تشييع رفات فلسطينيين قضوا تحت أنقاض مبنى دُمِّر على غزة، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026.

بين أهداف إسرائيل وإرادة رب إسرائيل

مدة القراءة: 5 دقائق

اسطنبول

اسطنبول

خمسون عامًا من إعادة تشكيل المنطقة

من تفكيك الدول إلى السيطرة على الممرات وصناعة التبعية

لم تعد إسرائيل تخفي طموحها إلى أن تصبح القوة المهيمنة على الشرق الأوسط، لا باحتلال عواصمه وجيوشه، وإنما بالتحكم في موازين قوته وممراته الاستراتيجية وقراراته السياسية والاقتصادية والأمنية.

وما نشهده اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة، بل هو مسار تاريخي تتجمع نتائجه أمام أعيننا. فمنذ اتفاقيات السلام، مرورًا بتدمير العراق وتسلط بيت الأسد على سوريا ثم سقوطهم وتفكك ليبيا والسودان واليمن، وصولًا إلى الاتفاقيات الإبراهيمية، أخذت المنطقة تفقد مراكز قوتها، بينما تتسع فرص إسرائيل لفرض إرادتها.

ليس ضروريًا أن تكون إسرائيل قد صنعت كل هذه الأزمات؛ فقط يكفيها أن تستثمرها وتدفع نتائجها في الاتجاه الذي يخدم مشروعها. إنها لا تحتاج إلى احتلال المنطقة ما دامت تستطيع التأثير في قراراتها وإضعاف قوتها وربط أمنها بمصالحها.

الممرات الاستراتيجية مفتاح الهيمنة

من يتأمل خريطة التحركات الإسرائيلية يدرك أن الصراع لم يعد محصورًا في فلسطين، بل امتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن وشرق المتوسط. فالعلاقة الإسرائيلية المتنامية مع أرض الصومال، والتشابك مع النفوذ الإماراتي في القرن الإفريقي، والتحولات الجارية في اليمن والسودان، تكشف أهمية الموانئ والجزر والممرات البحرية في الحسابات الإسرائيلية.

وهنا تتلاقى المصالح الإسرائيلية والأمريكية؛ فالسيطرة على طرق التجارة والطاقة تمنح أصحابها نفوذًا يتجاوز القوة العسكرية. الخطير أن دولًا عربية تمتلك هذه المواقع الاستراتيجية أصبحت غارقة في الحروب والانقسامات، أو شديدة الاعتماد على الحماية الخارجية. وهكذا تتحول الجغرافيا العربية من مصدر قوة لأصحابها إلى مجال مفتوح لنفوذ الآخرين.

السعودية بين الاستنزاف ومصيدة التحالف

ما يحدث اليوم بين السعودية والحوثيين نموذج بالغ الخطورة. فالهجمات الحوثية تستنزف الأمن السعودي وتهدد منشآته واقتصاده، بينما تحاول إسرائيل استثمار هذا التهديد لتقديم نفسها شريكًا أمنيًا قادرًا على مساعدة المملكة. وقد تحدثت تقارير إسرائيلية عن عرض مساعدة استخبارية للسعودية وعن احتمالات تدخل عسكري إسرائيلي ضد الحوثيين.

وهنا يبرز السؤال: هل يصبح الخطر الذي تواجهه السعودية مدخلًا لدفعها نحو منظومة أمنية تشارك فيها إسرائيل، ثم نحو تطبيع يتجاوز القضية الفلسطينية؟ ليست مصلحة السعودية أن تُستنزف في اليمن، وقد طلبت من تحالف مكة أن يتدخل وثمة احتمال كبير أن تتدخل مصر فعلياً في الحرب لصالح السعودية. ولا مصلحة للعرب أو للمسلمين أن يتحول اليمن إلى ساحة صراع دائم. والخيار الاستراتيجي هو حماية أمن المملكة وإنهاء الحرب واستعادة الدولة اليمنية ورفض تحويل التهديدات الأمنية إلى وسيلة لفرض التبعية.

الأنظمة العربية وأزمة الإرادة

المشكلة لا تكمن في قوة إسرائيل وحدها، بل في ضعف الإرادة السياسية العربية. فمن الإمارات إلى المغرب، ومن مصر إلى دول تعاني التفكك، تتفاوت صور العلاقة بإسرائيل، لكن النتيجة المقلقة هي اتساع قدرتها على اختراق المصالح والتحالفات الإقليمية.

