
العصبية الحاملة للمشروع الحضاري في فكر ابن خلدون
بقلم
من أهم ما قدمه ابن خلدون في تفسير نشوء الدول والمشروعات الكبرى مفهوم العصبية؛ وهي عنده ليست مجرد تعصب قبلي أو حزبي، وإنما قوة التماسك والتناصر والولاء والاستعداد لتحمل التبعات، التي تجعل جماعة من الناس قادرة على حماية فكرة وتحويلها من دعوة نظرية إلى قوة مؤثرة في الواقع.
ولهذا عقد في المقدمة فصلًا بعنوان: «في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم»؛ فالفكرة مهما كانت صحيحة لا تتحول وحدها إلى واقع، وإنما تحتاج إلى جماعة تحملها وقوة تحميها وقيادة توجهها ومجتمع يحتضنها. يمكن تلخيص المعادلة الخلدونية هكذا: رسالة + عصبية حاملة + قيادة + قدرة + حاضنة اجتماعية = مشروع قادر على صناعة العمران والدولة.
فالفكرة بلا قوة حاملة قد تبقى ثقافة أو موعظة، والعصبية بلا رسالة قد تتحول إلى صراع على النفوذ والمصالح، أما حين تهذب الرسالة العصبية وتمنحها مقصدًا أخلاقيًا وحضاريًا فإنها تتحول إلى قوة بناء؛ ولذلك يرى ابن خلدون أن الدين لا يلغي العصبية، بل يرفعها ويضاعف أثرها بتوحيد المقاصد وتقليل التنازع وجمع القلوب على غاية مشتركة.
ما العصبية التي يحتاجها المشروع الحضاري اليوم؟
إذا نقلنا المفهوم إلى واقعنا المعاصر، فإن العصبية المطلوبة ليست عصبية الدم أو القبيلة أو التنظيم المغلق، وإنما عصبية رسالية حضارية: كتلة بشرية مؤمنة بالمشروع، متماسكة حول رسالته، تمتلك الثقة والكفاءة والانضباط والقدرة على التضحية، وتحوطها شبكة من المؤسسات والحاضنات والتحالفات والقدرات.
تقوم هذه العصبية على عناصر متكاملة: وضوح الفكرة، بناء الإنسان، الثقة الداخلية، المؤسسات المستقرة، الحاضنة المجتمعية، التحالفات، والقدرة المعرفية والاقتصادية والإعلامية والقانونية والدولية.
وهذا يعني أن حماية المشروع في عصرنا لم تعد مجرد حماية تنظيمية أو مادية؛ بل تشمل إنتاج المعرفة وبناء السردية وتأهيل القيادات وتمويل المؤسسات وحماية الأفراد قانونيًا وصناعة العلاقات وامتلاك أدوات التأثير في المجتمع والعالم.
من عصبية التنظيم إلى عصبية المشروع
هذه هي النقلة الأهم. فقد كان التنظيم في مراحل سابقة يمثل بدرجة كبيرة القوة الحاملة للمشروع: قيادة وأعضاء ومؤسسات وشبكات اجتماعية. لكن المشروع الحضاري في القرن الحادي والعشرين أكبر من أن يحتكره تنظيم واحد، وأوسع من أن يختزل في عضوية محددة.
لذلك فالمطلوب الانتقال من «التنظيم هو المشروع» إلى «التنظيم أحد حَمَلة المشروع»، ومن عصبية العضوية إلى عصبية الرسالة، ومن سؤال: من معنا تنظيميًا؟ إلى سؤال: من معنا في المشروع الحضاري؟
فالعالم والمفكر والخبير والاقتصادي والإعلامي ورجل الأعمال والمؤسسة المدنية يمكن أن يكونوا جزءًا أصيلًا من المشروع دون أن ينتموا إلى إطار تنظيمي واحد. وهنا يصبح التنظيم أداة لبناء الإنسان والقيادات والكفاءات والمؤسسات، لا إطارًا يحتكر الرسالة.
دوائر العصبية الحضارية
يمكن تصور العصبية الحضارية في خمس دوائر متدرجة: النواة الرسالية ← الكتلة المؤسسية ← الحاضنة المجتمعية ← شبكة التحالفات الوطنية والإسلامية ← الشبكة الإنسانية العالمية. وبهذا لا يعود المشروع رهين قيادة واحدة أو مؤسسة واحدة أو تنظيم واحد؛ فإذا أصيب جزء بقيت بقية الدوائر قادرة على حمل الرسالة واستمرارها وتجديدها.
أخطر ما يهدد المشروع
إن أخطر ما يهدد المشروع، وفق المنطق الخلدوني، ليس قوة خصومه وحدها، بل تفكك قوته الحاملة من الداخل. فعندما تضيع الثقة، ويتحول الخلاف إلى خصومة، وتتعدد مراكز الصراع، وينفصل الشباب عن الواقع، وتغلب الشخصنة والمصالح والحسوبية، تصبح الفكرة أكبر من القدرة التي تحملها.
وهنا تظهر أزمة كثير من الحركات: وفرة في الأفكار مع ضعف القدرة، وكثرة في الأفراد مع ضعف في التماسك التركيبي، واتساع في الانتشار مع محدودية التأثير، ورسالة عالمية تحملها أحيانًا أطر ضيقة.
لهذا نقول إن بناء المشروع الحضاري لا يبدأ فقط بكتابة الرؤى والاستراتيجيات، بل بإعادة بناء الثقة، وتكوين الإنسان، وصناعة القيادات، وإطلاق المؤسسات، واستيعاب الكفاءات، وتوسيع الحاضنة، وبناء التحالفات.
الخلاصة
العصبية الحضارية ليست تعصبًا للأشخاص أو التنظيمات، بل هي تماسك حول الرسالة والمقاصد الكبرى. إنها قوة اجتماعية ومؤسسية تجعل الفكرة قابلة للحياة والاستمرار والتوسع. ومن هنا فالسؤال الحاكم لأي مشروع حضاري ليس فقط: ما فكرتنا؟ بل أيضًا: من يحملها؟ وكيف نبني القوة القادرة على حمايتها وتحويلها إلى واقع؟ والقاعدة التي ينبغي أن تحكم هذا الباب هي أن كل مشروع حضاري لا يبني القوة البشرية والمؤسسية الحاملة له سيظل فكرة أكبر من قدرته على تحقيقها.
فالمطلوب إذن هو الانتقال من عصبية التنظيم إلى عصبية المشروع، ومن العضوية المغلقة إلى الكتلة الرسالية الواسعة، ومن البنية المحلية إلى الشبكة الحضارية العالمية.
شارك هذا المقال


































