزكاة ليست مجرد صدقة تطوعية، بل فريضة دينية واجبة على المسلمين الذين يملكون ثروة مستحقة للزكاة تتجاوز حدًا أدنى معينًا يُعرف بالنصاب. والمعدل المعروف هو 2.5 في المئة من بعض أنواع الثروة التي يحول عليها الحول.
وكغيري من المسلمين، تعلمت مقدار الزكاة التي ينبغي دفعها ووقت دفعها ومن يحق له تلقيها. لكنني لم أطرح السؤال الأهم: لماذا جعل الله نقل جزء من الثروة أمرًا واجبًا؟
أعادني هذا السؤال إلى الآية التي استهللت بها هذا المقال.
فالآية تتعلق مباشرة بالفيء، أي بالمال الذي تحصل عليه الجماعة المسلمة من دون قتال، وليس بالزكاة. لكن السبب الذي تذكره الآية في توزيع هذا المال يعبر عن مبدأ اقتصادي أوسع بكثير: ينبغي ألا تبقى الثروة محصورة في دائرة صغيرة من الأشخاص الذين يملكونها أصلًا.
بناءً على ذلك، لعله علينا أن نفهم الزكاة لا بأنها مجرد مساعدة للفقراء، بل باعتبارها إحدى الأدوات الاقتصادية التي يمنع الإسلام من خلالها حصر الثروة في يد شخص أو فئة أو سلطة.
الزكاة ليست معادلاً لضريبة الثروة الحديثة. كما أنه ليس صحيحًا القول إن الزكاة تاريخيًا لم تكن تتطلب أي تدخل من الدولة. فالقرآن يقر بوجود العاملين على جمعها، وقد أمر النبي بأخذ الصدقة من أموال الناس. وفي خلافة أبي بكر، فرضت سلطة الخلافة أداء هذا الالتزام عندما رفضت بعض القبائل دفع الزكاة.
مع ذلك، لا تتطلب الزكاة من الدولة امتلاك وسائل الإنتاج أو السيطرة على الاقتصاد. إذ يمكن دفع الزكاة مباشرة أو توزيعها من خلال مؤسسات المجتمع أو أن تتولى السلطات القائمة إدارتها.
الأهم من ذلك أن سلطات جابي الزكاة محدودة وليس بوسعه تجاوزها؛ فمقاديرها وأنصبتها وفئات مستحقيها محددة. ولا يمكن للزكاة أن تختفي ببساطة داخل ميزانية حكومية عامة.
وعليه، تقف الزكاة في موقع ما بين الصدقة التطوعية والضريبة المركزية. لكن النظام الاقتصادي الإسلامي لا يقوم على الزكاة وحدها.
الإسلام حرم الربا لكي يحد من الكسب المضمون من الإقراض. فيما تعمل باستمرار الصدقة على إعادة توزيع الثروة بما يتجاوز الحد الإلزامي الأدنى. أحكام الميراث تقسم الثروة بين دائرة أوسع من المستحقين. والأجور العادلة والتجارة النزيهة والمسؤوليات تجاه المدينين جزء من المنظومة الأخلاقية الاقتصادية نفسها.
لا يلغي الإسلام الملكية الخاصة أو الربح أو التفاوت في الثروة. فالمشكلة تظهر عندما يتحول عدم المساواة إلى دائرة مغلقة: تنتج الثروة مزيدًا من الثروة لمن يملكونها أصلًا، بينما يبقى الذين يعتمدون على الأجور خارج دائرة التملك بصورة دائمة.
حين يغير الغضب الاقتصادي اتجاهه
لم يبدأ الاضطراب السياسي في الولايات المتحدة مع الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا. فقد سبقته حركة حزب الشاي.
لا يمكن مقارنة حركة حزب الشاي بمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلا من زاوية محدودة واحدة: فقد ظهرت كلتاهما كحركتي تمرد على نظام سياسي قائم. أما مشاريعهما السياسية وأهدافهما النهائية فمختلفة جذريًا. فحركة حزب الشاي تسعى إلى تشكيل حكومة أصغر وضرائب أقل، بينما يسعى الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا إلى مزيد من إعادة توزيع الثروة وخدمات عامة أقوى وتحول اشتراكي ديمقراطي. فما يجمع بينهما هو رفضهما المؤسسة السياسية والوضع الاقتصادي القائم.
أضعفت حركة حزب الشاي القيادة الجمهورية التقليدية ومهدت الطريق أمام دونالد ترامب. وقد وعد ترامب بحماية العمال الأمريكيين وتحسين حياة الناس العاديين. لكن أزمة القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة بقيت قائمة. ولنا في نيويورك صورة لافتة لما حدث بعد ذلك.
ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز Alexandria Ocasio-Cortez، اشتراكية ديمقراطية وعضوة في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية نيويورك. وقد دعم بعض الناخبين في دائرتها الانتخابية كلاً منها ومن ترامب، لأنهم كانوا ينظرون إلى كليهما دخيلين مناهضين للمؤسسة السياسية.
وفي وقت لاحق، أيد عدد كبير من سكان نيويورك الذين صوتوا لترامب، زهران ممداني، وهو اشتراكي ديمقراطي آخر أصبح عمدة لمدينة نيويورك.
لا يمكننا القول إن الناخبين في الحالات الثلاث كانوا جميعًا الأشخاص أنفسهم. لكن يبدو أن بعض الفئات الاجتماعية نفسها انتقلت من دعم أوكاسيو-كورتيز إلى ترامب، ثم اتجهت لاحقًا نحو ممداني. قد تبدو أصواتهم متناقضة أيديولوجيًا. لكن إحباطاتهم متناسقة تناسقاً لافتاً.
وتظهر علامات التحذير نفسها في أماكن أخرى. ففي بريطانيا، يتحدى حزب «إصلاح في المملكة المتحدة» الأحزاب التقليدية، بينما تشهد حركة «أمة واحدة» في أستراليا مرحلة جديدة من النمو.
العنصرية ومعاداة السامية والإسلاموفوبيا ظواهر حقيقية. وعلينا أن نحددها ونواجهها ونعمل باستمرار للقضاء عليها.
لكن سياسة إطلاق التسميات وحدها لن تحل هذا الاضطراب الديمقراطي. فقد يؤدي وصف الناخبين الساخطين بالعنصريين أو المعادين للإسلام أو للسامية أحيانًا إلى تحديد تحيز حقيقي. لكنه لا يفسر سبب انهيار الولاءات السياسية الراسخة، ولا سبب استمرار الناس في البحث عن بدائل صادمة للنظام القائم.
ومن دون معالجة الظلم الاقتصادي الأعمق، لن تؤدي الإدانة الأخلاقية وحدها إلى استعادة الثقة.
ملاحظة ختامية: الجواب على مشاكل توزيع الثروات ليس الزكاة وحدها. والأمر ليس ببساطة صراعًا بين الرأسمالية والاشتراكية، أو بين السوق والدولة.
التحدي الحقيقي لقراءتنا للقرآن هو كيف نبني نظاماً اقتصادياً يوفر فيه العمل الكريم، ويتحمل فيه رأس المال مسؤولياته، وتظل فيه الحكومة خاضعة للمساءلة، وتتحرك فيه الثروة عبر المجتمع بأسره.
الآية التي استهللت بها المقال لا تقدم لنا مجرد قاعدة لتوزيع الفيء، وهي لا تبرر فرض الزكاة فقط. إنها تقدم لنا معيارًا يمكن من خلاله الحكم على أي نظام اقتصادي: هل تتداول الثروة في المجتمع بأسره، أم لا تتداول إلا بين الأغنياء؟
شارك هذا المقال


