لقد سُوّقت الاتفاقيات الإبراهيمية باعتبارها مشروعًا للسلام والازدهار، بينما تطرح اليوم أسئلة أعمق حول توظيف التطبيع في إنشاء نظام إقليمي يمنح إسرائيل مكانة أمنية واقتصادية متقدمة. فأي سلام هذا الذي يستمر معه الاحتلال والاستيطان والعدوان؟ وأي استقرار يُبنى على حرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه؟ أو التعدي على الأراضي السورية؟ إن أخطر ما أصاب أمتنا أن يتحول بقاء بعض الأنظمة إلى مصلحة مرتبطة باستمرار ميزان القوة القائم، وأن يصبح الاستقلال السياسي عبئًا تخشى هذه الأنظمة تكلفته.

لكن إسرائيل تخسر معركة الأجيال

وسط هذه الصورة القاتمة، يولد تحول آخر ربما يكون أعمق أثرًا من التحالفات العسكرية. إنه جيل جديد يتشكل وعيه أمام مشاهد غزة ويرى حقيقة الاحتلال ويدرك الفجوة بين الشعارات الغربية عن الحرية وحقوق الإنسان وبين المواقف السياسية من فلسطين.

لم تعد الرواية الإسرائيلية تتمتع بالحصانة نفسها التي حظيت بها لعقود. فقد خرجت أجيال من الشباب في الجامعات والشوارع، في الشرق والغرب، ترفض الاحتلال والاستيطان وتطالب بالعدالة والمساءلة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: إسرائيل تحقق مكاسب في موازين القوة، لكنها تواجه تحديًا متصاعدًا في ميدان الوعي والأخلاق والشرعية. فالمعركة مع الاحتلال والظلم والهيمنة.

سنة الله في الكون: حين تنشأ القوة من قلب المحنة

التاريخ لا تصنعه القوة العسكرية وحدها، ولا تبقى موازينه ثابتة. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

ومن سنن الله أن الشدائد قد توقظ الوعي، وأن المحن قد تصنع أجيالًا أكثر إدراكًا لمسؤولياتها، لكن النصر ليس وعدًا لمن يكتفي بالغضب أو الانتظار فهو يحتاج إلى إيمان وعلم وعمل وإعداد وصبر.

وأرى أن ما يحدث اليوم قد يكون من مقدمات إعداد جيل جديد لا يرث عجز القيادات ولا يقبل الاستبداد ولا يختزل المقاومة في المواجهة العسكرية، وإنما يبني مشروعًا حضاريًا يجمع المعرفة والتنظيم والعمل الشعبي والسياسي والاقتصادي والقانوني.

جيل يفرق بين نصرة فلسطين وتدمير أوطان المسلمين، وبين الشجاعة والمغامرة، وبين المقاومة الحقيقية والشعارات التي لا تحسب نتائجها.

المعركة القادمةعلى الإنسان والوعي

قد تستطيع إسرائيل فرض اتفاقيات وتوسيع نفوذها في الموانئ والتأثير في حكومات، لكنها لا تستطيع ضمان ولاء الأجيال القادمة. وهنا تبدأ مسؤوليتنا: تحويل الوعي المتنامي إلى مؤسسات تعليمية ومراكز بحثية ومشروعات إعلامية وتعاون اقتصادي وعمل حقوقي وسياسي منظم، يملك رؤية للتحرر والبناء.

فالوعي الذي لا يتحول إلى قوة مؤسسية قد يتبدد والغضب الذي لا يتحول إلى مشروع قد يستهلك أصحابه.

إن أخطر ما يواجه إسرائيل ليس مجرد ظهور قوة عسكرية جديدة، بل ولادة جيل عربي وإسلامي وإنساني يمتلك المعرفة والإرادة، ويرفض أن يكون مستقبل المنطقة مرهونًا بمشروع الهيمنة والاحتلال. قد تكون إسرائيل اليوم في ذروة تفوقها، لكن ذروة القوة ليست ضمانًا للدوام والتاريخ لم يعرف هيمنة أبدية.

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

وإذا كانت العقود الماضية قد شهدت إعادة تشكيل المنطقة لصالح إسرائيل، فإن الأمل أن تشهد العقود القادمة إعادة بناء الإنسان الذي يرفض هذه الهيمنة، ويملك القدرة على تغييرها.

وأهم ما يحقق ذلك في مقاومة وإنهاء أحلام المشروع الصهيوني وجود قيادة متماسكة غير متنازعة، متجردة لله، لا تبحث عن المناصب والمواقع، لكنها تحمل القضية بإخلاص، ابتغاء مرضاة الله، وتضع مصلحة فلسطين والأمة فوق كل اعتبار وفوق الأهواء الشخصية.

هذه ليست أمنية تُغني عن العمل؛ إنها مسؤولية جيل ينبغي أن نشارك في إعداده من الآن.


عن المؤلف

اقرأ المزيد

اقرأ المزيد

في خطاب انتخابي.. ترامب يسخر من شيوع اسم محمد في العالم الإسلامي

في خطاب انتخابي.. ترامب يسخر من شيوع اسم محمد في العالم الإسلامي

مدة القراءة: دقيقتان

مستوطنون إسرائيليون يهاجمون وفداً دبلوماسياً أوروبياً في الضفة الغربية ويضربون رئيس بلدية فرنسياً

مستوطنون إسرائيليون يهاجمون وفداً دبلوماسياً أوروبياً في الضفة الغربية ويضربون رئيس بلدية فرنسياً

مدة القراءة: 3 دقائق

السيسي يطلب تفويضاً من البرلمان للتدخل عسكرياً في السعودية

السيسي يطلب تفويضاً من البرلمان للتدخل عسكرياً في السعودية

مدة القراءة: 3 دقائق

بمساهمة تركية.. انتهاء أعمال ترميم ضريح صلاح الدين الأيوبي بدمشق

بمساهمة تركية.. انتهاء أعمال ترميم ضريح صلاح الدين الأيوبي بدمشق

مدة القراءة: 3 دقائق

مصر تتصدر الفائزين بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة

مصر تتصدر الفائزين بجائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة

مدة القراءة: 3 دقائق

فرنسا وألمانيا تتفقان على تخفيف قيود الانبعاثات لإنقاذ صناعة السيارات الأوروبية

فرنسا وألمانيا تتفقان على تخفيف قيود الانبعاثات لإنقاذ صناعة السيارات الأوروبية

مدة القراءة: 3 دقائق

المغرب يعلن تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في سابقة تاريخية

المغرب يعلن تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري في سابقة تاريخية

مدة القراءة: 3 دقائق

واشنطن قد تستخدم أم القنابل ضد إيران وسط شكوك في قدرتها على تدمير المنشآت النووية

واشنطن قد تستخدم أم القنابل ضد إيران وسط شكوك في قدرتها على تدمير المنشآت النووية

مدة القراءة: 4 دقائق

مؤرخ فرنسي يثير من جديد الجدل حول إسلام نابليون بونابرت

مؤرخ فرنسي يثير من جديد الجدل حول إسلام نابليون بونابرت

مدة القراءة: 6 دقائق

لماذا تطفو السفينة ويغرق المسمار في مجتمعاتنا؟

لماذا تطفو السفينة ويغرق المسمار في مجتمعاتنا؟

مدة القراءة: 4 دقائق

إعلانات إسرائيلية تُستخدم للتجسس واختراق الأجهزة دون نقر المستخدم

إعلانات إسرائيلية تُستخدم للتجسس واختراق الأجهزة دون نقر المستخدم

مدة القراءة: 3 دقائق

قمة البركة تبحث سبل تحويل المبادئ الأخلاقية للتمويل الإسلامي

قمة البركة تبحث سبل تحويل المبادئ الأخلاقية للتمويل الإسلامي

مدة القراءة: دقيقتان

التعليم مفتاح نهضة الأمة الإسلامية

التعليم مفتاح نهضة الأمة الإسلامية

مدة القراءة: 5 دقائق

البرجوازية السورية... ذاكرة النهضة وسؤال العودة

البرجوازية السورية... ذاكرة النهضة وسؤال العودة

مدة القراءة: 8 دقائق

التذكير وعظمة مكانته في القرآن الكريم

التذكير وعظمة مكانته في القرآن الكريم

مدة القراءة: 3 دقائق

العصبية الحاملة للمشروع الحضاري في فكر ابن خلدون

العصبية الحاملة للمشروع الحضاري في فكر ابن خلدون

مدة القراءة: 4 دقائق

الوسطية.. تكليف من الفرد إلى الأمة (1)

الوسطية.. تكليف من الفرد إلى الأمة (1)

مدة القراءة: 25 دقيقة

مركبة ناسا الجوالة تحطم الرقم القياسي لأطول رحلة على كوكب آخر

مركبة ناسا الجوالة تحطم الرقم القياسي لأطول رحلة على كوكب آخر

مدة القراءة: 3 دقائق

المغرب ينتقد زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ويرفض الضغوطات

المغرب ينتقد زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ويرفض الضغوطات

مدة القراءة: 3 دقائق

من بلجيكا... الإيسيسكو تطلق برنامجا تدريبيا لتطوير تعليم العربية في أوروبا

من بلجيكا... الإيسيسكو تطلق برنامجا تدريبيا لتطوير تعليم العربية في أوروبا

مدة القراءة: دقيقتان

مشروع تركي للربط الكهربائي مع السعودية وسوريا والأردن

مشروع تركي للربط الكهربائي مع السعودية وسوريا والأردن

مدة القراءة: 4 دقائق

البيان الختامي لمؤتمر الحلول القرآنية لمشكلات الحضارة المعاصرة

البيان الختامي لمؤتمر الحلول القرآنية لمشكلات الحضارة المعاصرة

مدة القراءة: 7 دقائق

"الأمة" تشارك في المؤتمر الثالث عشر من سلسلة مؤتمرات بديع الزمان النورسي العالمية

"الأمة" تشارك في المؤتمر الثالث عشر من سلسلة مؤتمرات بديع الزمان النورسي العالمية

مدة القراءة: 6 دقائق

علاج جيني جديد قد يساهم في استعادة البصر للمكفوفين

علاج جيني جديد قد يساهم في استعادة البصر للمكفوفين

مدة القراءة: دقيقتان

السعودية وباكستان وتركيا ومصر تدين اعتداءات الحوثي على المملكة

السعودية وباكستان وتركيا ومصر تدين اعتداءات الحوثي على المملكة

مدة القراءة: دقيقة واحدة

دوزجة التركية تحتفي بتخرج 108 طلاب من حفظة القرآن الكريم

دوزجة التركية تحتفي بتخرج 108 طلاب من حفظة القرآن الكريم

مدة القراءة: دقيقتان

الرئيس المصري وسلطان ماليزيا يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

الرئيس المصري وسلطان ماليزيا يبحثان التطورات الإقليمية والدولية

مدة القراءة: 3 دقائق

الهند تطلق سراح قادة حركة ‌كوكروتش ودعوات لمزيد من التظاهر

الهند تطلق سراح قادة حركة ‌كوكروتش ودعوات لمزيد من التظاهر

مدة القراءة: دقيقتان

بلجيكا: 9 فتيات من كل 10 تعرضن للتحرش الجنسي

بلجيكا: 9 فتيات من كل 10 تعرضن للتحرش الجنسي

مدة القراءة: 3 دقائق

المصور الفلسطيني محمود أبو حامدة يحصد جائزة بايو للمراسلين الحربيين

المصور الفلسطيني محمود أبو حامدة يحصد جائزة بايو للمراسلين الحربيين

مدة القراءة: دقيقتان

12 ضحية وجرحى في اعتداء جديد للحوثي على المملكة السعودية

12 ضحية وجرحى في اعتداء جديد للحوثي على المملكة السعودية

مدة القراءة: 3 دقائق

من الأحياء الهمشة إلى قيادة نشاط طلابي وطني.. رياض راني

من الأحياء الهمشة إلى قيادة نشاط طلابي وطني.. رياض راني

مدة القراءة: 5 دقائق

بوتين يوافق على ضخ كميات إضافية من الديزل الروسي لخفض الأسعار عالمياً

بوتين يوافق على ضخ كميات إضافية من الديزل الروسي لخفض الأسعار عالمياً

مدة القراءة: دقيقتان

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

الجامع الأموي الكبير في حلب يعود للحياة بعد 13 عاماً من الدمار بسبب همجية نظام الأسد

مدة القراءة: 3 دقائق